6- كيف يكون كمال توحيد اللَّه نفي الصفات عنه؟
سؤال:
جاء في الخطبة الأولى من نهج البلاغة عن أمير المؤمنين عليه السلام أنّه قال:«وكمال توحيده الاخلاص له وكمال الاخلاص له نفي الصفات عنه».فكيف يمكن أن يكون نفي الصفات عن اللَّه كمال توحيده؟!
الجواب:
يمكننا أن نقف على دليل هذا الموضوع في كلام أمير المؤمنين عليه السلام في هذه الخطبة إذ قال:«لشهادة كل صفة أنّها غير الموصوف وشهادة كل موصوف أنّه غير الصفة».
توضيح ذلك:ثبت في الأبحاث الواردة في صفات اللَّه أنّ صفاته عين ذاته وليست زائدة عليها كما هو الحال في صفات البشر، بمعنى أنّ الذات شيء والصفات شيء آخر بالنسبة للممكنات؛ فمثلًا علمنا غير ذاتنا وعارض عليها، إلّاأنّ صفات اللَّه ليست كذلك؛ أي أنّ علمه عين ذاته، وبعبارة أخرى هي ذات كلّها علم وقدرة وحياة. وعليه فمراد الإمام عليه السلام من قوله كمال توحيده نفي الصفات عنه، يعني نفي الصفات الزائدة على الذات.
فحين نقول: لدينا علم.
فعلمنا شيء، ونحن شيء آخر، لم نكن عالمين ثم تعلمنا العلم تدريجياً، ولو كانت لدينا معلومات منذ البداية، فعلمنا أيضاً غير وجودنا، أو أنّ ذلك العلم يشكل زاوية من وجودنا على وجه الدقّة.
وهكذا قدرتنا الكامنة في عضلاتنا وأعصابنا، إنّما تشكل زاوية أخرى من وجودنا، وهذا العلم والقدرة مختلفان ويشكلان زاويتين مختلفتين من وجودنا، فبعقولنا وأرواحنا ندرك ونفهم الحقائق، وبعضلاتنا القوية نرفع الأجسام الثقيلة من الأرض. فصفاتنا ليست عين ذاتنا ولا عين بعضها بعضاً. والأمر ليس كذلك بالنسبة للَّه؛ فذاته عين العلم وعين القدرة وعين الحياة والإدراك؛ أي أنّ العلم لا يشكل زاوية من ذاته ولا تشكل القدرة زاوية أخرى منها، فجميع ذاته علم وجميعها قدرة. وعليه فقدرته أيضاً عين علمه.
ولعل تصور هذا الموضوع يصعب على الكثير، ويظنونه ضرباً من الخيال، وبالطبع ربّما لهم بعض الحق؛ لأنّ صفاتنا ليست كذلك، حيث ألفنا الصفات التي يشكل كل منها جانباً من وجودنا وتختلف بعضها عن البعض الأخر، ومن هنا يصعب إدراك الصفات التي تمثل عين الذات، بل يبدو إدراكها مستحيلًا على بعض الأفراد. ونرى من الضرورة بمكان أن نستعين ببعض الأمثلة لتقريب الموضوع إلى الأذهان:
لو تأملنا الضوء وشعاعه، فكل شيء يبدو واضحاً من خلاله. وعليه فالكاشفية والايضاح إحدى صفات الضوء، ولكن هل هذه الخاصية كامنة في زاوية من وجود الضوء أم لا؟ بل الضوء كله كاشفية وايضاح.
مثال آخر: تقول أدلة التوحيد: إننا مخلوقات اللَّه وهو خالقنا، كما صرحت الأبحاث السابقة بشأن علم اللَّه: إننا معلومون للَّه، أي أنّ اللَّه عالم بوجودنا. واستناداً لما تقدم يرد هذا السؤال: هل مخلوقيتنا ومعلوميتنا للَّهوالتي تعتبر من صفاتنا يشكل كل منها زاوية من وجودنا أم لا؟
والجواب على هذا السؤال واضح، فكل وجودنا مخلوق للَّه، كما أنّ كل وجودنا معلوم لتلك الذات المقدّسة. وعليه فصفة المخلوقية والمعلومية غطت جميع وجودنا، وبعبارة
أخرى اتحدت مع كامل ذاتنا. طبعاً المراد من المثالين المذكورين الابتعاد عن المألوف لدينا من الصفات المتعارفة الزائدة على الذات، وإدراك الصفات التي تمثل عين الذات.[1]
[1]للوقوف على المزيد، انظر كتابنا: معرفة اللَّه.
این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة
7- من خلق اللَّه؟
سؤال:
قد يبدو هذا السؤال مثيراً للدهشة، لأنّ الفيلسوف الانكليزي المعروف «برتراند رسل» صرح في أحد كتبه قائلًا: كنت في شبابي أؤمن باللَّه، وأرى برهان«علة العلل»أفضل دليل على وجوده، فلكل ما في العالم علّة، ولو تابعنا سلسلة العلل لوصلنا إلى العلة الأولى التي نسميها«اللَّه». لكنّي تراجعت لاحقاً عن هذه العقيدة، ذلك لأنّ السؤال الذي يتبادر إلى الأذهان على ضوء هذا الدليل: أنّ لكل مخلوق خالق وعلّة، فلا بد أن تكون للَّهعلّة وخالق، فكيف السبيل إلى حل هذا الإشكال؟
الجواب:
يعتبر هذا الإشكال من الإشكالات المشهورة وفي نفس الوقت الساذجة التي أثارها أصحاب النزعة المادية. فهؤلاء يقولون بكل بساطة: إن كان اللَّه هو الذي خلق كل شيء، فمن خلق اللَّه؟ ولكن ما الذي دعا الفيلسوف المذكور إلى التعرف على هذا الإشكال لاحقاً، على كل حال لابدّ من تسليط الضوء على هذا السؤال الذي يساور أذهان العديد من الشباب: ولعل الجواب عن هذا السؤال يتضح من خلال الإلتفات إلى عدّة أمور مهمّة بهذا
الشأن:
لو سلّمنا لأفكار الماديين واتفقنا مثلًا مع الفيلسوف «رسل»، فهل سنسلم لهذا الإشكال؟ قطعاً لا! ... لماذا؟ لأنّ أصحاب النزعة المادية يؤمنون بقانون العلية، فهم يعتقدون بأنّ كل شيء في عالم الطبيعة معلول لآخر. وعليه يرد عليهم نفس الإشكال: إن كان كل شيء معلولًا للمادة فما معلول المادة؟ وعلى هذا الأساس (وبالنظر إلى استحالة امتداد سلسلة العلل والمعاليل إلى مالانهاية) فإنّ جميع الفلاسفة (ربّما فيهم الفلاسفة الماديون والإلهيون) يؤمنون بوجود أزلي (وجود كان موجوداً على الدوام)، غاية الأمر أنّ الماديين يزعمون أنّ هذا الوجود الأزلي هو «المادة» أو شيء مشترك بين المادة والطاقة، أمّا الموحّدون فيرون أن الوجود الأزلي هو اللَّه، ويتضح من هذا أنّ «رسل» مضطر للإيمان بوجود أزلي (وإن كان المادة). فهل لهذا الوجود الأزلي من علة؟ طبعا لا .... لماذا؟ لأنّ الوجود الأزلي موجود دائماً، والوجود الدائمي لا يحتاج إلى علّة، والوجود الذي يحتاج إلى العلة ما كان معدوماً مدّة ثم اكتسب الوجود لاحقاً (تأمل).
والنتيجة:أنّ وجود مبدأ أزلي ودائمي قول يعتقد به الجميع، والأدلة العقلية في بطلان التسلسل (سلسلة علل ومعاليل لا متناهية) جعلت جميع الفلاسفة يقرون بوجود المبدأ الأزلي. وعليه فليس هنالك من خلاف بين الفلاسفة الإلهيين والماديين في قبول أحدهما لعلة العلل وانكارها من قبل الآخر كما ظن «رسل»، بل يعتقد كلاهما بعلة العلل أو العلة الأولى.
والسؤال المطروح: إذن ما الخلاف بينهما؟ والواقع أنّ اختلافهما يكمن في أنّ الموحّدين يرون لتلك العلّة علماً وإرادة ويسمون تلك العلّة (اللَّه)، أمّا الماديون فيرونها مسلوبة العلم والإرادة ويسمونها (المادة). أمّا لماذا جهل الفيلسوف «رسل» هذا الموضوع، فلا يسعنا سوى القول أنّه مختص بالعلوم الرياضية والطبيعية وعلم الاجتماع، لا في المسائل الدينية والفلسفة الأولى (بمعنى معرفة الوجود وآثاره). ويستنتج ممّا سبق أنّ فلاسفة الدين لا يكتفون بدليل علة العلل لإثبات وجود اللَّه؛ ذلك لأنّ هذا الدليل لا يرشدنا
سوى إلى وجود «العلة الأولى» أو بعبارة أخرى إلى وجود أزلي يؤمن به حتى الفلاسفة الماديون. بل المسألة المهمّة لدى الفلاسفة إثبات ما بعد العلة الأولى والذي يتمثل في علمها المطلق التام، وإثبات هذه المسألة يبدو سهلا عن طريق تأمل نظام الوجود والأسرار والعجائب والقوانين الدقيقة التي تحكم السماوات والأرضين وما تضمه من احياء متنوعة (تأمل).
هذا أول الكلام في الرد على الإشكال المذكور.
الموضوع الآخر الذي تجدر الإشارة إليه أنّ أساس هذا الإشكال في هذه القضية (لابدّ من علّة وخالق لكل موجود). والحال هذا ليس قانوناً كلياً ولا يصح سوى على الوجودات المسبوقة بالعدم ثم ارتدت حلّة الوجود.
توضيح ذلك:هنالك وجودات لم تكن موجودة سابقاً مثل المنظومة الشمسية ومن ثم الكائنات الحية- التي تشمل النبات والحيوان والإنسان- التي يشهد تاريخها على أنّها ليست أزلية الوجود، بل لم يكن لها وجود خارجي قبل ملايين السنين ثم اكتسبت الوجود لاحقاً. وممّا لا شك فيه أنّ ظهور هذه الوجودات يتطلب بعض العلل والعوامل، ومن المسلم به أنّ انفصال الكرة الأرضية عن الشمس (على ضوء نظرية لابلاس أو سائر النظريات) يعزى إلى عوامل خاصة، سواءً عرفناها أم لم نعرفها.
كما أنّ ظهور الحياة الأولى في النبات ثم الحيوان والإنسان إنّما يعزى إلى عوامل معينة، ومن هنا لا يكفّ العلماء عن بذل الجهود بغية التعرف على هذه العوامل، ولو لم تكن هنالك من علة لظهور هذه الموجودات، لما كان هنالك من سبب لظهورها في مليون سنة أو بضعة مليارات من السنين، لماذا لم تظهر في زمان يعادل ضعف هذا الزمان أو نصفه؟ لا شك أنّ وجود زمان معين لظهورها يعدّ أفضل دليل على أنّ علّة وجودها إنّما تحققت فقط في ذلك الزمان.
أمّا إن كان الوجود أزلياً- سواء كان هذا الوجود الأزلي اللَّه أو المادة- فإنّ مثل هذا
الوجود ليس بحاجة قط إلى علّة، ليس بحاجة إلى خالق وإله، ذلك لعدم وجود تاريخ لظهوره بحيث تضمن العلة الموجودة، أو كانت العلة معدومة في ذلك التاريخ. فما كان أزلياً كان وجوده يفيض من ذاته لا من خارج الذات ليكون محتاجاً إليه (لابدّ من التأمل). فأنا وأنت والأرض والسماء والمنظومة الشمسية و ... بحاجة إلى خالق، فوجودنا ليس أزلياً وليس من ذاتنا، وليست العلة الأولى وعلّة العلل ليكون وجودها من ذاتها.
مثال واضح:
يستعين الفلاسفة ببعض الأمثلة لتوضيح كلامهم الفلسفي بغية تقريب الموضوع إلى الأذهان؛ فيقولون مثلًا: حين ننظر إلى غرفتنا نراها مضيئة.
فنسال أنفسنا: هل الإضاءة من نفس الغرفة؟
ونجيب على الفور: كلا، ذلك لأنّ الإضاءة إن كانت من نفس الغرفة، فلا ينبغي أن تكون مظلمة في أي وقت من الأوقات، بينما تراها مضيئة أحياناً ومظلمة أحياناً أخرى. إذن فالإضاءة من مكان آخر. وسرعان ما يقتدح في أذهاننا أنّ الإضاءة في الغرفة بفعل الذرات أو الأمواج الضوئية المشعة في الغرفة.
ونتساءل ثانية: ما مصدر اشعاعات الضوء وذراته؟
ونجيب بعد شيء من التأمل أنّ اشعاع ذرات الضوء من ذاتها، فهذه الذرات لم تكتسب ضوئها من شيء آخر، ليس باستطاعتنا الظفر بأي مكان في العالم فيه ذرات ضوء مظلمة واكتسبت الضوء من موضع آخر. فذرات الضوء مضيئة أينما كانت، والضوء جزء من ذاتها.
نعم يمكن أن تزول هذه الذرات، لكن لا يمكن أن تكون مظلمة وهي موجودة (تأمل).
وعليه فإن قيل: إنّ إضاءة كل مكان في العالم معلول للنور، فما علّة ضوء النور؟ نقول فوراً ضوء النور جزء من وجوده. وكذلك حين يقال وجود كل شيء من اللَّه، فمن أين وجود اللَّه؟
نجيب وجوده من ذاته.