وإله حقيقي من إله حقيقي وهو مولود لا مخلوق مولود من ذات هي ذات الربّ ...»، ذلك لأنّ العبارات المذكورة صريحة في أنّ عيسى المسيح ابن اللَّه، وكما ينفصل نور عن نور فقد انفصل عيسى عن اللَّه واستقر في رحم مريم، ومن هناك ورد إلى هذا العالم لهداية الناس والأخذ بأيديهم إلى شاطئ السعادة.
ب) إن استند الخلق لغير أب أو إنطوت حياة الشخص على بعض المعجزات وكانت كافية في أن يسمى ذلك الشخص بابن اللَّه، فإنّ ذلك سوف لن يقتصر على عيسى؛ فآدم عليه السلام ولد من دون أب وأم، كما ملئت حياة الأنبياء كابراهيم وموسى ونوح عليهم السلام و ... بأنواع المعاجز والكرامات، كما أنّ اللَّه يحبّهم جميعاً، وعليه فلابدّ من الاصطلاح عليهم جميعاً بأبناء اللَّه.
2- التوجيه الآخر ما يقال: المراد من أنّ عيسى ابن اللَّه أنّ اللَّه حل في جسد عيسى كما تحلّ الحرارة في الماء. وهذا التوجيه لا يشكل هروباً من أصل الإشكال فحسب، بل هو استجارة بالرمضاء من النار؛ ذلك لأنّه كما ذكر في مستهل البحث، إنّ اللَّه ليس بجسم ولا يحدّ بزمان ولا مكان، فاللَّه الوجود المحض والغني عن الزمان والمكان، فكيف يمكن أن يحلّ ويتحد بجسد إنسان كعيسى وهو يأكل الطعام ويشرب وينام ويحدّ بالزمان والمكان كسائر أفراد البشر؟! فهل يمكن استيعاب ماء البحر رغم محدوديته في قدح صغير، فإن قيل لا يمكن، فكيف يمكن حصر اللَّه غير المحدود في جسد عيسى البشري المحدود؟!
على كل حال، موضوع بنوة عيسى للَّهليس خارجاً عن العقل والمنطق فحسب، بل من كان لديه أدنى علم بالعقائد الإسلامية فإنّ بعض هذه الأسئلة تثير لديه نوعاً من الغرابة، على غرار استغرابه ممن يسأل: لماذا لا يتناول اللَّه الطعام ويمشي و ...؟!
این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة
15- ظهور الفرق المسيحية الثلاث
سؤال:
هنالك عدّة فرق في الديانة المسيحية، إلّاأنّ أشهرها ثلاث هي «الكاثوليكية» و «الارثودوكسية» و «البروتستانتية»! فما الاختلاف بين هذه الفرق ومتى ظهرت؟
الجواب:
الكاثوليك ومعربها «الجاثليق» تطلق على فرقة من المسيحيين الذين يرون البابا زعيمهم الروحي. وكان الأساقفة سواسية؛ إلّاأنّ بعض أساقفة المراكز الكبرى كالأسكندرية وأنطاكيا والقسطنطينية وروما تزعموا ما حولهم من الكنائس. واصطلح على أساقفة الكنائس الثلاث الأولى ب «البطريارق» وأسقف روما بالبابا.
والكنيسة الرومانية أصبحت أعظم شهرة في العالم منذ ألّف «بولس» رسالته؛ ولم يكتفِ البابا بزعامة أكبر كنيسة في العالم، حيث سعوا للتسلط بالتدريج على الكنائس العالمية كافّة، واستندوا إلى أنّ عيسى استخلف «بطرس» فكان أول أسقف لروما، وعلى هذا الأساس كان خليفة «بطرس» لابدّ أن يكون خليفة عيسى في الأرض فيمارس سلطته على جميع الكنائس. وادعى «ليو» في القرن الخامس زعامته لكافّة الكنائس المسيحية، وقد
سلّم له أغلب أساقفة المغرب؛ بينما امتنع بطارقة القسطنطينية وأنطاكيا وأساقفة الكنائس الإيرانية عن الإعتراف بمقامه وزعامته؛ وقد أدّى هذا الإمتناع إلى ظهور الانفصال بين الفصائل اللاتينية المغربية والكنائس اليونانية والسريانية الشرقية.
وما زالت هاتان الكنيستان منفصلتان إلى اليوم؛ إحداهما الكنيسة الأرثودوكسية اليونانية التي انتشرت في اليونان وروسيا، والأخرى الكنيسة الكاثوليكية الرومانية التي استفحلت في اوربا وامريكا. فهاتان الكنيستان تتفقان في اصل العقيدة، إلّاأنّهما اختلفا في قضية سلطنة البابا؛ بالإضافة إلى الاختلاف في بعض الأمور الثانوية.
أمّا البروتستانتية كما يبدو من معناها (الإعتراض) فهي اسم فرقة كثيرة الأتباع اليوم؛ وظهرت هذه الفرقة اثر اعتراضها على أسلوب الباباوات وتهافت رجال الدين المسيحيوين على جمع الثروات وبيع «صكوك الغفران» وفرض بعض القيود على المتعلمين. والواقع أنّ هذه الفرقة «اصلاحية» لتهذيب المسيحية ممّا فرضه عليها بعض الأساقفة والباباوات وزعيم هذه الفرق «مارتن لوثر» المصلح الكبير في عالم المسيحية. ففي 31/ 12/ 1517 م لصق ورقة على جدار كنيسة «ويتنبرك» أعرب فيها عن غضبه وسخطه تجاه بيع صكوك الغفران وسائر انتهاكات القساوسة ليعتبرها مجانبة للمنطق. فلما علم البابا أمر باحضاره إلى روما، فتمرد عليه، فكفره لؤي العاشر عام 1520 م. فقام «لوثر» بأحراق ورقة تكفيره بشجاعة حظيت بثناء الآخرين، ثم ترجم الكتاب المقدس «العهد الجديد» إلى الألمانية وأفنى عمره في التأليف وإصلاح الكنائس الخاضعة لنفوذه.
وأخيراً رغم استطاعت الفرق البروتستانتية ممارسة الإصلاح في المسيحية، وأنكرت بيع الجنان وصكوك الغفران والرهبنة وأمثال ذلك، وامتناعها عن الإعتراف بزعامة البابا، مع ذلك لم تستطع الخروج عن حالة جمود المسيحية بشأن «التثليث» وسائر المسائل الخاطئة.
16- ما غسل التعميد؟
سؤال:
ما المراد من غسل التعميد، وما كيفيته؟
الجواب:
غسل التعميد أحد السنن الدينية المسيحية، ويزعمون أنّه كان قبل المسيح، وكل من يقوم بهذا الغسل فإنّه يؤدّي به إلى الطهارة من أي دنس ووقف النفس في طاعة اللَّه. مع ذلك قال مؤلف كتاب «القاموس المقدس»: «إنّ المسيح لم يعمد أحداً»[1].
وهناك خلاف بين المسيحيين بشأن كيفية غسل التعميد؛ فالبعض يقول بوجوب غمر البدن في الماء، ويقول البعض الآخر بضرورة غمس البدن في الماء ثلاث مرات، وأخيراً يقال: إنّ غسل التعميد للكبار الذين يستطيعون الإعتراف بالذنب عند القسيس؛ ومن هنا فإنّ الأطفال يعفون من هذا العمل؛ بينما يقول البعض بوجوب تعميد الأطفال ويعتقدون بكفاية رش البدن بالماء، لأنّ هذا العمل (رش الماء على الأطفال) إشارة إلى الغسل مع الروح القدس ويكفي قدر من الماء باسم الأب والابن والروح القدس. وبناءً على هذا فإنّ غسل التعميد لمن كان مسيحياً سبب طهارته من الذنب، كما يعتبر هذا الغسل بالنسبة
[1]القاموس المقدس، ص 257، مادة تعميد، تأليف المستر هاكس الأمريكي.
للأطفال والمسيحيين الذين لم يعمدوا أو الأفراد الذين يعتنقون هذا الدين حديثاً دليلًا على الدخول في الدين المسيحي.
كيفية غسل التعميد:
يسود اليوم جميع الكنائس غسل التعميد الموحد وبهذه الصيغة:
يقوم القس بمل ظرف بالماء ويضيف إليه أحياناً مقداراً من الدهن والملح، ثم يخاطب من يروم تعميده أمام الجميع قائلًا: «إعلم أنّ المسيحية عبارة عن الاعتقاد بأنّ اللَّه يتركب من ثلاثة أصول أزلية الأب والابن والروح القدس؛ إذن عيسى الرب وابن الرب وانعقد بهيئة بشر في رحم أمّه مريم؛ فهو إله من جوهر أبيه وإنسان من أمّه وقد صلب ثم حيي بعد ثلاثة أيّام و (كان أربعين يوماً بين الناس) ورفع إلى السماء وجلس يمين الرب وسيشهد بإيمانك يوم القيامة ذلك الرب المقتول».
وهنا ينبغي أن يرد الطرف المقابل بلى، فيقوم القس مباشرةً بصب الماء على الشخص ويقول بصوت مرتفع أعمدك باسم الأب والابن والروح القدس ثم يجفف وجهه بمنديل، فتغفر ذنوبه في هذه اللحظة أو يصبح مسيحياً بصورة رسمية.
ويعمد الصبي في اليوم الثامن، حيث يأتي الوالدان بصبيهما إلى الكنيسة، فيخاطبه القس بالعبارات السابقة ويلبي الوالدان بدل الطفل[1].
ولو تأمل كل منصف تشريفات غسل التعميد لرآه مشحوناً بسلسلة من الخرافات، نشير إلى جانب منها:
أولًا: إنّ الذنب نوع من الأنحراف الروحي والأخلاقي ولا تزول آثاره قط دون تصفية الروح والتوبة الحقيقية والتربية الأخلاقية والإنابة إلى اللَّه، ورش الماء بعد خلطه بالدهن (بلسان) والملح ليس من شأنه تصفية روح الإنسان وغسل قلبه، ولو عاش الإنسان توبة حقيقية من الذنب وندم على ما فرط منه لما كان بحاجة إلى هذه الخرافات. فالإسلام يعتبر
[1]أنيس الأعلام، ص 303.
ندم الشخص انعكاساً لطهارته من الذنب، ولا يؤمن أبداً بأن ينتهك المذنب ستره ليبوح لآخر بذنوبه ليكون واسطة وسببا لغفرانها.
ثانياً: الإيمان بالتثليث- وبهذه الصراحة- شرك علني ليس من شأنه أن يكون وسيلة للطهر فحسب، بل يبعد الإنسان عن حقيقة التوحيد، وبالطبع أنّ العقيدة التي تستند إلى هذه الخرافات سوف لن تكون وسيلة للنجاة والتربية، بل لا تؤدّي سوى إلى الانحراف والضلال، والحق أنّه لمن دواعي الدهشة والذهول أن يتكلم هؤلاء بهذه العبارات التي تفيد الكفر صراحة ويزعمون أنّها ستطهرهم من الذنب.
ولعل رؤية واضحة تبدو لنا ممّا تقدم عن واقعية الدين الإسلامي المقدس، فالإيمان بمبادئ هذا الدين لا يتوقف على أي من هذه الخرافات، وكل فرد أينما كان آمن بوحدانية اللَّه ونبوة النبي صلى الله عليه و آله سيكون مسلماً واقعياً ويتساوى في الحقوق مع سائر المسلمين، وعليه فليس هناك داعٍ لأن يحضر عند شخص ليسمع تلقيناته ويصدق بخرافاته.
این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة