بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 105

3- عوامل مجهولة

يؤمن علماء النفس والطبيعة من خلال تحقيقاتهم بشأن علل الشخصية الروحية للأفراد- غير الوراثة والتربية- بسلسلة من العلل المجهولة التي قد تؤثر في الجينات التي تحدد بعض الصفات فتؤدي إلى‌ العديد من الحالات والقوى الروحية الخارقة لديهم، ويعتقد علماء النفس والطبيعة أنّ هذه العلل تحدث طفرات في النطفة، وتؤدّي هذه الطفرات إلى‌ ظهور خصال غريبة لدى هؤلاء الأفراد والتي تسبغ عليهم كمالًا روحياً معيناً.

4- الهبة الإلهيّة

بالإضافة إلى‌ العوامل الثلاثة المذكورة هنالك عامل مهم آخر هو الفيض الإلهي وعنايته الخاصة بالأنبياء. والعوامل السابقة تمنح المعصوم قدرة واستعداداً بحيث يشمل بفيض اللَّه وعنايته الخاصة. وعلى ضوء هذا الفيض الرباني تصبح قواه الروحية أعظم تاثيراً وشدّة.

وهذه الإفاضة تفعل كمالاته الروحية وتتبعها بكمالات أخرى‌؛ وهذا اللطف الإلهي الخاص يوجب قوّة إيمان الأنبياء ومعارفهم وبصيرتهم، وقوة الإيمان وسعة العلم تقمع عوامل المعصية لدى المعصوم، وتفرز حالة طارئة، وهكذا تتظافر كل هذه العوامل لتحصن المعصوم من مقارفة الذنب والمعصية. والجدير بالذكر أنّ شخص المعصوم يتمتع في كل هذه المراحل بحرية تامة في الإرادة وعصمته اختيارية تماماً. وسنخوض في هذه التفاصيل عند الاجابة عن السؤال القادم. ولا نرى من ضرورة للتذكير بأنّ ما قيل ثابت بحق الأئمّة الطاهرين عليهم السلام.


صفحه 106

این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة


صفحه 107

9- هل عصمة الأئمّة فضل؟

سؤال:

العصمة ملكة تحصن الإنسان من مقارفة الذنب والخطأ والإنحراف، وعليه فإنّ الأفراد الذين يتحلون بهذه الملكة لا يقدرون على الإتيان بالمعصية وبالتالي سوف لن يكون لعصمتهم من فضل.

الجواب:

إنّ عصمة الأنبياء من الذنوب والمعاصي ليست بخارجة عن إرادتهم واختيارهم قط، بل عصمتهم إرادية واختيارية تستند إلى‌ العلم والإيمان.

توضيح ذلك:إنّ العصمة من الذنوب من لوازم العلم والإيمان بمفاسدها، طبعاً هذا لا يعني أنّ كل علم بلوازم الذنب ومفاسده يفضي إلى‌ العصمة، بل لابدّ أن تكون حقيقة العلم على درجة من الوضوح بحيث يقف الإنسان ببصيرته على آثار الذنب، وعلى هذا الأساس يكون صدور الذنب منه بصيغة «محال عادي» لا «محال عقلي» وللوقوف على حقيقة الأمر نستعين بهذا المثال:

لكل واحد منا عصمة إزاء سلسلة من الأعمال الخارجية التي تكلفنا حياتنا، وهذه‌


صفحه 108

العصمة معلولة لعلمنا بمثل هذه الأعمال؛ مثلًا إذا كانت هنالك دولتان متخاصمتان ومتجاورتان بحيث ينتشر بينهما حرس حدود كل منهما ويستفيدون من الأضواء الكاشفة والكلاب البوليسية وربّما تزرع كل منهما الألغام على أراضيها، فإنّ أحداً من الناس لا يفكر في تجاوز هذه الحدود فضلًا عن الأقدام عملياً على تجاوزها كونها تكلفه حياته؛ وعليه فلدى الإنسان عصمة إزاء هذا العمل. وأقرب من ذلك مثلًا هنالك عصمة يتحلى بها الإنسان إزاء شرب السم أو الإمساك بالسلك الكهربائي أو تناول الطعام المتبقي من شخص مريض مصاب بمرض الجذام أو السل، سيما إن كان له علم بعدوى المرض، فهو لا يقترب قط من هذه الأعمال، وصدور مثل هذه الأعمال من الإنسان يبدو محالًا عادياً، وسبب هذه العصمة تجسد لوازم تلك الأعمال، فهذه اللوازم تخترق بصره وبصيرته بحيث لا يفكر في القيام بهذه الأعمال، فضلا عن ارتكابها.

وإننا لنلاحظ بعض الأفراد الذين لا يتحرجون من أكل مال اليتيم، ولكن هنالك بالمقابل من يتحرز عن أكل دينار من الحرام؛ فلم لا يحتفظ الأول عن أكل مال اليتيم بينما يأبى الثاني ما دون ذلك؟ طبعاً سبب ذلك أنّ الشخص الأول إمّا أنّه لا يؤمن أصلًا بتبعات هذا النوع من العصيان، أو حتى وإن امتلك الإيمان والاعتقاد، فإنّ حبّه للماديات تحول إلى‌ حجاب غليظ ضرب على بصيرته بحيث يحول دون رؤيته لتلك الآثار والتبعات؛ أمّا الشخص الثاني فله إيمان راسخ بتبعات الذنب بحيث يرى كل قطعة من مال اليتيم جمرة من جهنم، وليس هناك من عاقل يأكل نارا؛ ذلك لأنّه يرى بعلمه الثاقب وبصيرته كيف تتبدل تلك الأموال إلى‌ نيران محرقة، وعلى هذا الضوء تكون له عصمة من ذلك الذنب. والقرآن يصف أولئك الذين يخزنون الذهب والفضة ولا يخرجون حقوقها الشرعية بأنّها تحمى بجهنم يوم القيامة لتسلط على وجوههم وجباههم وظهورهم‌«يَوْمَ يُحْمَى‌ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى‌ بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِانفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ».[1]

[1]سورة التوبة، الآية 35.


صفحه 109

والأن لو تمثل بعض مالكي الكنوز هذه الصورة وشاهدوا بأعينهم كيف يعاقب زملاؤهم، ولو حذروا من هذا العقاب بالنسبة لثرواتهم التي يمتلكونها وكيف ستكون عليهم وبالًا، قطعاً سيغيرون أسلوبهم وتعاملهم. وهنالك بعض الأفراد في هذا العالم على درجة من الإيمان بمضمون هذه الآية دون مشاهدة صورة العذاب الإلهي بحيث لا يقل أثراً عن شهوده، وحتى لو رفع الغطاء الدنيوي عن أعينهم لما كان هنالك من تغيير في إيمانهم. فمثل هؤلاء الأفراد يمتلكون نوعاً من العصمة إزاء هذه المعصية (كنز الذهب والفضة).

فلو كان هنالك أفراد أو طائفة يتصفون بهذه الحالة إزاء عقاب جميع المعاصي، وقد اتضح لهم عذاب اللَّه وأليم عقابه بحيث لم يعد لزوال الحجاب وإنعدام المسافات المكانية والزمانية أدنى تأثير على إيمانهم واعتقادهم، وعلى هذا الأساس فإنّ لهؤلاء الأفراد نوعاً من العصمة إزاء جميع الذنوب والمعاصي، فهم ليسوا فقط لا يقارفون الذنب فحسب، بل لايفكرون فيه.

وبناءً على هذا فإنّ للعصمة في هذه الموارد أثر مباشراً للإيمان والعلم القاطع بعقاب الأعمال، ولكل فرد نوع من العصمة إزاء بعض هذه الموارد. والواقع أنّ الأنبياء يتمتعون بعصمة تامة وشاملة أثر إحاطتهم العلمية بعقاب الأعمال وعلمهم بعظمة اللَّه، وعلى ضوء هذا العلم فقد قمعت عندهم كافّة دوافع الذنب وطغيان الغريزة، فهم لا ينتهكون حدود اللَّه.

هذا هو مقام العصمة من الذنب الذي يتمتع به الأنبياء والأئمّة عليهم السلام وأصلها الإيمان والعلم والمعرفة والتسلط على النفس وعلو الهمة.

أفليست هذه العصمة فضيلة؟ وهل يستطيع هؤلاء إرتكاب الذنب؟ قطعاًيستطيعون، إلّا أنّهم لا يستغلون هذه الاستطاعة أبداً. فربّما يمكن لشخص محترم أن يسرق إبريق جاره أن تسلّق الجدار، لكنّه لا يفعل ذلك أبداً. والطبيب يسعه أن يشرب ماءً مملوءاً بالمكروبات، لكنّه لا يشربه، وهذا الفرد ليس بعاجز عن الشرب‌[1].

[1]للوقوف على المزيد راجع كتاب «الزعماء العظام والمسؤوليات الأعظم».


صفحه 110

این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة


صفحه 111

10- هل هنالك من منافاة بين العصمة والاستغفار؟

سؤال:

رغم أننا نعلم بأنّ الأنبياء والأئمّة عليهم السلام معصومون من الذنب ولا يصدر منهم أي خلاف، مع ذلك ورد في بعض الأدعية عنهم أنّهم يعترفون بذنوبهم ويسألون اللَّه العفو عنهم.

ففي دعاء كميل مثلًا يتضرع علي عليه السلام إلى‌ اللَّه بهذا الدعاء:«اللَّهُمَّ اغفر لِي الذّنوبَ الّتي تَهتِكُ العِصَمَ ... اللَّهُمُّ اغفِر لِي كُلَّ ذَنْبٍ أَذْنَبْتُهُ وَكُلَّ خَطِيئَةٍ أَخْطأتُها!».فهل مرادهم من هذه الأدعية الأمّة لتتعرف على أدب مناجاة اللَّه وكيفية طلب المغفرة بهذه العبارات، أم أنّ هنالك حقيقة معينة في تلك العبارات؟

الجواب:

لقد إلتفت العلماء الأعلام إلى‌ هذا الإشكال منذ قديم الزمان فذكروا عدّة أجوبة لعلها تتفق جميعا على حقيقة واحدة، وهي أنّ للذنوب والمعاصي بُعد «نسبي» في مثل هذه الموارد، فهي ليست من قبيل الذنوب المطلقة والعادية.

توضيح ذلك:هنالك توقعات مختلفة في جميع القضايا الاجتماعية والأخلاقية والعلمية والتربوية والدينية. وسنكتفي هنا بذكر مثال واحد من بين مئات الأمثلة لتوضيح‌


صفحه 112

الموضوع: لو تطوع عدد من الأفراد لمشروع خيري كبناء مستشفى مثلًا للفقراء، فالعامل الذي له دخل محدود ومع ذلك يتبرع بمبلغ ما لهذا المشروع فإنّه يحظى بتقدير الآخرين، ولكن لو تبرع بهذا المبلغ رجل ثري، فهو ليس فقط لا يستحق التقدير فحسب، بل ينقم عليه الجميع ويذمونه؛ أي أنّ التبّرع الذي يمدح عليه شخص، يذم عليه شخص آخر! مع أنّ هذا المذموم لم يرتكب أي جرم من الناحية القانونية. وفلسفة هذا الموضوع كما أشرنا سابقاً:

أنّ ما يتوقع من كل فرد يتوقف على إمكاناته من قبيل العقل والعلم والإيمان وبالتالي إمكانيته وقدرته.

فلربّما كان القيام بعمل من فرد يمثل عين الأدب والخدمة والحب والعبادة، لكنّه يمثل في نفس الوقت من شخص آخر عين إساءة الأدب والخيانة وخلاف المحبّة والتقصير في العبادة والطاعة! والآن على ضوء هذه الحقيقة، نأخذ بنظر الاعتبار الأنبياء والأئمّة عليهم السلام ونقيم أعمالهم على أساس تلك المنزلة العظيمة: فهؤلاء مرتبطون مباشرة بمبدأ عالم الوجود وقلوبهم تنبض بعلمه المطلق اللامتناهي، وهنالك العديد من الحقائق الواضحة لهم والخافية على غيرهم، فهم قد بلغوا ذروة العلم والإيمان والتقوى، وزبدة الكلام فهم يعيشون حالة من القرب الإلهي بحيث لا يغفلون عن معبودهم طرفة عين. وبناءً على هذا فما كان مباحاً أو مكروها على غيرهم يبدو محرّماً عليهم! والذنوب التي تنسب إليهم من خلال بعض الآيات والروايات والأدعية ووقوفهم لطلب العفو والمغفرة من هذا القبيل؛ أي أنّ مقامهم المعنوي وعلمهم وإيمانهم على درجة من الرفعة بحيث إنّ أدنى غفلة في أبسط عمل إنّما تعدّ معصية، ولعلنا نقف على هذه الحقيقة من الخير المعروف‌«حسنات الأبرار سيئات المقربين»[1].

وقد أورد الفيلسوف الجليل المرحوم الخواجة نصير الدين الطوسي جواباً للإشكال المذكور وهو: «أنّ الإنسان إن ارتكب حراماً أو ترك واجباً، ولابدّ أن يتوب وينزع عن معصيته، وهذا القسم من الذنوب لعامة الأفراد. ولكن إن ترك أمراً مستحباً وأتى‌ بفعل‌

[1]الزعماء العظام، ص 232- 238.