و لا تصغ إلى كلام يقول: يصدر الفعل من القادر من غير ترجيح أحد الطرفين، متمسّكا بأمثلة جزئيّة فإنّ الترجيح غير العلم بالتّرجيح، و إنّه إنّما يحتاج إلى وجود التّرجيح لا إلى العلم به. فكلّ فعل يصدر عن فاعل بسبب حصول قدرته و إرادته فهو باختياره، و كلّ ما لا يكون كذلك فهو ليس باختياره.
و سؤال السّائل: أنّه بعد حصول القدرة و الإرادة هل يقدر على التّرك، كقول من يقول: الممكن بعد أن يوجد هل يمكن أن يكون معدوما حال وجوده و محال أن تكون قدرته إنّما تحصل له بقدرته، و إلّا لتسلسل.
و أمّا الإرادة فربما تحصل له بقدرة و إرادة سابقة، كالمتروّى فى طلب أصلح الوجوه، فإنّه بعد علمه بالوجوه يقصد إلى فرض وقوع واحد واحد منها بفكره، الذي يصدر عنه أيضا باختياره، لينكشف الصّلاح و الفساد فيها، فيحصل له الإرادة بما يراه أصلح.
و هذه الإرادة مكتسبة له. أمّا أسباب كسبها، و هى القدرة على الفكر و إرادته و العلوم السّابقة، فبعضها يحصل أيضا بقدرة و إرادة، لكنّها لا تتسلسل، بل تقف عند أسباب لا تحصل بقدرته و إرادته. و لا شك أنّ عند حصول الأسباب يجب الفعل و عند فقدانها يمتنع.
و الّذي ينظر إلى الأسباب الأول و يعلم أنّها ليست بقدرة الفاعل و لا بإرادته يحكم بالجبر. و هو غير صحيح مطلقا لأنّ السّبب القريب للفعل هو قدرته و إرادته. و الذي ينظر إلى السّبب القريب يحكم بالاختيار. و هو أيضا ليس بصحيح مطلقا، لأنّ الفعل لم يحصل بأسباب كلّها مقدورة و مرادة. و الحقّ ما قاله بعضهم [عليهم السّلام]: «لا
و أمّا فى حقّ اللّه تعالى، فإن اثبت له قدرة و إرادة متباينتان لزم ما يلزم هاهنا من غير إمكان نقص،[1]لكن صدور أفعاله- تعالى- عنه ليس موقوفا على كثرة، إنمّا هى سبب وجود الكثرة، فلا يتصوّر هناك إيجاب و لا اختيار.
المسألة العشرون فى عنايته و لطفه و هدايته
عنايته علمه بنظام الكلّ على ما هو عليه و نظام أمور كلّ جزء نظاما تابعا لذلك النّظام و داخلا فيه. و لطفه تصرّفه فى جميع الذّوات و الصّفات دائما تصرّفات كليّة و جزئيّة من غير شعور غيره بذلك. و هدايته هبته الشّعور لكلّ ذى شعور بما هو أليق به، ليطلبه، دون ما هو ليس أليق به.
المسألة الحادية و العشرون فى معنى حكمته وجوده تعالى
حكمته: إيجاده الموجودات على أحكم وجه و أتقنه، و سوق ما هو ناقص منها من مبدأها إلى كمالها، سوقا ملائما لها. وجوده: فيضان الخير عنه، من غير بخل و منع و تعويض، على كلّ من يقدر أن يقبله، بقدر ما يقبله.
و القائلون بالصّفات المختلفة اختلفوا فى أنّ الصفات أقدم من غيرها. فقال بعضهم: العلم أقدم، لأنّ القدرة تتعلّق بما يعلم إمكان وقوعه، لا غير. و قال بعضهم:
القدرة أقدم، لأنّ المعلوم ما لم يصدر عنه لم يمكن تعلّق العلم به. و قال قوم: الجود أقدم، لأنّ الصّفات إذا كانت مغايرة للذّات كانت صادرة عنه، و الإصدار هو الجود و كلّ هذه المباحث هوس!.
المسألة الثانية و العشرون فى معنى قدرته و فاعليّته
قد اتّضح لك ممّا مرّ أنّ القدرة تقتضى صحّة الصدور، و الفاعليّة تقتضى وقوع
[1]القبسات، ص 213.
الصّدور، و إنّما يتحقّق الوقوع بانضمام الإرادة إلى القدرة، و إنّما يتحقق الوقوع بانضمام الإرادة إلى القدرة.
المسألة الثالثة و العشرون فى معنى أزليّته و وحدانيّته
أزليّته: إثبات السّابقيّة له على غيره و نفى المسبوقيّة. و من تعرّض للزّمان أو الدّهر أو السّرمديّة فى بيان الأزليّة فقد ساوق معه غيره فى الوجود.
و وحدانيّته: هى نفى ما عداه معه فإنّ كلّ كثرة محتاجة إلى آحاد هى مباديها.
و المبدأ الأول الّذي لا مبدأ له محال أن يكون فيه كثرة أو معه كثرة بوجه من الوجوه، و إلّا لكان له مبدءا، فلم يكن هو مبدءا، و قد فرض مبدءا. هذا خلف.
المسألة الرابعة و العشرون فى أنّ جميع صفاته حقيقيّة أو كلّها سلبيّة أو اضافية أو تنقسم صفاته إلى القسمين المذكورين؟
الصّفة أمر يعقل للشّىء و لا يمكن أن يعقل إلّا معه و له، كما أنّ العرض شىء يوجد فى موضوع و لا يمكن أن يوجد إلّا فيه، و لا يلزم من أن يعقل أمر لشىء [ان] يكون ذلك الأمر موجودا فى نفس الأمر و إن لم يعقل، يدلّ على ذلك قولهم فى رسم المضاف: «إنّه
و السّلوب أيضا اعتبارات عقليّة بالمقايسة إلى أشياء لا وجود لها و لا يلزم من الاتّصاف بالأنواع الثّلاثة تركّب و لا كثرة و إذا نقص ما عداه عنه لم يثبت صفة، لا حقيقيّة، و لا إضافيّة، و لا سلبيّة، و ذلك النّقص هو التّوحيد و ما يكون فى نفس الأمر من غير تعقّل النّقص هو الوحدة.
قال رضى اللّه عنه: و ينبغى أن نتكلّم فى هذه المسائل على سبيل الاختصار، ليعرف صحّة ما ذكرناه، من أنّ هذه المسائل تتفرّع على هذا الأصل الّذي قدّمناه.
أقول: الأصل الّذي تمهّد فى هذا الباب مستغن عن إيراد هذه المسائل، و إنمّا أوردت هذه المسائل، اقتفاء لكلام أهل البحث فى هذه المسائل.
و لنختم الكلام هاهنا، و اللّه ولىّ التّوفيق، و الحمد للّه و صلواته على محمّد و آله، و السّلام على من اتّبع الهدى.
(10)مباحثات بين الطوسىّ و الكاتبىّ
(1)رسالة فى إثبات واجب الوجود لنجم الدّين على بن عمر الكاتبىّ القزوينىّ دبيران
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِأمّا بعد حمد اللّه و الثّناء عليه بما هو أهله و مستحقّه، و الصّلاة على نبيّه محمد و آله فهذه رسالة، حررّتها بالتماس من شاركتهم فى البحث من العلماء- أدام اللّه فضائلهم- فى مباحث تتعلّق بالبرهان الّذي ذكره الأوائل فى إثبات موجود واجب لذاته.
اعلم أنّ الأوائل قالوا فى إثبات هذا المطلوب العظيم: لا شكّ فى وجود موجود، فذلك الموجود إن كان واجبا لذاته فقد حصل المطلوب، و إن كان ممكنا لذاته فقد افتقر إلى مؤثّر.
فذلك المؤثّر إن كان واجبا لذاته فقد حصل المرام أيضا، و إن كان ممكنا لذاته افتقر إلى مؤثّر. فذلك المؤثّر إن كان نفس ما كان أثرا له لزم الدّور، و إنّه محال، لأنّه حينئذ يتوقّف كلّ منهما على الآخر، لوجوب تقدّم المؤثّر بالذّات على الأثر، و يلزم عنه تقدّم كلّ واحد منهما على نفسه، لأنّ الموقوف على الموقوف على الشىء موقوف على ذلك الشّىء.
و إن كان ذلك المؤثّر شيئا آخر غير ما هو أثر له، فلا يخلو: إمّا أن ينتهى إلى موجود واجب لذاته أو يتسلسل إلى غير النّهاية. و الأوّل فيه حصول المطلوب أيضا و الثّاني باطل، و إلّا لحصل مجموع مركّب من أفراد متناهية، و لو كان كذلك لكان ممكنا لذاته، لافتقاره إلى أجزائه الّتي هى غيره، و وجوب استلزام الافتقار إلى الغير إمكان المفتقر.
و كلّ ممكن لا بدّ له من مؤثّر، فلذلك المجموع مؤثّر، فذلك المؤثّر إمّا أن يكون نفسه، أو أمرا داخلا فيه، أو أمرا خارجا عنه. و الأوّل محال لوجوب تقدّم المؤثّر بالذّات على الأثر و امتناع تقدّم الشّىء على نفسه. و الثّاني أيضا محال، لأنّ المؤثّر فى المجموع مؤثّر فى كلّ جزء من أجزائه، فلو كان أحد أجزاء ذلك المجموع مؤثّرا فى ذلك المجموع لزم أن يكون مؤثّرا فى نفسه و مؤثّرا فيما هو مؤثّر فيه، و كلّ منهما محال أمّا الأوّل فلامتناع تقدّم الشّىء على نفسه، و أمّا الثّاني فلاستلزامه الدّور، و قد أبطلناه.
و لمّا بطل القسمان الأوّلان تعيّن الثّالث و هو أن يكون المؤثّر فى ذلك المجموع أمرا موجودا خارجا عن ذلك المجموع، و الخارج عن جملة الممكنات لا يكون ممكنا لذاته، و إلّا لكان داخلا فيه، بل خارجا عنه، و هو المطلوب»[1].
و اعلم أنّ هذا الإيراد ليس واردا على النّظم الطبيعىّ، لأنّ حاصله يرجع إلى أنّه لو لم يكن شىء من ذلك الموجود و لا مؤثّره و لا مؤثّره واجبا لذاته، يلزم أحد الأمور الثّلاثة، و هو إمّا الدّور، أو وجود واجب موجود لذاته، أو التّسلسل. و الأوّل و الثّالث باطلان، و فى الثّاني حصول المطلوب.
فنقول: لا نسلّم أنّ فى الثّاني حصول المطلوب، فإنّه لا يلزم من وجود موجود واجب لذاته- على تقدير أن لا يكون شىء ممّا ذكرتم من الامور الثّلاثة واجبا لذاته- وجود موجود واجب لذاته فى نفس الأمر. و المطلوب هو الثّاني لا الأوّل، و أمّا الثالث
[1]الى هنا ينتهى ما رواه المؤلّف عن الحكماء القدماء من البرهنة على إثبات وجود واجب الوجود، و سوف يبدأ ممّا يلى ذلك بالإدلاء برأيه و مناقشاته لهذا البرهان، ثمّ بيان ما يرتئيه من البرهنة على المطلوب.
فلا نسلّم أنّه باطل.
و ما ذكروه لإبطاله لا يدلّ على ذلك، لأنّهم جعلوا من لوازم التّسلسل كون المجموع الحاصل من أفراده الغير المتناهية ممكنا لذاته. و من لوازم إمكان ذلك المجموع افتقاره إلى المؤثّر، و من لوازم افتقاره إلى المؤثّر أن يكون مؤثّره: إمّا نفس ذلك المجموع، أو أمرا داخلا فيه، أو أمرا خارجا عنه. و إذا كان كذلك فلا بدّ من إبطال كلّ واحد من هذه الأمور الثّلاثة حتّى ينتفى إمكان ذلك المجموع و يلزم من انتفائه انتفاء التّسلسل، لكنّهم ما فعلوا ذلك بل أبطلوا الأمرين الأوّلين.
و أمّا الأمر الثّالث، فقالوا: إنّ الخارج عن جملة الممكنات يكون موجودا واجبا لذاته، و هو قول حقّ، و لكن لما ذا يلزم منه [أن يكون الخارج عن هذا المجموع واجبا لذاته؟ و إنّما يلزم ذلك أن لو كان] جملة الممكنات الموجودة واقعة فى هذه السّلسلة. و ذلك غير معلوم لاحتمال حصول سلاسل فوق واحدة، كلّ واحدة منها تشتمل على بعض الممكنات الموجودة فقط، لا على كلّها، سلّمنا ذلك، لكن من البيّن أنّ كون الخارج كذلك لا يدلّ على إبطاله. و إذا لم يبطلوا لازما من لوازم كون ذلك المجموع ممكنا لا يلزم انتفاء إمكان ذلك المجموع، لجواز أن يكون لازم إمكان ذلك المجموع هو ذلك اللّازم فقط.
و أنا أقول: الطريق فى ذلك- بعد إثبات صدق الشّرطيّة القائلة بأنّه لو لم يكن ذلك الموجود و لا مؤثّره و لا مؤثّر مؤثّره واجبا لذاته، يلزم أحد الامور الثّلاثة.
و هو إمّا الدّور، أو وجود موجود واجب لذاته، أو التّسلسل الواحد إن كان جملة الممكنات الموجودة واقعة فى سلسلة واحدة، أو أكثر من التّسلسل الواحد إن لم يكن كذلك- أن يقال: يلزم من صدق هذه الشّرطيّة أن يكون فى الوجود موجود واجب لذاته، لأنّ اللّازم فيها إن كان هو الدّور، و الدّور باطل، فينتفى ملزومه و يلزم من انتفائه أن يكون ذلك الموجود أو مؤثّره أو مؤثّره واجبا لذاته.
و إن كان موجود واجب لذاته، فيردّد إمّا فى اللازم أو فى الملزوم، ليحصل منه
وجود موجود واجب لذاته.
[و نقول- إنّ ذلك الموجود أو مؤثّره أو مؤثّر مؤثّره إن كان واجبا لذاته فقد حصل المطلوب و إن لم يكن شىء منها واجبا لذاته لزم أيضا وجود موجود واجب لذاته لتحقّق ملزومه حينئذ،] لأنّ لازم هذا التّقدير إن كان واجب الوجود لذاته فظاهر. و إن كان هو الدّور- و إنّه منتف- فينتفى ذلك التّقدير.
و إن كان هو التّسلسل واحدا كان أو أكثر- من الأفراد الغير المتناهية ممكنا- فيكون ذلك التّقدير- أعنى أن لا يكون ذلك الموجود أو مؤثّره و مؤثّر مؤثّره واجبا لذاته- مستلزما لكون ذلك المجموع ممكنا، و إمكان ذلك المجموع مستلزم لأن تكون علّته إمّا نفسه، أو أمرا داخلا فيه، أو أمرا خارجا منه. كلّ ذلك على الوجه الّذي مرّ.
ثمّ بعد ثبوت هاتين الملازمتين- أعنى ملازمة إمكان ذلك المجموع لما ذكرنا من التّقدير، و ملازمة أحد الامور الثّلاثة المذكورة لإمكان ذلك المجموع [لما ذكرنا من التّقدير- نقول: اللّازم لإمكان ذلك المجموع] إن كان أحد الأمرين الأوّلين و هما باطلان، فينتفى إمكان ذلك المجموع. و يلزم من انتفائه انتفاء التّسلسل، واحدا كان أو أكثر، و من انتفائه انتفاء ما ذكرناه من التّقدير.
و إن كان اللّازم هو الأمر الثّالث كان هذا اللّازم لازما للتسلسل المذكور، لأنّ المستلزم للمستلزم للشىء مستلزم لذلك الشىء فنقول: التّسلسل- واحدا كان أو أكثر- إمّا أن يكون باطلا أو حقّا، فإن كان باطلا يلزم انتفاء ما ذكرنا من التّقدير لانتفاء لازمه، و إن كان حقّا يلزم وجود موجود واجب لذاته، فعلم أنّ وجود موجود واجب لذاته لازم الثّبوت على جميع التّقادير.
و إن شئنا قرّرنا البرهان على هذا الوجه و قلنا: لو لم يكن فى الوجود موجود واجب لذاته لزم انحصار الموجودات فى الممكنات، و لو انحصرت الموجودات فى الممكنات لزم أحد المجموعات الثّلاثة، و هو إمّا انحصار الموجودات فى الممكنات مع الدّور، أو الانحصار المذكور إمّا مع تسلسل واحد، أو مع تسلسلات