و السّلوب أيضا اعتبارات عقليّة بالمقايسة إلى أشياء لا وجود لها و لا يلزم من الاتّصاف بالأنواع الثّلاثة تركّب و لا كثرة و إذا نقص ما عداه عنه لم يثبت صفة، لا حقيقيّة، و لا إضافيّة، و لا سلبيّة، و ذلك النّقص هو التّوحيد و ما يكون فى نفس الأمر من غير تعقّل النّقص هو الوحدة.
قال رضى اللّه عنه: و ينبغى أن نتكلّم فى هذه المسائل على سبيل الاختصار، ليعرف صحّة ما ذكرناه، من أنّ هذه المسائل تتفرّع على هذا الأصل الّذي قدّمناه.
أقول: الأصل الّذي تمهّد فى هذا الباب مستغن عن إيراد هذه المسائل، و إنمّا أوردت هذه المسائل، اقتفاء لكلام أهل البحث فى هذه المسائل.
و لنختم الكلام هاهنا، و اللّه ولىّ التّوفيق، و الحمد للّه و صلواته على محمّد و آله، و السّلام على من اتّبع الهدى.
(10)مباحثات بين الطوسىّ و الكاتبىّ
(1)رسالة فى إثبات واجب الوجود لنجم الدّين على بن عمر الكاتبىّ القزوينىّ دبيران
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِأمّا بعد حمد اللّه و الثّناء عليه بما هو أهله و مستحقّه، و الصّلاة على نبيّه محمد و آله فهذه رسالة، حررّتها بالتماس من شاركتهم فى البحث من العلماء- أدام اللّه فضائلهم- فى مباحث تتعلّق بالبرهان الّذي ذكره الأوائل فى إثبات موجود واجب لذاته.
اعلم أنّ الأوائل قالوا فى إثبات هذا المطلوب العظيم: لا شكّ فى وجود موجود، فذلك الموجود إن كان واجبا لذاته فقد حصل المطلوب، و إن كان ممكنا لذاته فقد افتقر إلى مؤثّر.
فذلك المؤثّر إن كان واجبا لذاته فقد حصل المرام أيضا، و إن كان ممكنا لذاته افتقر إلى مؤثّر. فذلك المؤثّر إن كان نفس ما كان أثرا له لزم الدّور، و إنّه محال، لأنّه حينئذ يتوقّف كلّ منهما على الآخر، لوجوب تقدّم المؤثّر بالذّات على الأثر، و يلزم عنه تقدّم كلّ واحد منهما على نفسه، لأنّ الموقوف على الموقوف على الشىء موقوف على ذلك الشّىء.
و إن كان ذلك المؤثّر شيئا آخر غير ما هو أثر له، فلا يخلو: إمّا أن ينتهى إلى موجود واجب لذاته أو يتسلسل إلى غير النّهاية. و الأوّل فيه حصول المطلوب أيضا و الثّاني باطل، و إلّا لحصل مجموع مركّب من أفراد متناهية، و لو كان كذلك لكان ممكنا لذاته، لافتقاره إلى أجزائه الّتي هى غيره، و وجوب استلزام الافتقار إلى الغير إمكان المفتقر.
و كلّ ممكن لا بدّ له من مؤثّر، فلذلك المجموع مؤثّر، فذلك المؤثّر إمّا أن يكون نفسه، أو أمرا داخلا فيه، أو أمرا خارجا عنه. و الأوّل محال لوجوب تقدّم المؤثّر بالذّات على الأثر و امتناع تقدّم الشّىء على نفسه. و الثّاني أيضا محال، لأنّ المؤثّر فى المجموع مؤثّر فى كلّ جزء من أجزائه، فلو كان أحد أجزاء ذلك المجموع مؤثّرا فى ذلك المجموع لزم أن يكون مؤثّرا فى نفسه و مؤثّرا فيما هو مؤثّر فيه، و كلّ منهما محال أمّا الأوّل فلامتناع تقدّم الشّىء على نفسه، و أمّا الثّاني فلاستلزامه الدّور، و قد أبطلناه.
و لمّا بطل القسمان الأوّلان تعيّن الثّالث و هو أن يكون المؤثّر فى ذلك المجموع أمرا موجودا خارجا عن ذلك المجموع، و الخارج عن جملة الممكنات لا يكون ممكنا لذاته، و إلّا لكان داخلا فيه، بل خارجا عنه، و هو المطلوب»[1].
و اعلم أنّ هذا الإيراد ليس واردا على النّظم الطبيعىّ، لأنّ حاصله يرجع إلى أنّه لو لم يكن شىء من ذلك الموجود و لا مؤثّره و لا مؤثّره واجبا لذاته، يلزم أحد الأمور الثّلاثة، و هو إمّا الدّور، أو وجود واجب موجود لذاته، أو التّسلسل. و الأوّل و الثّالث باطلان، و فى الثّاني حصول المطلوب.
فنقول: لا نسلّم أنّ فى الثّاني حصول المطلوب، فإنّه لا يلزم من وجود موجود واجب لذاته- على تقدير أن لا يكون شىء ممّا ذكرتم من الامور الثّلاثة واجبا لذاته- وجود موجود واجب لذاته فى نفس الأمر. و المطلوب هو الثّاني لا الأوّل، و أمّا الثالث
[1]الى هنا ينتهى ما رواه المؤلّف عن الحكماء القدماء من البرهنة على إثبات وجود واجب الوجود، و سوف يبدأ ممّا يلى ذلك بالإدلاء برأيه و مناقشاته لهذا البرهان، ثمّ بيان ما يرتئيه من البرهنة على المطلوب.
فلا نسلّم أنّه باطل.
و ما ذكروه لإبطاله لا يدلّ على ذلك، لأنّهم جعلوا من لوازم التّسلسل كون المجموع الحاصل من أفراده الغير المتناهية ممكنا لذاته. و من لوازم إمكان ذلك المجموع افتقاره إلى المؤثّر، و من لوازم افتقاره إلى المؤثّر أن يكون مؤثّره: إمّا نفس ذلك المجموع، أو أمرا داخلا فيه، أو أمرا خارجا عنه. و إذا كان كذلك فلا بدّ من إبطال كلّ واحد من هذه الأمور الثّلاثة حتّى ينتفى إمكان ذلك المجموع و يلزم من انتفائه انتفاء التّسلسل، لكنّهم ما فعلوا ذلك بل أبطلوا الأمرين الأوّلين.
و أمّا الأمر الثّالث، فقالوا: إنّ الخارج عن جملة الممكنات يكون موجودا واجبا لذاته، و هو قول حقّ، و لكن لما ذا يلزم منه [أن يكون الخارج عن هذا المجموع واجبا لذاته؟ و إنّما يلزم ذلك أن لو كان] جملة الممكنات الموجودة واقعة فى هذه السّلسلة. و ذلك غير معلوم لاحتمال حصول سلاسل فوق واحدة، كلّ واحدة منها تشتمل على بعض الممكنات الموجودة فقط، لا على كلّها، سلّمنا ذلك، لكن من البيّن أنّ كون الخارج كذلك لا يدلّ على إبطاله. و إذا لم يبطلوا لازما من لوازم كون ذلك المجموع ممكنا لا يلزم انتفاء إمكان ذلك المجموع، لجواز أن يكون لازم إمكان ذلك المجموع هو ذلك اللّازم فقط.
و أنا أقول: الطريق فى ذلك- بعد إثبات صدق الشّرطيّة القائلة بأنّه لو لم يكن ذلك الموجود و لا مؤثّره و لا مؤثّر مؤثّره واجبا لذاته، يلزم أحد الامور الثّلاثة.
و هو إمّا الدّور، أو وجود موجود واجب لذاته، أو التّسلسل الواحد إن كان جملة الممكنات الموجودة واقعة فى سلسلة واحدة، أو أكثر من التّسلسل الواحد إن لم يكن كذلك- أن يقال: يلزم من صدق هذه الشّرطيّة أن يكون فى الوجود موجود واجب لذاته، لأنّ اللّازم فيها إن كان هو الدّور، و الدّور باطل، فينتفى ملزومه و يلزم من انتفائه أن يكون ذلك الموجود أو مؤثّره أو مؤثّره واجبا لذاته.
و إن كان موجود واجب لذاته، فيردّد إمّا فى اللازم أو فى الملزوم، ليحصل منه
وجود موجود واجب لذاته.
[و نقول- إنّ ذلك الموجود أو مؤثّره أو مؤثّر مؤثّره إن كان واجبا لذاته فقد حصل المطلوب و إن لم يكن شىء منها واجبا لذاته لزم أيضا وجود موجود واجب لذاته لتحقّق ملزومه حينئذ،] لأنّ لازم هذا التّقدير إن كان واجب الوجود لذاته فظاهر. و إن كان هو الدّور- و إنّه منتف- فينتفى ذلك التّقدير.
و إن كان هو التّسلسل واحدا كان أو أكثر- من الأفراد الغير المتناهية ممكنا- فيكون ذلك التّقدير- أعنى أن لا يكون ذلك الموجود أو مؤثّره و مؤثّر مؤثّره واجبا لذاته- مستلزما لكون ذلك المجموع ممكنا، و إمكان ذلك المجموع مستلزم لأن تكون علّته إمّا نفسه، أو أمرا داخلا فيه، أو أمرا خارجا منه. كلّ ذلك على الوجه الّذي مرّ.
ثمّ بعد ثبوت هاتين الملازمتين- أعنى ملازمة إمكان ذلك المجموع لما ذكرنا من التّقدير، و ملازمة أحد الامور الثّلاثة المذكورة لإمكان ذلك المجموع [لما ذكرنا من التّقدير- نقول: اللّازم لإمكان ذلك المجموع] إن كان أحد الأمرين الأوّلين و هما باطلان، فينتفى إمكان ذلك المجموع. و يلزم من انتفائه انتفاء التّسلسل، واحدا كان أو أكثر، و من انتفائه انتفاء ما ذكرناه من التّقدير.
و إن كان اللّازم هو الأمر الثّالث كان هذا اللّازم لازما للتسلسل المذكور، لأنّ المستلزم للمستلزم للشىء مستلزم لذلك الشىء فنقول: التّسلسل- واحدا كان أو أكثر- إمّا أن يكون باطلا أو حقّا، فإن كان باطلا يلزم انتفاء ما ذكرنا من التّقدير لانتفاء لازمه، و إن كان حقّا يلزم وجود موجود واجب لذاته، فعلم أنّ وجود موجود واجب لذاته لازم الثّبوت على جميع التّقادير.
و إن شئنا قرّرنا البرهان على هذا الوجه و قلنا: لو لم يكن فى الوجود موجود واجب لذاته لزم انحصار الموجودات فى الممكنات، و لو انحصرت الموجودات فى الممكنات لزم أحد المجموعات الثّلاثة، و هو إمّا انحصار الموجودات فى الممكنات مع الدّور، أو الانحصار المذكور إمّا مع تسلسل واحد، أو مع تسلسلات
فوق واحدة. و هما ينتجان: لو لم يكن فى الوجود موجود واجب لذاته يلزم أحد المجموعات الثّلاثة. و هو امّا انحصار الموجودات فى الممكنات مع الدّور أو هذا الانحصار إمّا مع انحصار تسلسل واحد أو مع تسلسلات فوق واحدة.
أمّا الصّغرى فضروريّة، و أمّا الكبرى فلأنّ لكلّ واحد من تلك الممكنات علّة موجودة ممكنة، و لتلك العلّة أيضا علّة اخرى ممكنة، و هلمّ جرّا. إلى غير النّهاية.
فإن كان علّة شىء من تلك العلل ما هو معلول لها- سواء كانت بواسطة أو بغير واسطة- يلزم الدّور مع الانحصار المذكور، و إن كان غيره يلزم الانحصار المذكور إمّا مع تسلسل واحد إن كانت جملة الممكنات الموجودة واقعة فى سلسلة واحدة، و إمّا مع تسلسلات فوق واحد إن لم يكن كذلك، ثمّ نجعل هذه النّتيجة مقدّمة شرطيّة لقياس استثنائىّ، و يستثنى نقيض تاليها بأن قول: كلّ واحد هذه المجموعات الثّلاثة باطل:
أمّا الأوّل، فلأنّ المفتقر اليه متقدّم على المفتقر، و لو كان الشىء علّة لعلّته أو علّة علّته يلزم افتقار علّته أو علّته إليه، لكن علّته و علّة علّته متقدّمة عليه و هو متقدّم عليها حينئذ، و المتقدّم على المتقدّم متقدّم، فيلزم تقدّم الشّىء على نفسه، و إنّه محال.
و أمّا الآخران، فلأنّ أحد جزئى كلّ واحد منهما- أعنى التّسلسل- واحدا كان أو اكثر- ملزوم لانتفاء الجزء الآخر، لأنّه على تقدير التّسلسل أو التّسلسلات يحصل مجموع مركّب من آحاد غير متناهية مفتقر إلى علّة، لافتقاره الى أجزائه الّتي هى غيره و استلزام ذلك إمكانه.
و تلك العلّة استحال أن تكون نفسه، و ذلك ظاهر، لامتناع تقدّم الشّىء على نفسه و لا داخلا فيه، لأنّ المؤثّر فى المجموع مؤثّر فى كلّ واحد من أفراده. فلو كان الدّاخل فى الشىء علّة له لزم كونه علّة لنفسه و إنّه محال و علّة لعلّة علّته، و هو أيضا محال، لاستلزامه الدّور الباطل.
و لمّا بطل هذان القسمان تعيّن أن تكون علّته موجودا خارجا منه. و الموجود الخارج من جميع الممكنات واجب لذاته، فيلزم بطلان الانحصار. فعلم أنّ فرض
التّسلسل واحدا كان أو اكثر، ملزوم لعدم الانحصار المذكور. ثمّ بعد ذلك نردّد إمّا فى الملزوم أو فى اللّازم ليلزم منه انتفاء المجموع جزما.
هذا تقرير البرهان على الوجه الواجب. و هو ضعيف. لأنّ لقائل أن يقول: لا نسلّم أنّ المؤثّر فى المجموع مؤثّر فى كلّ جزء من أجزائه. و لم لا يجوز أن يكون مؤثّرا فى المجموع من حيث هو مجموع و لا يكون مؤثّرا فى جميع أجزائه بأن يكون بعض أجزائه غنيّا عن المؤثّر أو حاصلا لمؤثّر آخر غير هذا المؤثّر.
أ لا ترى أنّ المجموع المركّب من جميع الموجودات، أعنى الواجب لذاته و الممكنات الموجودة بأسرها، ممكن لذاته، لافتقاره إلى أجزائه الّتي هى غيره و استلزم ذلك إمكانه. و علّته هى واجب الوجود لذاته، و ليس علّة لنفسه، لاستغنائه من العلّة.
لا يقال: نحن لا ندّعى أنّ المؤثّر فى المجموع مؤثّر فى كلّ جزء من أجزائه، إلّا إذا كان المجموع مركبا من أفراد ممكنة، و ما ذكرته ليس كذلك، فلا يتوجّه نقضا علينا.
لأنّا نقول: لا نسلّم ذلك، و ما الدّليل عليه؟. و لم لا يجوز أن يكون مؤثّرا فى المجموع من حيث هو مجموع، و لا يكون مؤثّرا فى جميع أجزائه، لحصول بعض أجزائه بعلّة اخرى غير هذا المؤثّر. و ما ذكرناه من الصّورة على طريق النّقض تركناه و اقتصرنا على المنع، فعليكم البرهان على ما ادّعيتموه.
على أنّا نقول: لو وجب أن يكون المؤثّر فى المجموع المركّب من الآحاد الإمكانيّة مؤثّرا فى كلّ جزء منه لزم أحد الأمرين و هو إمّا تقدّم المسبّب على السّبب التّام أو تخلّف المسبّب من السّبب التّامّ، و كلّ واحد منهما محال.
بيان الملازمة: أنّ المركّب من جزءين، كلّ واحد منهما ممكن إذا تقدّم أحد جزأيه على الآخر زمانا، كالسّرير، فإنّه تقدّم أحد جزأيه- و هو المادّة- على الجزء الآخر، و هو الصّورة السّريريّة.
فالمؤثّر فيه إن كان مؤثّرا فى كلّ واحد من جزأيه فلا يخلو. إمّا أن يوجد المؤثّر مع
الجزء المتقدّم أو لم يوجد. فإن لم يوجد يلزم تقدّم المسبّب على السّبب التّام، و إن وجد يلزم تأخّر المسبّب عن السّبب التّامّ. و أمّا إن كان كلّ واحد منهما محالا فظاهر.
لا يقال: نحن نترك ذلك كلّه و نقول: المجموع المركّب من الآحاد الغير المتناهية ممكن، لما مرّ، و كلّ ممكن لا بدّ له من علّة تامّة. و نعنى بالعلّة التّامة جميع الامور الّتي يصدق على كلّ واحد منها أنّه مفتقر إليه. و تلك العلّة التامّة استحال أن تكون نفس ذلك المجموع- و العلم به ضرورىّ- و لا أمرا داخلا فيه لامتناع أن يكون الدّاخل فى الشّىء علّة تامّة لذلك الشّىء ضرورة توقّفه على بقيّة الأجزاء. و لمّا بطل هذان القسمان تعيّن الثّالث، و هو أن تكون تلك العلّة أمرا خارجا عنه، و يلزم من ذلك حصول المطلوب على الوجه الّذي قرّرناه قبل.
لأنّا نقول: إذا فسّرتم العلّة بالعلّة التامّة فنقول: لم لا يجوز أن تكون العلّة التّامّة للشىء هى نفس ذلك الشّىء؟.
قوله: «العلم