14- الإسلام والشفاعة
سؤال:
هل في الإسلام شفاعة أم لا؟ إن كانت هناك شفاعة فكيف سبيلها إلى اللَّه؟ فلعل الشفاعة نوع من الواسطة! ونتيجتها الحصول على موقع دون استحقاق.
الجواب:
هنالك شفاعة في الإسلام وهي من المفاهيم الإسلامية المسلّمة، ويعلم كل من لديه أدنى معرفة بالقرآن والسنّة بقطعية الشفاعة لمن يستحقها ولا مجال للشك والريب فيها.
وقبل الخوض في الأدلة النقلية على الشفاعة، لابدّ من توضيح حقيقتها ليعلم فرقها عن الواسطة.
فالشفاعة لغة تعني ضم شيء لآخر، واصطلاحاً بمعنى مساعدّة أولياء اللَّه (الأنبياء والأئمّة والصلحاء) لانقاذ الأفراد الذين ارتكبوا الأخطاء طيلة حياتهم. وبالطبع فإنّ المساعدّة لانقاذ المذنبين لها صورتان: إحداهما تشبه الواسطة التي تدعو إلى الظلم، والأخرى درس وتهذيب ونافذة أمل ووسيلة تكامل. فإن كان الفرد المشمول بالشفاعة يفتقر لأيأهلية واستحقاق فهذا نوع من الظلم وتشجيع على الخطيئة وممارسة الجريمة.
وهذه شفاعة مرفوضة والأمل بهذه الشفاعة يدفع بالأفراد إلى عدم التورع عن ارتكاب أيّة جناية، ومن المسلم به أنّ الآيات لا تنشد مثل هذه الشفاعة التي يدينها العقل والمنطق. أما إن شمل بعض المذنبين بشفاعة الشفعاء يوم القيامة لإيمانهم باللَّه وعلاقتهم بأوليائه، فإنّ هذه الشفاعة لا تنطوي على أي ظلم، بل هي عين العدل ووسيلة تربوية وعودة الأفراد المذنبين عن حالة التذبذب.
وتوضيح ذلك:إنّ شفاعة أولياء اللَّه كما يصرح القرآن تتوقف على إذن اللَّه وليس لأحد من شفاعة دون إذن اللَّه تعالى. ومن هنا يتضح أنّ إذن اللَّه سبحانه ليس اعتباطاً، وهذا الإذن يشمل من يستحق العفو والصفح، وإن قارف بعض الذنوب فإنّها لا تصل إلى حدّ الطغيان والتجبر، وإن ضعفت علاقته باللَّه فهي لم تنقطع. وعليه فالبشارة بالشفاعة بهذا المعنى تحذير للأفراد الذين يقارفون أحياناً بعض المعاصي بالعودة إلى ذاتهم والكفّ بأسرع وقت عن ممارساتهم وديمومة علاقتهم بربّهم وعدم الابتعاد عن قبس الشفاعة، وإلّا فليس هنالك من سبيل للنجاة. ولا يخفى تأثير هذا الشعور في عودة الأفراد إلى الطريق المستقيم وإعادة النظر في أعمالهم الخاطئة، فهو بمثابة الأمل في إضاءة الحياة ممّا علق بها من ظلام.
وقد دلت التجربة على أنّ نافذة الأمل إن فتحت بوجه المجرمين وشعروا بالأمل أو النجاة إن هم أعادوا النظر في أعمالهم الخاطئة فإنّ أغلبهم سوف يقلع عمّا هو عليه ويعود إلى رشده وصوابه. ولعلنا نلمس ذلك في قوانين العقوبات العالمية التي تتضمن قوانين العفو عن السجناء وكبار المجرمين المحكومين بالسجن المؤبد، وسرّ ذلك فسح المجال أمام الآخرين للكفّ عن أخطائهم، ولولا هذا الأمل لما كان هناك ما يدعو هؤلاء الأفراد للاقلاع عن الجريمة.
فالشفاعة بالنسبة للأفراد المستحقين لا تعدو كونها بارقة أمل بغية إعادة النظر في الحياة الدينية والأخلاقية، وتختص بأولئك الذين أبقوا على علاقتهم باللَّه وأوليائه، بينما لا تشمل هذه الشفاعة أولئك الذين أدبروا عن اللَّه وأفنوا أعمارهم في مقارفة الذنوب والمعاصي. ويمكن بيان الفارق بين هذين الصنفين بالمثال التالي: أفرض أنّ جنوداً أُمروا
بفتح قلعة على سفح جبل حيث تحظى هذه القلعة بأهميّة في حفظ بلدهم من العدوان الخارجي، وقد زودهم آمر ماهر بكل الوسائل التي يحتاجونها في الصعود إلى الجبل وفتح القلعة فأمرهم بالصعود. فكانت هنالك فئة من الجنود استقرت عند بداية الجبل ولم تطع الأوامر، وأخرى إمتثلت الأمر وباشرت الصعود فكان فيها بعض الأفراد الضعاف الذين يتوقفون في بعض المواقع ويصعب عليهم بمفردهم تجاوز بعض النقاط الصعبة، فما كان من هذا الآمر إلّاأن مدّ يد العون لأولئك الضعاف وأخذ بأيديهم ليعبروا تلك النقاط الصعبة.
فهذه المساعدّة والمعونة شفاعة نحو الأفراد السائرين على الطريق، ولا مانع من أن يعلن الآمر قبل الصعود بأنّه سيقف إلى جانبهم في المواقع الصعبة حتى يحققوا الهدف. فهذا الإعلان المسبق يبعث الأمل في نفوسهم نحو تحقيق الهدف. فهل الشفاعة بقصد إنقاذ الأفراد حثّ على الذنب ونوع من الظلم!
القرآن والشفاعة:
يمكن تقسيم الآيات الواردة في الشفاعة إلى ثلاث طوائف:
1- الآيات النافية للشفاعة مثل:«وَاتَّقُوا يَوْماً لَاتَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ»[1].
2- الآيات التي تقتصر بالشفاعة على اللَّه تعالى:«مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِن وَلِىٍّ وَلَا شَفِيعٍ ...»[2].
3- الآيات التي تصرح بوجود الشفعاء الذين يشفعون بإذن اللَّه تعالى:«مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ ...»[3]. و«يَوْمَئِذٍ لَاتَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِىَ
[1]سورة البقرة، الآية 48؛ وبعض الآيات القريبة من هذا المعنى مثل الآية 123 من سورة البقرة؛ والآية 48 من سورة المدّثر.
[2]سورة السجدة، الآية 4.
[3]سورة البقرة، الآية 255.
لَهُ قَوْلًا»[1]. فهذه الآيات تثبت وجود الشفعاء يوم القيامة الذين يشفعون بإذن اللَّه للمذنبين وأنّ اللَّه سيقبل شفاعتهم[2].
وهكذا يتضح موقف من يشكل أو ينفي الشفاعة على ضوء الآيات القرآنية الواردة في الشفاعة.
الآيات النافية للشفاعة:
يتضح الهدف من الطائفة الأُولى من الآيات التي تنفي الشفاعة من خلال الأخذ بنظر الاعتبار العقائد الخرافية السائدة لدى الوثنيين بشأن شفاعة الأصنام؛ حيث كان يزعم أولئك أنّ الأصنام شفعاؤهم عند اللَّه:«وَيَقُولُونَ هؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ»[3].
وأغلب الآيات التي تنفي أساس الشفاعة ترتبط بهذا النوع الذي كان يؤمن به عرب الجاهلية. ومن هنا حين نقل القرآن في الآية 43 و 44 من سورة الزمر شفاعة الأوثان فندها وذكر الشفاعة للَّه:«أَمْ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ ...* قُلْ للَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً ...».
أمّا هدف سائر الآيات التي تنفي حسب الظاهر الشفاعة فهو إدانة التصورات الباطلة لليهود؛ لأنّ هؤلاء كانوا يتصورون أنّهم سينالون شفاعة أخيارهم لأنّهم كانوا أنبياء ومهما ارتكبوا من ذنوب. وكانوا يتصورون بإمكانهم فداء ذنوبهم، على غرار سلوكهم في الدنيا عن طريق الرشوة والهدية لتزوير الحقيقة وتغيير رأي القاضي.
فالقرآن الكريم يفند هذا الزعم ليعلن عدم وجود الواسطة والشفاعة والفداء يوم القيامة وليس هنالك ما ينجي الإنسان سوى عمله فيقول: ««وَاتَّقُوا يَوْماً لَاتَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ»[4]. وعليه
[1]سورة طه، الآية 109؛ وقد وردت الآيات القرآنية القريبة من هذا المعنى راجع سورة الأنعام، الآية 51؛ وسورةالزمر، الآية 44.
[2]وردت عدّة آيات بهذا المضمون، راجع: سورة يونس، الآية 3؛ وسورة الأنبياء، الآية 28؛ وسورة مريم، الآية 87؛ وسورة سبأ، الآية 23؛ وسورة الزخرف، الآية 86؛ وسورة النجم، الآية 26.
[3]سورة يونس، الآية 18.
[4]سورة البقرة، الآية 48. وردت هذه الآية ضمن وقائع وقصة بني اسرائيل في سورة البقرة، ومن هنا فإنّها واردة بشأن عقائد اليهود في الشفاعة.
فآيات الطائفة الأولى والثانية ناظرة لعقائد الجاهلية واليهود بقرينة ما قبلها وما بعدها من الآيات، وهي منفصلة عن الطائفة الثالثة التي تثبت الشفاعة إجمالًا. وليست هنالك من منافاة بين تلك الطائفة من الآيات (الطائفة الثانية) التي تعتبر الشفاعة من اللَّه تعالى.
والطائفة الثالثة التي تشير إلى وجود الشفعاء الذين يشفعون بإذن اللَّه تعالى؛ لأنّ الشفاعة أساساً من اللَّه وللآخرين بإذنه.
این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة
15- هل استدل أمير المؤمنين عليه السلام على خلافته بحديث الغدير؟
سؤال:
كلّنا نعلم أنّ رسول اللَّه صلى الله عليه و آله أعلن يوم الغدير خلافة أمير المؤمنين عليه السلام وأوجب على جميع المسلمين طاعته، وهنا يرد هذا السؤال: إن كان الأمر كذلك فلماذا لم يستدل الإمام بهذا الحديث على إثبات إمامته؟
الجواب:
خلافاً لفرض السؤال فإنّ الإمام استدل بهذا الحديث في أكثر من موقع على خلافته، فكان يذكره كلّما سنحت الفرصة حتى رسخه في قلوب الناس. ولم يقتصر ذلك على الإمام، بل استدل بحديث الغدير الزهراء عليها السلام والحسن والحسين عليهما السلام وكبار المسلمين مثل، عبداللَّه بن جعفر وعمار بن ياسر والأصبغ بن نباتة وقيس بن سعد وعمر بن عبدالعزيز والخليفة العباسي المأمون وحتى الخصوم كعمرو بن العاص و ... وعليه فالاستدلال بحديث الغدير كان منذ عهد الإمام عليه السلام وما تلاه. ونشير هنا إلى بعض الاستدلالات:
1- تحدّث الإمام عليه السلام يوم الشورى (التي عينها الخليفة الثاني وكانت بالشكل الذي لا تكون الخلافة من نصيب علي، حين مال عبدالرحمن بن عوف إلى عثمان، عن بطلان رأي
الشورى فقال: أقول ما لا يسع أحد انكاره حتى قال: ناشدتكم اللَّه هل فيكم من قال فيه رسول اللَّه صلى الله عليه و آله:«من كنتُ مولاه فهذا علي مولاه، اللّهم وال من والاه وانصر من نصره ليبلغ الشاهد الغائب»[1]طبعاً لا يقتصر استدلال الإمام بحديث الغدير على هذه الواقعة.
2- ذات يوم خطب الناس بالكوفة وقال: ناشدتكم اللَّه من شهد يوم الغدير وسمع مقالة النبي صلى الله عليه و آله فليشهد. فنهض ثلاثون وشهدوا أنّهم سمعوه من رسول اللَّه صلى الله عليه و آله. وهنا لابدّ من الإلتفات إلى أنّ ذلك اليوم كان بعد خمس و عشرين سنة من يوم الغدير. بالإضافة إلى أنّ بعض الصحابة لم يكونوا في الكوفة أو توفوا قبل ذلك، ولعل البعض تحفظ عن الشهادة لبعض الأسباب وإلّا لكان العدد أكثر من ذلك.
وقد ذكر المرحوم العلّامة الأميني في كتابه «الغدير» مصادر هذا الحديث فمن أرادها فليراجع (كتاب الغدير)[2].
3- اجتمع على عهد عثمان مئتان- من المهاجرين والأنصار- في مسجد النبي وتحدثوا في عدّة أمور، حتى بلغوا فضائل قريش وسوابق المهاجرين، وكان كل يفتخر ببعض رجالات قريش. وكان علي عليه السلام يسمع ولا يتكلم. فأقبل الناس عليه وسألوه أن يتكلّم.
فخطب وتحدث عن قرابته من رسول اللَّه صلى الله عليه و آله ثم قال: إنّ رسول اللَّه صلى الله عليه و آله قال: عهد اللَّه إليَّ أمراً وأخشى أن يكذبني بعض الناس، ألا إنّ اللَّه أمرني بالابلاغ: أيّها الناس: أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، ثم أخذ بيدي وقال:«من كنت مولاه فهذا علي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه»فهل سمعتم ذلك. قالوا: بلى. فقام سلمان وسأل رسول اللَّه: كيف ولاية علي علينا؟ فقال صلى الله عليه و آله:«ولاؤه كولائي من كنت أولى به من نفسه فعلي اولى به من نفسه»[3].
4- واستدلت الزهراء عليها السلام بالحديث حين دافعت عن حقّها في ذلك اليوم التاريخي، ثم
[1]مناقب الخوارزمي، ص 217؛ وغيره.
[2]الغدير، ج 1، ص 153- 170.
[3]فرائد السمطين، الباب 58 واستدل الإمام بالحديث على امامته في الكوفة في يوم يعرف بيوم الرحبة و في الجمل في حادثة تسمى (حديث الركبان) و كذلك في صفين بحديث الغدير، ص 247.