و لم ينفذ منها إلى كنه حقيقة الأمر، فإنّه يطمئنّ بما حصل له من معرفة تلك الحقيقة بحسب نسبة تلك الصّفة منها و من حيثها، و بحسب مناسبة هذا الطالب معرفتها منها، و يظنّ أنّه قد بلغ الغاية و أنّه أحاط علما بتلك الحقيقة، و هو فى نفس الأمر لم يعرفها إلّا من وجه واحد من حيث تلك الصّفة الواحدة أو العارض أو الخاصّة أو اللّازم. و ينبعث غيره لطلب معرفة تلك الحقيقة أيضا بجاذب مناسبة خفيّة بينه و بينها من حيث صفة أخرى أو خاصّة أو لازم. فيبحث و يفحص و يركّب الأقيسة و المقدّمات، ساعيا فى التّحصيل حتّى ينتهى، مثلا، إلى تلك الصّفة الأخرى. فيعرف تلك الحقيقة من وجه آخر، بحسب الصّفة الّتي كانت منتهى معرفته من تلك الحقيقة. فيحكم على إنيّة الحقيقة بما تقتضيه تلك الصّفة و ذلك الوجه، زاعما أنّه قد عرف كنه الحقيقة الّتي قصد معرفتها، معرفة تامّة إحاطيّة، و هو غالط فى نفس الأمر. و هكذا الثّالث و الرّابع، فصاعدا.
(34) فيختلف حكم النّاظرين فى الأمر الواحد، [16، ب] لاختلاف الصّفات و الخواصّ و الأعراض الّتي هى متعلّقات مداركهم و منتهاها من ذلك الأمر الّذي قصدوا معرفة كنهه و المعرّفة إيّاه و المميّزة له عندهم. فمتعلّق إدراك طائفة يخالف متعلّق إدراك طائفة أخرى، كما مرّ، لما مرّ بيانه. فاختلف تعريفهم لذلك الأمر الواحد، و تحديدهم له، و تسميتهم إيّاه و تعبيرهم عنه. و موجب ذلك ما سبق ذكره و كون المدرك به أيضا- و هو الفكر- قوّة جزئيّة من بعض قوى الرّوح الانسانيّ. فلا يمكنه أن يدرك إلّا جزئيّا مثله، لما ثبت عند المحقّقين من أهل اللّه و أهل العقول السّليمة: أنّ الشّىء لا يدرك بما يغايره فى الحقيقة، و لا يؤثّر شىء فيما يضادّه و ينافيه من الوجه المضادّ و المنافى، كما ستقف على أصل ذلك و سرّه عن قريب، إن شاء اللّه تعالى.
فتدبّر هذه القاعدة و تفهّمها، تعرف كثيرا من سرّ اختلاف الخلق فى اللّه، أهل الحجاب و أكثر أهل الاطّلاع و الشّهود، و تعرف أيضا سبب اختلاف النّاس
جستجوترجمهخلاصه سازیاعراب گذاری
فى معلوماتهم، كانت ما كانت.
(35) ثمّ نرجع و نقول: و لمّا كانت القوّة الفكريّة صفة من صفات الرّوح و خاصّة من خواصّه، أدركت صفة مثلها، و من حيث إنّ القوى الرّوحانيّة عند المحققين لا تغاير الرّوح، صحّ أن يسلّم للناظر أنّه قد عرف حقيقة ما، و لكن من الوجه الّذي يرتبط بتلك الصّفة الّتي هى منتهى نظره و معرفته و متعلقها، و ترتبط الصّفة بها، كما مرّ بيانه.
(36) و قد ذهب [17، الف] الرّئيس «
فتسمّى المتبوعة، لما ذكرنا من التّقدّم، حقائق و عللا و وسائط بين الحقّ و ما يتبعها فى الوجود و ما ذكرنا، و تسمّى التّابعة خواصّ و لوازم و عوارض و صفات و أحوالا و نسبا و معلولات و مشروطات و نحو ذلك. و متى اعتبرت هذه الحقائق مجرّدة عن [17، ب] الوجود و عن ارتباط بعضها بالبعض و لم يكن شىء منها مضافا إلى شىء أصلا، خلت عن كلّ اسم و صفة و نعت و صورة و حكم خلوّا بالفعل لا بالقوّة.
فثبوت الاسم و النّعت و الوصف، بالتّركيب و البساطة، و الظّهور و الخفاء، و الإدراك و المدركيّة، و الكلّيّة و الجزئيّة، و التّبعيّة و المتبوعيّة، و غير ذلك، ممّا نبّهنا عليه، و ما لم نذكره، للحقائق المجرّدة، إنّما يصحّ و يبدو بانسحاب الحكم الوجودىّ عليها، أوّلا، و لكن من حيث تعيّن الوجود بالظّهور فى مرتبة ما و بحسبها أو مراتب- كما سنزيد فى بيان ذلك إن شاء اللّه- تعالى- كما سنزيد فى بيان ذلك إن شاء اللّه- تعالى- و بارتباط أحكام بعضها بالبعض، و ظهور أثر بعضها بالوجود فى البعض ثانيا، فاعلم ذلك.
(38) فالتّعقّل و الشّهود الأوّل الجملىّ للحقائق المتبوعة يفيد معرفة كونها معانى مجرّدة، من شأنها، إذا عقلت متبوعة و محيطة، أن تقبل صورا شتىّ، و تقترن بها، لمناسبة ذاتيّة بينها و بين الصّور القابلة لها و لآثارها و المقترنة بها. و هذه المناسبة هى حكم الأصل الجامع بينها و المشتمل عليها، و قد سبقت الإشارة إليها.
و التّعقّل و الشّهود الأوّل الجملىّ للحقائق التّابعة يفيد معرفة كونها حقائق مجرّدة، لا حكم لها و لا اسم و لا نعت أيضا. لكن من شأنها أنّها متى ظهرت فى الوجود العينىّ، تتكوّن أعراضا للجواهر و الحقائق المتقدّمة المتبوعة، و صورا و صفات و لوازم و نحو ذلك.
(39) و الصّورة عبارة عمّا لا تعقل تلك الحقائق الأولى [18، الف] و لا تظهر إلّا بها. و هى، أعنى الصّورة، اسم مشترك يطلق على حقيقة كلّ شىء، جوهرا كان أو عرضا، أو ما كان، و على نفس النّوع و الشّكل و التّخطيط أيضا. حتّى يقال لهيأة
الاجتماع صورة، كصورة الصّفّ و العسكر، و يقال «صورة»
جستجوترجمهخلاصه سازیاعراب گذاری
نعلم من الأشياء إلّا صفاتها و أعراضها، من حيث هى صفات و لوازم لشىء ما، لا من حيث حقائقها المجرّدة: إذ لو أدركنا شيئا من حيث حقيقته، لا باعتبار صفة له أو خاصّة أو لازم أو عارض، لجاز إدراك مثله، فإنّ الحقائق، من حيث هى حقائق، متماثلة، و ما جاز على أحد المثلين جاز على الآخر مثله. و المعرفة الإجماليّة المتعلّقة بحقائق الأشياء لم تحصل إلّا بعد تعقّلها، من كونها متعيّنة بما تعيّنت به من الصّفات أو الخواصّ أو اللّوازم، كما عرفنا الصّفة، من حيث تعيّنها بمفهوم كونها صفة لموصوف ما.
فأمّا كنه الحقائق من حيث تجرّدها، فالعلم بها متعذّر، إلّا من الوجه الخاصّ بارتفاع حكم النّسب و الصّفات الكونيّة التّقييديّة، [19، ألف] من العارف حال تحقّقه بمقام «كنت
إلى المبصرات كحال البصيرة بالنّسبة إلى المعقولات المعنويّة و المعلومات الغيبيّة.
(44) و كما عجز البصر عن إدراك المبصرات الحقيرة، مثل الذّرّات و الهباءات و نحوهما، و عن المبصرات العالية، كوسط قرص الشّمس عند كمال نوره، فإنّه يتخيّل فيه سوادا، لعجزه عن إدراكه- مع أنّا نعلم أنّ الوسط منبع الأنوار و الأشعّة- فظهر أنّ تعلّق الإدراك [19، ب] البصريّ بما في طرفي الإفراط و التّفريط، من الخفاء التّامّ و الظّهور التّامّ، متعذّر، كما هو الأمر فى النّور المحض و الظّلمة المحضة فى كونهما حجابين و أنّ بالمتوسّط بينهما النّاتج منهما، و هو الضّياء، تحصل الفائدة، كما ستعرفه إن شاء اللّه تعالى.
فكذلك العقول و البصائر إنّما تدرك المعقولات و المعلومات المتوسّطة فى الحقارة و العلوّ، و تعجز عن المعقولات الحقيرة، مثل مراتب الأمزجة و التّغيّرات الجزئيّة على التّعيين و التّفصيل، كالنّماء و الذّبول فى كلّ آن، و عن إدراك الحقائق العالية القاهرة أيضا، مثل ذات الحقّ- جلّ جلاله- و حقائق أسمائه و صفاته إلّا بالله، كما ذكرنا.
(45) و رأوا أيضا: أنّ من الأشياء ما تعذّر عليهم إدراكه، للبعد المفرط، كحركة الحيوان الصّغير من المسافة البعيدة، و كحركة جرم الشّمس و الكواكب فى كلّ آن. و هكذا الأمر فى القرب المفرط، فإنّ الهواء لاتصاله بالحدقة يتعذّر إدراكه، و كنفس الحدقة، هذا فى باب المبصرات. و فى باب المعقولات و البصائر، كالنّفس الّتي هى المدركة من الإنسان و أقرب الأشياء نسبة إليه، فيدرك الإنسان غيره و لا يدرك نفسه و حقيقته.
(46) فتحقّق بهذا الطّريق أيضا عجز البصائر و الأبصار عن إدراك الحقائق الوجوديّة الإلهيّة و الكونيّة و ما تشتمل عليه من المعانى و الأسرار. فظهر أنّ العلم الصّحيح لا يحصل بالكسب و التّعمّل، و لا تستقلّ القوى البشريّة بتحصيله ما لم يجد الحقّ بالفيض القدسىّ الغيبىّ و الإمداد بالتّجلّى النّورىّ [20، ألف] العلمىّ الذّاتىّ، منحنا اللّه و سائر الإخوان ذلك على الوجه الأكمل [و سلوك سبيل الأمم الأعدل.].
جستجوترجمهخلاصه سازیاعراب گذاری
فصل (رابع) فى تتميم ما سبق ذكره فى التّمهيد و التّقريرات المتقدّمة
و يتلوه ذكر المسائل الّتي قدّمت هذه المقدّمات كالتّوطئة لإيرادها و التماس بيان حقائقها، بالبراهين الّتي يعوّل عليها، المسئول منه الجواب عنها، نفع اللّه به.
(47) و بعد، فإنّ الحقّ- سبحانه- كما أظهر فى الوجود أشياء، و أخبر أيضا على لسان الكمّل من صفوته بأمور عجزت عقول أولى الألباب عن معرفة أسرارها و فهم جليّة الأمر فيها، على ما هى عليه فى نفسها و على نحو ما يعلمها الحقّ، سبحانه.
فكذلك قد أبان أيضا عن أمور استجلتها عقول الألبّاء و عرفت جليّة الأمر فيها بأوّل وهلة تارة، و بتأمّل و تدبّر أخرى.
فكان من جملة ما أبان و أخبر، ممّا استقلّت العقول بإدراكه: أنّ للإيمان ثلاث مراتب: أولى و وسطى و عليا. و كذلك الأمر فى الهداية و التّقوى و الإحسان، الّذي أخبرنا أنّه كناية عن مقام الحضور و المعاينة الصّحيحة. و هكذا فعل فى تعريف غير ما ذكرنا من الصّفات.
(48) فمن جملة التّنبيهات على ذلك فى كتابه العزيز، قوله: «
جستجوترجمهخلاصه سازیاعراب گذاری
و هذه كلّها ممّا تدرك العقول، بأيسر تأمّل، صحّتها، فإنّ العقول تعرف أنّ لكلّ وصف جميل كمالا أوّل، و هو أقلّ حظّه منه، و رتبة ثانية متوسّطة، و رتبة ثالثة هى غايته الكلّيّة. و ليس بعد الغاية إلّا درجات متعلّقة فى الأكمليّة.
(49) و كما جعل لما ذكرنا من الصّفات، ممّا ذكره الحقّ- سبحانه و تعالى- ثلاث مراتب، تنبيها لنا على أنّ الأمر هو كذلك فى جميع الصّفات فكذلك جعل للعلم الّذي هو أشرف الصّفات درجات ثلاثا فى مرتبة كماله، بعضها أعلى و أتمّ من البعض، سمّى إحداها علم اليقين، و الثّانية عين اليقين، و الثّالثة حقّ اليقين و جعل لكلّ مرتبة من هذه الثّلاث قوما، تلك المرتبة غايتهم و منتهى ترقّيهم فى رتب العلم.
(50) فجدير بمن أعرب لسان حاله- أنّه من أصحاب النّفوس الشّريفة المستعدّة للتحقّق بالكمال الحقيقىّ لا النّسبىّ، و أبان عن همّة عالية تناسب نفسه الشّريفة- أن يطلب التّرقّى فى درجات أوصاف الكمال، حتّى ينتهى إلى أعلى مراتبها، و سيّما فى درجات الكمال العلمىّ الذي نيطت به السّعادة باتّفاق من العقول و الشرائع على كلّ حال، سيّما العلم المتعلّق بالله، ثمّ بأشرف لوازم ذاته [21، ألف] و ما أشرنا إليه آنفا. هذا إن سلّم له ذلك و كان محقّا فى زعمه: أنّه بلغ أوّل درجات الكمال العلمىّ أن يتشوّف للانتقال من درجة علمه اليقينيّ إلى عينه، ثمّ إلى حقّه.
و كذلك يجب على الفائز بمقام «عين