(مقدّمة)
(1) و بعد، فلمّا كان النّاس، بمقتضى القسمة العقليّة و الإخبارات الإلهيّة، على ثلاث طبقات: طبقة عليا و طبقة وسطى و طبقة سفلى، و كان من مقتضى أحوال الطبقة العليا، أرباب الهمم السّامية الرّاقية إلى اكتساب المعالى و الكمالات الخالدة و الفضائل الباقية، طلب معرفة حقائق الأمور، على ما هى عليه، و سيّما معرفة الحقّ- سبحانه- الّذي هو أشرف متعلّق لأشرف العلوم، لعلمهم بأنّ شرف العلم يتفاوت بحسب شرف المعلوم، و أنّ معرفته- سبحانه- هى الأصل فى معرفة كلّ شىء من مركّب و بسيط، و محاط إحاطة معنويّة أو صوريّة، و محيط بموجود بالنّسبة أو معدوم. و نظروا فى الموجودات، معقولها و محسوسها، على اختلاف طبقاتها باعتبار تعلّق العلم بها. فإذن هى تنقسم بنحو من القسمة إلى قسمين:
(2) قسم يستقلّ الإنسان بإدراكه ممّا أودع اللّه فيه من القوى و الآلات المزاجيّة، تارة ببعضها، و تارة بجملتها. هذا إن كان المدرك ممّا من شأنه أن يدرك بالقوى و الآلات الطبيعيّة. فإن لم يكن بالمثابة المذكورة و كان ممّا من شأنه أن لا يدركه الإنسان إلّا بعقله من حيث نظره و فكره، أدركه بنظره و فكره كالعلم بوجود الحقّ و الأرواح المجرّدة و المعانى البسيطة.
(3) و وجدوا القسم الآخر ليس ممّا تستقلّ العقول من حيث نظرها و فكرها، و لا الحواسّ و القوى [8، ألف] المزاجيّة جمعا و فرادى بإدراكه، كذات الحقّ- سبحانه و تعالى- و حقائق الأسماء و الصّفات المنسوبة إليه بألسنة الشّرائع و العقول، و كيفيّة صحّة إضافة شىء منها إلى ذاته، سبحانه فإنّ معرفة صحّة إضافة الصّفات و الأسماء إلى ذات الحقّ- سبحانه- مقامها مقام مهيب، لوجوب الحكم بوجوب وجود الحقّ، و أنّه واحد من جميع الوجوه، و ممتاز بحقيقته عن كلّ شىء لا يماثل شيئا و لا يماثله شىء فإن هذا ممّا يجب الاعتراف بثبوته، لما يلزم من المفاسد إذا اهمل القول بثبوت هذا الأصل.
(4) و هكذا، هو الأمر فى معرفة حقيقة فعله، من حيث تعلّق قدرته بالمعلومات و إفاضة الوجود عليها و صدورها منه فإنّ المستبصر المنصف إذا اعتبر و استقرأ ما يحصل له بنظره العقليّ الفكريّ من معرفة هذه الأمور، لم يجده مجديا بحيث يثلج به صدره و يسكن قلقه الباعث له على طلب معرفة حقائق الأمور.
(5) أمّا فيما يتعلّق بمعرفة ذات الحقّ، فواضح لدى المستبصرين بأوّل وهلة. و أمّا فيما لوّحت به، فى بيان الصّفات و الفعل و الصّدور و نحو ذلك من محارات العقول فبيّن أيضا بأيسر تأمّل و تدبّر، كالخواصّ و الآثار النّاتجة من امتزاجات القوى المزاجيّة الطبيعيّة، و الحاصلة أيضا من الممازجات الواقعة بين القوى الفلكيّة و التّوجّهات الملكيّة و بين النّفوس البشريّة و القوى الطبيعيّة السّفليّة فإنّ كلّ مستبصر يعلم أنّ الأفكار البشريّة تعجز عن معرفة [8 ب] حقائق هذه الأمور و أمثالها، و سيّما معرفة ما قدّمنا ذكره، فى شأن صفات الحقّ و كيفيّة إضافتها إليه فإنّه- سبحانه- لمّا كان ثابت الأصالة و الإحاطة بالعلم و الذّات، لزم أن يكون حكم كلّ ما ينسب إليه من صفات الكمال، كليّا إحاطيّا شامل الحكم.
(6) و تعقّل صفات الحقّ فى عرصة الفكر الإنسانيّ من حيث الإطلاق الحقيقيّ متعذّر فإنّ الإنسان لا يدرك ما يدرك إلّا متعيّنا متقيّدا فى مقامه النّظريّ بحسب قوّته الفكريّة. و لا ريب فى أنّ الحقّ، من حيث ذاته و من حيث صفاته و أسمائه، ليس كذلك، أى ليس تعيّنه فى نفسه أو تعيّن صفاته مضافة إليه أو متعقلة بالانفراد عن ذاته كهى فى تصوّر المتصوّرين لها فى أذهانهم و بأفكارهم. فليس إدراك الإنسان لما يدركه من هذه الأمور مطابقا لما هي عليه في تعقّل الحقّ.
(7) و هكذا هو شأن الإنسان فى معرفة حقائق الموجودات فى مقام تجرّدها فإنّ تعقّلها قبل التلبّس بالوجود الحاصل لها من فيض الموجد الحقّ، و إدراك تميّز بعضها عن البعض على نحو تعيّنها و تميّزها فى علم الحقّ الأحديّ الذّاتيّ أزلا و أبدا على وتيرة واحدة، متعذر أيضا.
(8) و من جملة الأمور الّتي لا تستقلّ العقول بإدراكها معرفة سرّ ترتيب طبقات العالم و أحكامه و خواصّه الكلّيّة و سبب انحصار كلّ صنف و نوع فى عدد خاصّ و اختصاصها أيضا بأوقات مخصوصة، و بقاع مخصوصة، و أحوال مخصوصة و امتياز كلّ منها بعد الاشتراك [9 الف] مع الغير فى أمور شتّى بصفات و خواصّ لا يشاركه فيها نوع أو صنف آخر، و كذلك معرفة «العلة
جستجوترجمهخلاصه سازیاعراب گذاری
و أمثاله لهم إنّما هو بفيض منه- سبحانه- و موهبة، دون تعمّل منهم فى تحصيله فإنّما موجبه سعة دائرة علمهم و كمال استعدادهم غير المجعول فإنّه المقتضى فى الحقيقة انبساط النّور المتجلّى لهم من الحقّ المستلزم لسراية حكم علم الحقّ فيهم و وصفه و انبساطه، لا أنّ معرفة تلك الأمور مقصورة لهم على التّعيين، أو هى من متعلّقات هممهم.
(12) كما هو حال أكثر النّاس فيما يشتغلون فيه من الفنون الّتي يظنّون أنّها علوم حقيقيّة، فإنّ كلّا منهم إنّما يصرف عمره و وقته و همّته فى تحصيل علم ما، من تلك العلوم الّتي متعلّقها الكون، لاختياره له على غيره من الفنون، و شرفه لديه، و رغبته فيه الموجبة لاشتماله عليه، اعتقادا منه فى عظم جدواه، عاجلا أو آجلا، موقّتا أو غير موقّت، أو لمحبّة غير معلّلة و لا معلومة السّبب.
فصل (أوّل) فى بيان أحوال طبقات النّاس فى طلب العلوم
الّتي تستقلّ العقول بإدراكها، من حيث نظرها و فكرها، و من حيث القوى المزاجيّة و الآلات البدنيّة، و الّتي لا تستقلّ بإدراكها، و صورة امتياز الطبقة العليا المشار إليها من قبل و فيما بعد أيضا، و انفرادها من بين الطبقات المتفرّعة من الطبقة الوسطى و التي تليها ممّا أشير إليه إن شاء اللّه تعالى.
(13) لمّا حاول النّاس [10، الف] تحصيل العلوم، و خاضوا فى طلب معرفتها بالقوى و الآلات، حتّى أدركوا، من «
جستجوترجمهخلاصه سازیاعراب گذاری
متعلّقاته، انقلب إليه فكره و نظره خاسئا و هو حسير، فلم يمكن لأحد الظفر به إلّا بتأييد إلهيّ أو تعريف من جانب الحقّ بواسطة بعض الأرواح و غيرها، أو بدون واسطة على رأى.
(14) ثمّ نقول: فلمّا شاء الحقّ تكميل مرتبة العلم و أحكامه اللّازمة لوجوب وجود الحقّ، و تكميل بعض عباده المستعدّين للتّحلّى بالعلم المختصّ بالقسم الثّاني، المثمر لكمال الاطّلاع على حقائق الأمور على ما هى عليه و على نحو تعيّنها فى علم الحقّ اصطفى من خلقه فى كلّ عصر و من كلّ جيل نقاوة، سمّوا تارة أنبياء و تارة أولياء كاملين.
(15) أيّدهم اللّه- تعالى- بنوره العلمىّ الذّاتيّ الأحديّ بحسب ما علم من استعداداتهم غير المجعولة[1]،
الطّغيان أيضا، و إن كانوا من وجه مستيقنين. و منهم من آمن ببعض و كفر ببعض. و منهم المتوقّف الحائر. و المعجزة و الآيات الخارقة توجب له التّصديق و الإقدام، و إن لم يطّلع على حقيقة ما بلغه و أخبر به و لم يعرف سرّه، و عقله القاصر يحكم عليه بالاحجام، لعجزه عن الجمع بين ما عهد و علم و بين ما أخبر به، ممّا لم يعهده و لم يدرك مثله، و لا يقدر على التّوفيق بين عقله و شرعه، فيحار و يتوقّف.
(17) ثمّ إنّ الطّائفة الأولى- و هم المسلمون و المؤمنون- انقسموا إلى أقسام شتّى:
فقسم وقف [11، الف] مع الظاهر، و لم يتعدّ ظاهر المفهوم، بل ثبت عنده و لم يتأوّل، و عزل عقله عن الخوض فيما يأبى قبوله و يستعبد صحّته، و لم يتشوّف أيضا لأن يعرف. و هؤلاء هم الظاهريّة المقتصرون على صور العبادات و ظاهر الزّهد.
و قسم آمن بما ورد مطلقا. فما ساعده عليه نظره و واتته فى إدراكه قواه، أدركه و فهمه، و ما لم يستقلّ بإدراكه آمن به على مراد اللّه- تعالى- و الكمّل من سفرائه و المخبرين عنه، دون الجمود على الظّاهر. بل أثبت صفات الكمال للّه، منزّها ربّه عن كلّ ما لا يليق بجلاله، لكن على ما يعلم- سبحانه- نفسه، لا من حيث ما يتصوّره هذا القسم و أمثاله، ممّا يفهمونه من شأن النّقائص و الكمالات و صورة إضافتها إلى الحقّ أو سواه. بل قال: «ربّ
جستجوترجمهخلاصه سازیاعراب گذاری
فيه و عدم استناده إلى أصل محقّق، أكثر من نفع إصابته. هذا مع أنّ القدر الّذي يصيب فيه ليس بالنّسبة إليه علم يقينيّ، بل إصابته مصادفة. و هذا هو حال «المتكلّمين»
فصل (ثان)
(19) اعلموا، أيّها الإخوان- تولّاكم اللّه بما تولّى به عباده المقرّبين- أنّ إقامة الأدلّة النّظريّة على المطالب و إثباتها بالحجج العقليّة على وجه سالم من الشّكوك الفكريّة و الاعتراضات الجدليّة متعذّرة فإنّ الأحكام النّظريّة تختلف بحسب تفاوت مدارك أربابها، و المدارك تابعة لتوجّهات المدركين، و التّوجّهات تابعة للمقاصد التّابعة لاختلاف العقائد و العوائد و الأمزجة و المناسبات و جميعها تابع فى نفس الأمر لاختلاف آثار التّجلّيات الأسمائيّة المتعيّنة و المتعدّدة فى مراتب القوابل و بحسب استعداداتها. و هى المثيرة للمقاصد و المحكمة للعوائد و العقائد، الّتي تتلبّس بها و تتعشّق نفوس أهل الفكر و الاعتقاد فإنّ التّجلّيات فى حضرة القدس و ينبوع الوحدة وحدانيّة النّعت، هيولانيّة الوصف، لكنّها تنصبغ عند الورود بحكم استعدادات القوابل و مراتبها الرّوحانية و الطبيعيّة و المواطن و الأوقات و توابعها، كالأحوال و الأمزجة و الصّفات [12، ب] الجزئيّة، و ما اقتضاه حكم الأوامر الرّبّانيّة المودعة بالوحى الأوّل الإلهيّ في الصّور العلويّة و أرواح أهلها و الموكّلين بها. فنظنّ لاختلاف الآثار أنّ التّجلّيات متعدّدة بالأصالة فى نفس الأمر، و ليس كذلك.
(20) ثمّ نرجع و نقول: فاختلف للموجبات المذكورة أهل العقل النّظرىّ فى موجبات[1]عقولهم و مقتضيات أفكارهم و فى نتائجها، و اضطربت آراؤهم. فما هو صواب عند شخص هو عند غيره خطأ، و ما هو دليل عند البعض هو عند الآخرين شبهة، فلم يتّفقوا فى الحكم على شىء بأمر واحد، فالحقّ بالنّسبة إلى كلّ ناظر هو ما استصوبه و رجّحه و اطمأنّ به.
(21) و ليس تطرّق الإشكال ظاهرا فى دليل، يوجب الجزم بفساده و عدم صحّة ما قصد إثباته بذلك الدّليل فى نفس الأمر، لأنّا نجد أمورا كثيرة لا تتأتّى لنا إقامة برهان على صحّتها، مع أنّه لا شكّ فى حقيقتها عندنا و عند كثير من المتمسّكين بالأدلّة
[1]القونوى: إعجاز البيان فى تأويل أم القرآن، 1389، ص 114- 133.