10- ما المراد ب «الغيبة الصغرى» و «الغيبة الكبرى»؟
سؤال:
إننا نسمع من الخطباء ونقرأ في الكتب الدينية أنّ لإمام الزمان عليه السلام غيبتين صغرى وكبرى، فما المراد بهاتين الغيبتين؟ ولم سميت إحداهما بالصغرى والأخرى بالكبرى؟
الجواب:
توفي الإمام الحادي عشر لدى الشيعة الحسن العسكري عليه السلام سنة 260 ه، فانتقلت الإمامة وزعامة الأُمّة بأمر اللَّه تعالى إلى ولده الموعود عليه السلام. ولم يبلغ من العمر أكثر من ست سنوات حين توفي والده، وقد غاب بإذن اللَّه لأنّ أعداء الإمام عزموا على قتله مهما كان الثمن. وكان باستطاعة خواص شيعته أن يطرحوا عليه أسئلتهم ويحصلون على أجوبتها من خلال سفرائه الأربعة، واستمر هذا الوضع حتى عام 329 ه وانتهت السفارة بوفاة السفير الرابع، فأسندت مهمّة بيان الأحكام الشرعية وشؤون الأمّة كافّة إلى كبار الفقهاء بصفتهم نواب الإمام واختتمت النيابة الخاصة المحصورة في فرد معين.
وقد بدأت الغيبة الصغرى من عام 260 ه- وهو العام الذي توفي فيه الإمام العسكري عليه السلام- وانتهت عام 329 ه- وهو العام الذي توفى فيه آخر سفرائه- فيصطلح على غيبته منذ ذلك
اليوم لحد الآن بالغيبة الكبرى، وعلة التسمية واضحة؛ لأنّ الشيعة في الغيبة الأولى وإن حرموا من مشاهدة الإمام، إلّاأنّ خواص الإمام كانوا يتصلون به ويعرضون عليه مختلف الأمور، بالإضافة إلى أنّها كانت قصيرة، ومن هنا يطلق على هذه الغيبة بالصغرى. ولكن بعد وفاة آخر السفراء، فقد أغلق هذا الطريق على الأمّة وأصبح الفقهاء مراجع الأمّة في شؤونها الدينية والدنيوية، وإثر انقطاع الإتصالات الخاصة كافّة وطول مدّة زمان غيبة الإمام فقد أطلق عليها الغيبة الكبرى.
11- من هم نواب إمام الزمان «عج»؟
سؤال:
يقال إنّ لولي العصر عليه السلام بعض السفراء في الغيبة الصغرى يوصلون المستجدات والأمور الضرورية للإمام. رجاء بينوا لنا نبذة عنهم؟
الجواب:
كان الإمام عليه السلام يتصل بالأمّة في غيبته الصغرى من خلال سفرائه الأربعة و يقضي أغلب حاجاتهم عن طريق وكلائه. وهم:
1- عثمان بن سعيد العمريمن قبيلة بني عمرو بن عامر. كان من أتباع الأئمّة منذ الحادية عشرة فصحب الإمامين الهادي والعسكري عليهما السلام، كما كان الوكيل الخاص للإمام العسكري عليه السلام. كان ثقة الإمام عليه السلام وخلفه ولده محمد بن عثمان، حتى قال فيه عليه السلام:«العمري وابنه ثقتان فما أدّيا إليك عنّي فعني يؤدّيان وما قالاه لك فعني يقولان، فاسمع لهما واطعهما فهما الثقتان المأمونان». وكان الإمام العسكري عليه السلام قلّما يأذن لأحد برؤية المهدي عليه السلام، وكان العمري ممن رآه كراراً في داره. ومن أراد الوقوف على سيرته فليراجع
كتب الرجال[1]، وبالطبع لا يوجد تاريخ دقيق لوفاته[2].
2- محمد بن عثمان بن سعيد، وهو ابن السفير الأول والذي يعدّ السفير الثاني ووكيل الإمام عليه السلام حيث أدرك الإمام العسكري عليه السلام وكما ورد في الحديث السابق فإنّه وأباه ثقتا الإمام. وكانت مدّة سفارته أطول وأوسع وكان يوصل رسائل الشيعة دائماً إلى الإمام عليه السلام ويأتيهم بالأجوبة التحريرية، وتوفي عام 304 أو 305 ه[3].
3- حسين بن روحالذي اشتهر في زمانه بالعقل والدراية، وكان من مقرّبي سفير الإمام الثاني محمد بن عثمان؛ وقد فوض إليه مهمّة السفارة وتوفي عام 326 ه[4].
4- علي بن محمد السمريوهو آخر سفراء الإمام عليه السلام حيث كتب له الإمام كتاباً صرح فيه أنّه آخر سفرائه وليس له نصب أحد بعده! توفي في النصف من شعبان عام 329 ه وأغلقت السفارة بوفاته لتبدأ الغيبة الكبرى،[5]ومنذ ذلك الحين كان الإمام عليه السلام يفند أي زعم بالنيابة الخاصة.
[1]تنقيح المقال، ج 1، ص 245 و 246؛ وقاموس الرجال، ج 6، ص 225؛ و سفينة البحار، ج 2، ص 158.
[2]ورد تاريخ وفاة الإمام في ريحانة الأدب، ج 3، ص 133 نقلًا عن تحيّة الزّائر للمرحوم النوري أنّه عام 257 ه، والحال كان الإمام العسكري على قيد الحياة آنذاك.
[3]الكامل لابن اثير، حوادث عام 305؛ وتنقيح المقال، ج 2، ص 149؛ وقاموس الرجال، ج 8، ص 264- 268 وورد في هذه المصادر أنّه كان نائباً للإمام خمسين سنة، في حين تكون قد مضت على الغيبة الصغرى 45 سنة عند وفاته، وكانت النيابة قبله لوالده.
[4]تنقيح المقال، ج 2، ص 308 وغير ذلك.
[5]قاموس الرجال، ج 7، ص 51.
12- فلسفة غيبة المهدي عليه السلام
سؤال:
نعلم أنّ المهدي- الحجّة بن الحسن العسكري عليه السلام- غاب عن الأنظار عام 260 ه وقد مرّت لحد الآن ألف سنة على هذه الغيبة؛ والذي نريد أن نعرفه: ما فلسفة هذه الغيبة الطويلة؟
الجواب:
لابدّ من الإلتفات بادئ الأمر إلى أنّ غيبة الإمام عن أنظارنا لا تعني أنّه يعيش في عالم آخر غير عالمنا، أو تبدل وجوده الجسمي إلى وجود غير مرئي كأمواج الأثير؛ بل معنى غيبته أنّه يعيش بين الناس وأنّهم يرونه، لكنهم لا يعرفونه، وهو يعيش عيشة طبيعية.
أمّا لماذا طالت غيبته وما فلسفة ذلك؟ فلابدّ من القول: هنالك اختلاف كلي بين مشروع الإمام ومشروع الأنبياء وسائر الأوصياء، فمشروعه ليس تشريعياً، بل مشروعه إجرائي للعالم كافّة؛ بمعنى له مهمّة تطبيق جميع المبادئ الإسلامية في العالم وبسط العدل والقسط بين صفوفه. صحيح أنّ الأنبياء والأوصياء نفذوا جانباً من هذا المشروع، إلّاأنّ هذه القضية لم تتخذ بعداً عالمياً وشمولياً بفعل غياب الاستعداد عن أغلب ابناء العالم.
ومن الواضح أنّ تطبيق هذا المشروع الثوري العالمي الذي يهدف إلى بسط العدل والقسط وإشاعة الحق إنّما يتطلب بعض الشرائط والمقدمات التي لا تتحقق سوى من خلال تقادم الزمان وتكاملها من جميع الجوانب، ونشير إليها هنا وهي:
1- الاستعداد الروحي
لابدّ أن يكون المجتمع البشري متعطشاً لتطبيق المبادئ المذكورة، وما لم يكن لدى الناس «طلب» فسوف لن يكون هنالك أي تأثير لأيمشروع مادي ومعنوي. وبالطبع فإنّ قانون العرض والطلب لا يقتصر على الصعيد الاقتصادي، بل هو نافذ في المجالات الاجتماعية والسياسية. طبعاً إنّ تقادم الزمان وفشل القوانين المادية وظهور الأزمات العالمية الخانقة واتجاه البشرية نحو الحرب سيتعب البشرية ويفهمها هذه الحقيقة حيث أنّ القوانين المادية والمنظمات التي يصطلح عليها بالدولية ليست عاجزة عن حل مشاكلها ومعاناتها وبسط العدل والقسط في ربوع العالم فحسب، بل إنّ هذا التعب واليأس سيعدّها للتفاعل مع الثورة الشاملة، ونعلم أنّ هذا الموضوع بحاجة إلى وقت لتثبت التجارب المريرة عجز الأنظمة المادية والمدارس البشرية كافّة في بسط العدل وإحقاق الحق وإرساء قواعد الأمن والإستقرار، وبالتالي سيظهر لدى البشرية هذا الطلب إثر ذلك الياس والإحباط لتحقيق الأهداف الربّانية ويتمهد السبيل لخوض ثورة عالمية من قبل رجل رباني[1].
2- تكامل العلوم والثقافات البشرية
من جانب آخر هنالك حاجة ماسة لرقي العلوم والثقافات الاجتماعية بغية قيام حكومة عالمية على أساس العدل والقسط؛ وهذا لا يتحقق دون التقدم الفكري وتقادم الزمان. حيث
[1]إنّ إحدى علامات ظهور الإمام عليه السلام التي اتفق عليها الجميع أنّ الأرض تمتلئ ظلماً وجوراً ويخيم اليأس على حياة المجتمع البشري، والواقع أنّ هذا الظلم يشكل عبئاً على الإنسان بحيث يعده للتفاعل مع الثورة العالمية الشاملة من قبل ذلك الزعيم الربّاني.
يتعذر انبثاق الحكومة العالمية التي يسود العدل والقانون فيها أنحاء العالم كافّة وتتمتع البشرية فيها بالامتيازات الإسلامية الفردية والاجتماعية كافّة دون وجود ثقافة تقدمية في جميع الشؤون الإنسانية، وهذا بدوره يتطلب مزيداً من الوقت.
3- تكامل وسائل الإتصالات
وتتطلب هذه الحكومة أيضاً وسائل إتصالات متكاملة ليمكن من خلالها اطلاع المجتمعات على المقررات والمبادئ الإنسانية من خلال عدّة طرق وبأقصى مدّة زمنية؛ وهذا ما لا يتحقق دون رقي العجلة الصناعية ومرور الزمان.
4- استقطاب الطاقات البشرية
بغض النظر عن كل ما سبق فإنّ النهوض بهذا الهدف والتخطيط لهذه الثورة يتطلب طاقات بشرية فاعلة، تشكل في الواقع جيش الثورة العالمية، كما أنّ تشكيل هكذا جيش وظهور هؤلاء الأفراد المضحين إنّما يتوقف أيضاً على تقادم الزمان. ولعل ما ورد في الروايات بشأن فلسفة طول مدة غيبة الإمام في اختبار الناس وتمحيصهم إشارة إلى هذا الأمر؛ ذلك لأنّ الامتحان على ضوء المنطق الإسلامي لا يعني كشف الأمور الخفية على غرار الامتحانات العادية، بل المراد منه إعداد الأفراد وخلق الصفات السامية لديهم[1].
وبالتالي فإنّ هذه العوامل الأربعة[2]بحاجة إلى مرور زمان مديد وتطور في كافّة مرافق الحياة واستعداد روحي وفكري لدى الناس بغية قبول الحكومة العالمية القائمة على أساس الحق والعدالة؛ ومن ثم ينفذ هذا المشروع من قبل الإمام المهدي عليه السلام والحال يمكنه أن
[1]جميع الاختبارات الإلهيّة للأنبياء والأولياء لهذا الغرض. فما ورد بشأن نبي اللَّه ابراهيم «وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَرَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ» (سورة البقرة، الآية 124) من أجل الهدف المذكور لينفتح هذا النبي على مختلف التجارب فيتحلى بكامل الصمود والمجابهة.
[2]يمكن خلاصة العوامل الأربعة في ما يلي: 1- التكامل الروحي 2- التكامل الثقافي 3- تكامل وسائلالإتصالات 4- تشكيل جيش النهضة العالمية من الفئة المخلصة والمضحية.
يعيش بصورة طبيعية حتى يأذن له اللَّه بممارسة الثورة العالمية؟ وهناأن نقول إنّ الإمام يعيش بصورة طبيعية كسائر الناس، لكنه يتمتع بعمر طويل، والفرق بينه وبين جميع الأئمّة عليهم السلام، أنّه حين كان يأفل نجم إمام يبزغ نجم آخر، بينما ليس الأمر كذلك بالنسبة للمهدي عليه السلام، فهو آخر الأوصياء والمدخر لتطبيق المشروع.
وعليه لابدّ أن يعيش بصورة مجهولة حتى ينهض بهذه المهمّة. طبعاً ما ذكرناه كان بشأن فلسفة غيبة الإمام «عج» وعلة معيشته بصورة مجهولة، وأمّا منافع غيبة الإمام وكيف يستفيد منه الناس فهذا موضوع آخر خارج البحث و خارج عن تطاق السؤال المذكور.