يستحيل عليه مقارفة الذنب. وهنا يرد هذا السؤال: كيف ومن أين تتأتى هذه الحالة الروحية التي تفرز العصمة لدى الأنبياء؟ لابدّ من الالتفات إلى أنّ هذه الكمالات الروحية معلولة لعدّة عوامل محورية ورئيسية وهي:
1- الوراثة
أثبتت علوم الدين أنّ بعض الاستعدادات الروحية لكسب الفضائل والكمالات الإنسانية، بل حتى بعض الخصائص والصفات إنّما تنتقل بالوراثة من جيل لآخر، والأسر التي ينتمي إليها الأنبياء من الأسر الطاهرة والنجيبة التي ورثت بمرور الزمان خزينا من الكمالات والفضائل الروحية فكانت تنتقل حسب الوراثة من جيل إلى آخر، والتاريخ أشار في أكثر من موقع إلى هذه الحقيقة، مثلًا بالنسبة لأسر نبي الإسلام صلى الله عليه و آله فإنّ التاريخ يشير إلى أنّه ولد وترعرع في أشرف قبائل العرب «قريش» ومن أشرف قريش عشيرة بني هاشم، المشهورة بالصدق والشجاعة والكرم والغيرة والمروءة وأداء الأمانة، ومن هنا كانت موضع احترام كافّة القبائل العربية. وآباء النبي صلى الله عليه و آله وأجداده كما يفيد التاريخ من الأفراد المعروفين بالإيمان والشرف والصلاح. وبناءً على هذا فإنّ مسالة «الوراثة» خلقت في الأنبياء استعداداً خاصاً لاستلهام الكمالات الروحية، فكان ذلك الاستعداد بمثابة أساس يمكنه بالإضافة إلى عوامل أخرى كالتربية والتهذيب أن يستقطب الفضائل لدى هؤلاء الأفراد.
2- التربية في نقل الفضائل والكمالات
العمل الثاني في الكمالات الروحية للأنبياء ما نصطلح عليه بالتربية فأسر الأنبياء كانت تتحلى بكمالات وفضائل استطاعت تربيتهم عليها لتكمل استعدادهم الوراثي بغية كسب الكمالات الروحية، فطبعوهم على الإيمان والشجاعة والفطنة.
3- عوامل مجهولة
يؤمن علماء النفس والطبيعة من خلال تحقيقاتهم بشأن علل الشخصية الروحية للأفراد- غير الوراثة والتربية- بسلسلة من العلل المجهولة التي قد تؤثر في الجينات التي تحدد بعض الصفات فتؤدي إلى العديد من الحالات والقوى الروحية الخارقة لديهم، ويعتقد علماء النفس والطبيعة أنّ هذه العلل تحدث طفرات في النطفة، وتؤدّي هذه الطفرات إلى ظهور خصال غريبة لدى هؤلاء الأفراد والتي تسبغ عليهم كمالًا روحياً معيناً.
4- الهبة الإلهيّة
بالإضافة إلى العوامل الثلاثة المذكورة هنالك عامل مهم آخر هو الفيض الإلهي وعنايته الخاصة بالأنبياء. والعوامل السابقة تمنح المعصوم قدرة واستعداداً بحيث يشمل بفيض اللَّه وعنايته الخاصة. وعلى ضوء هذا الفيض الرباني تصبح قواه الروحية أعظم تاثيراً وشدّة.
وهذه الإفاضة تفعل كمالاته الروحية وتتبعها بكمالات أخرى؛ وهذا اللطف الإلهي الخاص يوجب قوّة إيمان الأنبياء ومعارفهم وبصيرتهم، وقوة الإيمان وسعة العلم تقمع عوامل المعصية لدى المعصوم، وتفرز حالة طارئة، وهكذا تتظافر كل هذه العوامل لتحصن المعصوم من مقارفة الذنب والمعصية. والجدير بالذكر أنّ شخص المعصوم يتمتع في كل هذه المراحل بحرية تامة في الإرادة وعصمته اختيارية تماماً. وسنخوض في هذه التفاصيل عند الاجابة عن السؤال القادم. ولا نرى من ضرورة للتذكير بأنّ ما قيل ثابت بحق الأئمّة الطاهرين عليهم السلام.
این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة
9- هل عصمة الأئمّة فضل؟
سؤال:
العصمة ملكة تحصن الإنسان من مقارفة الذنب والخطأ والإنحراف، وعليه فإنّ الأفراد الذين يتحلون بهذه الملكة لا يقدرون على الإتيان بالمعصية وبالتالي سوف لن يكون لعصمتهم من فضل.
الجواب:
إنّ عصمة الأنبياء من الذنوب والمعاصي ليست بخارجة عن إرادتهم واختيارهم قط، بل عصمتهم إرادية واختيارية تستند إلى العلم والإيمان.
توضيح ذلك:إنّ العصمة من الذنوب من لوازم العلم والإيمان بمفاسدها، طبعاً هذا لا يعني أنّ كل علم بلوازم الذنب ومفاسده يفضي إلى العصمة، بل لابدّ أن تكون حقيقة العلم على درجة من الوضوح بحيث يقف الإنسان ببصيرته على آثار الذنب، وعلى هذا الأساس يكون صدور الذنب منه بصيغة «محال عادي» لا «محال عقلي» وللوقوف على حقيقة الأمر نستعين بهذا المثال:
لكل واحد منا عصمة إزاء سلسلة من الأعمال الخارجية التي تكلفنا حياتنا، وهذه
العصمة معلولة لعلمنا بمثل هذه الأعمال؛ مثلًا إذا كانت هنالك دولتان متخاصمتان ومتجاورتان بحيث ينتشر بينهما حرس حدود كل منهما ويستفيدون من الأضواء الكاشفة والكلاب البوليسية وربّما تزرع كل منهما الألغام على أراضيها، فإنّ أحداً من الناس لا يفكر في تجاوز هذه الحدود فضلًا عن الأقدام عملياً على تجاوزها كونها تكلفه حياته؛ وعليه فلدى الإنسان عصمة إزاء هذا العمل. وأقرب من ذلك مثلًا هنالك عصمة يتحلى بها الإنسان إزاء شرب السم أو الإمساك بالسلك الكهربائي أو تناول الطعام المتبقي من شخص مريض مصاب بمرض الجذام أو السل، سيما إن كان له علم بعدوى المرض، فهو لا يقترب قط من هذه الأعمال، وصدور مثل هذه الأعمال من الإنسان يبدو محالًا عادياً، وسبب هذه العصمة تجسد لوازم تلك الأعمال، فهذه اللوازم تخترق بصره وبصيرته بحيث لا يفكر في القيام بهذه الأعمال، فضلا عن ارتكابها.
وإننا لنلاحظ بعض الأفراد الذين لا يتحرجون من أكل مال اليتيم، ولكن هنالك بالمقابل من يتحرز عن أكل دينار من الحرام؛ فلم لا يحتفظ الأول عن أكل مال اليتيم بينما يأبى الثاني ما دون ذلك؟ طبعاً سبب ذلك أنّ الشخص الأول إمّا أنّه لا يؤمن أصلًا بتبعات هذا النوع من العصيان، أو حتى وإن امتلك الإيمان والاعتقاد، فإنّ حبّه للماديات تحول إلى حجاب غليظ ضرب على بصيرته بحيث يحول دون رؤيته لتلك الآثار والتبعات؛ أمّا الشخص الثاني فله إيمان راسخ بتبعات الذنب بحيث يرى كل قطعة من مال اليتيم جمرة من جهنم، وليس هناك من عاقل يأكل نارا؛ ذلك لأنّه يرى بعلمه الثاقب وبصيرته كيف تتبدل تلك الأموال إلى نيران محرقة، وعلى هذا الضوء تكون له عصمة من ذلك الذنب. والقرآن يصف أولئك الذين يخزنون الذهب والفضة ولا يخرجون حقوقها الشرعية بأنّها تحمى بجهنم يوم القيامة لتسلط على وجوههم وجباههم وظهورهم«يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِانفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ».[1]
[1]سورة التوبة، الآية 35.
والأن لو تمثل بعض مالكي الكنوز هذه الصورة وشاهدوا بأعينهم كيف يعاقب زملاؤهم، ولو حذروا من هذا العقاب بالنسبة لثرواتهم التي يمتلكونها وكيف ستكون عليهم وبالًا، قطعاً سيغيرون أسلوبهم وتعاملهم. وهنالك بعض الأفراد في هذا العالم على درجة من الإيمان بمضمون هذه الآية دون مشاهدة صورة العذاب الإلهي بحيث لا يقل أثراً عن شهوده، وحتى لو رفع الغطاء الدنيوي عن أعينهم لما كان هنالك من تغيير في إيمانهم. فمثل هؤلاء الأفراد يمتلكون نوعاً من العصمة إزاء هذه المعصية (كنز الذهب والفضة).
فلو كان هنالك أفراد أو طائفة يتصفون بهذه الحالة إزاء عقاب جميع المعاصي، وقد اتضح لهم عذاب اللَّه وأليم عقابه بحيث لم يعد لزوال الحجاب وإنعدام المسافات المكانية والزمانية أدنى تأثير على إيمانهم واعتقادهم، وعلى هذا الأساس فإنّ لهؤلاء الأفراد نوعاً من العصمة إزاء جميع الذنوب والمعاصي، فهم ليسوا فقط لا يقارفون الذنب فحسب، بل لايفكرون فيه.
وبناءً على هذا فإنّ للعصمة في هذه الموارد أثر مباشراً للإيمان والعلم القاطع بعقاب الأعمال، ولكل فرد نوع من العصمة إزاء بعض هذه الموارد. والواقع أنّ الأنبياء يتمتعون بعصمة تامة وشاملة أثر إحاطتهم العلمية بعقاب الأعمال وعلمهم بعظمة اللَّه، وعلى ضوء هذا العلم فقد قمعت عندهم كافّة دوافع الذنب وطغيان الغريزة، فهم لا ينتهكون حدود اللَّه.
هذا هو مقام العصمة من الذنب الذي يتمتع به الأنبياء والأئمّة عليهم السلام وأصلها الإيمان والعلم والمعرفة والتسلط على النفس وعلو الهمة.
أفليست هذه العصمة فضيلة؟ وهل يستطيع هؤلاء إرتكاب الذنب؟ قطعاًيستطيعون، إلّا أنّهم لا يستغلون هذه الاستطاعة أبداً. فربّما يمكن لشخص محترم أن يسرق إبريق جاره أن تسلّق الجدار، لكنّه لا يفعل ذلك أبداً. والطبيب يسعه أن يشرب ماءً مملوءاً بالمكروبات، لكنّه لا يشربه، وهذا الفرد ليس بعاجز عن الشرب[1].
[1]للوقوف على المزيد راجع كتاب «الزعماء العظام والمسؤوليات الأعظم».
این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة
10- هل هنالك من منافاة بين العصمة والاستغفار؟
سؤال:
رغم أننا نعلم بأنّ الأنبياء والأئمّة عليهم السلام معصومون من الذنب ولا يصدر منهم أي خلاف، مع ذلك ورد في بعض الأدعية عنهم أنّهم يعترفون بذنوبهم ويسألون اللَّه العفو عنهم.
ففي دعاء كميل مثلًا يتضرع علي عليه السلام إلى اللَّه بهذا الدعاء:«اللَّهُمَّ اغفر لِي الذّنوبَ الّتي تَهتِكُ العِصَمَ ... اللَّهُمُّ اغفِر لِي كُلَّ ذَنْبٍ أَذْنَبْتُهُ وَكُلَّ خَطِيئَةٍ أَخْطأتُها!».فهل مرادهم من هذه الأدعية الأمّة لتتعرف على أدب مناجاة اللَّه وكيفية طلب المغفرة بهذه العبارات، أم أنّ هنالك حقيقة معينة في تلك العبارات؟
الجواب:
لقد إلتفت العلماء الأعلام إلى هذا الإشكال منذ قديم الزمان فذكروا عدّة أجوبة لعلها تتفق جميعا على حقيقة واحدة، وهي أنّ للذنوب والمعاصي بُعد «نسبي» في مثل هذه الموارد، فهي ليست من قبيل الذنوب المطلقة والعادية.
توضيح ذلك:هنالك توقعات مختلفة في جميع القضايا الاجتماعية والأخلاقية والعلمية والتربوية والدينية. وسنكتفي هنا بذكر مثال واحد من بين مئات الأمثلة لتوضيح