بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 29

8- كيف السبيل إلى‌ الاعتقاد بعلم اللَّه بالحوادث الاتية؟

سؤال:

إنّكم تقولون في مبحث «معرفة اللَّه» بشأن علم اللَّه: (إنّ اللَّه عالم بكافة أحداث الماضي والحاضر والمستقبل على حد سواء)، ولا يشذ شي‌ء عن علمه، وعلمه بكافّة الأمور (علم حضوري، أي أنّ جميع الأحداث حاضرة عند اللَّه، وليس هنالك من حجاب بينه وبين الحوادث الماضية والحاضرة والمستقبلية).

ليس هنالك من نقاش في الحوادث الماضية والحاضرة؛ إلّاأنّ القضية تبدو صعبة بالنسبة لحوادث المستقبل؛ فكيف يكون حاضراً عند اللَّه ما لم يقع لحدّ الآن ولم يوجد؟

الجواب:

تكفّلت الأبواب الواردة في مباحث معرفة اللَّه بالردّ على هذا السؤال وأمثاله. فالفكر البشري المحدود هو الذي صنع بعض المفاهيم كالماضي والحاضر والمستقبل؛ فوجودنا محدود من حيث «الزمان» ومن حيث «المكان»، أي أننا نقع ضمن نقطة معينة من دائرة الزمان والمكان. ومحدوديتنا من حيث المكان خلقت لنا بعض المفاهيم كالقريب والبعيد، فلو كان وجودنا يسع جميع العالم فهل يبقى لدينا من معنى للقريب والبعيد؟!


صفحه 30

وهكذا فإنّ محدوديتنا من حيث الزمان ترسم في أذهاننا صورة للماضي والحاضر والمستقبل. فالحاضر هو الزمان الذي نعيش فيه، والمستقبل هو الزمان الذي يأتي بعدنا، والماضي هو الزمان الذي كان قبلنا، أي أنّ المعيار في كل مكان هو وجودنا.

وعليه فما كان زماناً ماضياً بالنسبة لنا، كان زماناً حاضراً لمن عاش قبلنا بقرن، كما كان مستقبلياً لمن عاش قبل قرنين، ونستشف ممّا سبق فقدان هذه المفاهيم لمعانيها بالنسبة للوجود اللامتناهي الحاضر في كل زمان ومكان؛ فهو يرى الماضي والمستقبل كالحاضر، وكلها حاضرة عنده على حد سواء.

فمثلًا: الشخص الذي ينظر من نافذة في غرفة إلى‌ قافلة من الجمال إنّما يرى كل لحظة جملًا، فترتسم صورة في ذهنه عن الماضي والحاضر والمستقبل لهذه القافلة (لأنّ البوابة التي ينظر من خلالها محدودة)، أمّا الشخص الواقف خارج الغرفة وينظر إلى‌ القافلة فهو يراها تتحرك جميعاً في فترة واحدة! بعبارة أخرى:

كافّة الأحداث حاضرة لدى الوجود الذي يفوق الزمان والمكان. وما نقوله من أنّ الحوادث المستقبلية ليست موجودة الآن صحيح، لأنّ «الآن» إشارة إلى‌ الزمان الحاضر الذي نعيشه، إلّاأنّ ذلك لا يعني عدم وجود المستقبل في ظروفه، بل كل وجود موجود في ظرفه ولا يمكن أن تسلب كلياً من صفحة الوجود، ويمكن القول إنّ حادثة الغد ليست واقعة اليوم، لكنّها ليست غير موجودة أصلًا (تأمل).


صفحه 31

9- ماذا يعني جمال اللَّه ولقائه يوم القيامة؟

سؤال:

ثبت في مبحث معرفة اللَّه أنّ اللَّه ليس بجسم ولا يمكن رؤيته ولا يصح اطلاق أي لفظ على اللَّه تشم منه رائحة التجسم وعوارض الجسم؛ مع ذلك فقد ورد في بعض الروايات:

«إنّ اللَّه جميل يحبُّ الجمال»[1]والذي يستفاد من هذه العبارة أنّ الرؤية ممكنة على اللَّه، لأنّ الجمال من الصفات التي تشاهد بالعين.

كما جاء في الخبر:«من طلب الدنيا استغناء عن الناس و تعطفا على الجار لقي اللَّه ...»[2]. وعليه فالخبر يشير إلى‌ جسمية اللَّه.

الجواب:

أحياناً ترد بعض العبارات في الآيات القرآنية وكلمات أئمّة الدين التي تصور للوهلة الأولى منافاتها مع هذه الحقيقة المسلمة في نزاهة اللَّه عن التجسيم والرؤية، من قبيل‌«يَدُ

[1]بحارالانوار، ج 76، ص 299، ح 3.

[2]بحارالانوار، ج 100، ص 8، ح 31.


صفحه 32

اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ»[1]و«... وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ»[2]و«أنَّ اللَّهَ يرى أعمالَكُم». إلى‌ جانب ذلك هنالك الفرقة التي يصطلح عليها ب«المجسمة»وكما يبدو من اسمها فإنّها تقول بتجسم اللَّه، والسبب الذي يقف وراء هذا الإعتقاد لا يتجاوز النظرة السطحية لبعض الآيات والروايات. ولكن بالإستناد إلى‌ طائفة كبيرة من الآيات والروايات التي تنفي صراحة أية عوارض للجسم عن اللَّه وتتحدث عن ذاته المطلقة التي يستحيل إدراك كنهها، يتضح أنّ مراد تلك الآيات والروايات ليس ما يبدو للوهلة الأولى، بل المراد نوع من التشبيه والمجاز.

توضيح ذلك:نعلم أنّ الألفاظ والكلمات وضعت لقضاء الحاجات اليومية وتدور حول محور الموضوعات المتعلقة بالحياة اليومية؛ ولا بد من الإستعانة بهذه الألفاظ لبيان الحقائق المتعلقة بالمبدأ والمعاد واللَّه وصفاته، وعليه فلا مناص من اللجوء إلى‌ هذه الألفاظ المتعلقة بعالم المادة واستعمالها مع بعض التشبيهات في معانٍ جديدة لعالم ما وراء الطبيعة، فمثلًا حين نريد أن نقول إنّ اللَّه عالم بجميع الحوارات والمحادثات، ليس أمامنا سوى القول إنّ اللَّه سميع لكل شي‌ء، والمراد هنا من السميع ليس السمع بالأذن، بل العلم بجميع الأحاديث، وهكذا بالنسبة للرؤية وأمثال ذلك.

وعليه فإن قيل إنّ اللَّه (جميل) فليس المراد الجمال الجسمي، بل المراد الكمال الواقعي؛ ذلك لأنّ اللَّه وجود جامع للكمالات كافّة التي تساور أذهاننا والتي لا تساورها، وبالطبع فإنّ هكذا وجود جميل. وكذلك لقاء اللَّه في عالم الآخرة لا يعني رؤية اللَّه، بل مشاهدة آثار حكومته وقدرته وعدالته (أي ثواب وعقاب الأعمال) والتي تشير جميعاً إلى‌ وجوده وآثار صفاته، وقد اعتبرت رؤية هذه الأثار بمنزلة رؤية اللَّه. حتى روي عن أمير المؤمنين عليه السلام أنّه قال:«ما رأيتُ شيئاً إلّاورأيتُ اللَّه قبلَه وبعدَه ومعَه»والمراد رؤية آثار علم اللَّه وقدرته من خلال رؤية جميع الأشياء.

[1]سورة الفتح، الآية 10.

[2]سورة الحج، الآية 61.


صفحه 33

10- هل يستطيع اللَّه أن يخلق له شبيهاً؟

سؤال:

لا شكّ ولا ريب أنّ اللَّه قادر على كل شي‌ء«إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْ‌ءٍ قَدِيرٌ»[1]والتي لا تفارق مخيلة كل موحد، مع ذلك هنالك بعض المواضيع التي تساور الذهن والتي لا يسع العقل التفكير في أنّ اللَّه قادر عليها، فكيف نذعن لقدرته المطلقة ونؤمن بأنّه على كل شي‌ء قدير؟

وإليك بعض النماذج:

1- هل يستطيع اللَّه أن يخلق مثله؟ فإن استطاع فسوف لن يكون من المحال وجود شريكٍ له، وإن لم يستطع فسوف لن يكون قادراً على كل شي‌ء.

2- هل يستطيع اللَّه أن يدخل هذا العالم العظيم في بيضة بحيث لا يصغر العالم ولا تكبر البيضة؟ فإن قلتم لا يستطيع فكيف تؤمنون بأنّه على كل شي‌ء قدير، وإن قلتم يستطيع فالعقل لا يسعه تصور استيعاب البيضة لهذا العالم مجراته ومنظوماته كافّة.

3- هل يستطيع اللَّه أن يخلق موجوداً لا يقدر على القضاء عليه أو تحريكه؟ وكلا الصورتين لا تخلو من المحذورين السابقين؛ ذلك أننا إن قلنا لا يستطيع فكيف نؤمن بأنّه‌

[1]سورة البقرة، الآية 20.


صفحه 34

على كل شي‌ء قدير، وإن قلنا يستطيع، نتنكر لمطلقية قدرته؛ ذلك أنّ اللَّه إن استطاع خلق جسم وعجز عن القضاء عليه أو تحريكه فكيف يكون قادراً على كل شي‌ء ولا يستطيع أن يعدم أو يحرك جسماً يخلقه؟

الجواب:

لا تبدو هذه الأسئلة جديدة وقد أثيرت من قبل الناس في العصور السابقة وأورد أئمّة الدين الأجوبة الشافية عنها. ولعل الجواب المجمل لكل هذه الأسئلة بعبارة واحدة وهي:

إنّ القدرة مهما كانت مطلقة ولا متناهية إنّما تتعلق بالشي‌ء الذي يحكم العقل بإمكانه ويؤمن بأنّ هذا الشي‌ء يمكن تحقيقه. أمّا الأشياء التي ليس لها إمكان ذاتي فهي من الأمور المستحيلة والممتنعة لدى العقل.

توضيح ذلك:أننا حين نقارن أفكارنا في الخارج نراها نوعين:

النوع الأول:الأفكار التي لا يمانع العقل من وجودها ولا تحتاج في لباسها لحلة الوجود أكثر من القدرة دون الحاجة إلى‌ شي‌ء أخر، من قبيل عالم الخلق على سعته وما ينطوي عليه من كائنات ومجرات وكواكب وأقمار و ... والممكنة ذاتها بأجمعها، والتي تكتسب ثوب الوجود في ظل القدرة الربانية اللامتناهية.

النوع الثاني:الموضوعات التي يحكم العقل بإمتناع وجودها، وليس ذلك بسبب نقص القدرة الموجودة أو عجزها، بل بذاتها تأبى الوجود. بعبارة أخرى: أنّ العقل حين يضعها على طاولة الحكم يدرك استحالة وجود مثل هذه الموضوعات (وإن كانت القدرة الموجودة لامتناهية) وبالتالي فإنّ الخلل في ذاتها لا في موجدها. فلو طلب على سبيل المثال من خياط ماهر أن يخيط بدلة عرس لفتاة تزف إلى‌ زوجها من قطع الطابوق أو الخشب، أو من رسام بارع أن يرسم صورة لجناحي طاووس على أمواج البحر الهادرة، فسيرد الشخصان بالطبع بأنّ هذه الوسائل والأدوات ليست مؤهلة للموضوعات المطلوبة، فلا يمكن خياطة بدلة من الطابوق أو الخشب، كما لا يمكن رسم صورة على أمواج البحر.


صفحه 35

وما يقال: (لا يمكن خياطة أو رسم) تفيد عدم استعداد المحل ولياقته لهذا العمل. فقد أدرك الإنسان بحنكته وذكائه إنّ الخشب والطابوق ليسا من أدوات الخياطة وكذلك استحالة الرسم على الماء والهواء، وما أكثر ذلك في الحياة اليومية. وعقل كل إنسان يدرك استحالة وجود شي‌ء وعدمه في نفس اللحظة، أو يكون المصباح مضيئاً ومطفئاً في نفس الوقت أو أن يكون القدح مملوءاً وفارغاً في نفس الوقت وما شاكل ذلك ... فإمتناع واستحالة هذه الموضوعات من البديهيات العقلية، ولا يسع الإنسان- مهما كان خيالياً- أن يفترض إمكانية لوجود مثل هذه الأشياء. وكل فرد- مهما كانت معلوماته بسيطة- يعلم أنّ 2* 2/ 4 ولا يمكن أن يكون 3 أو 5 ويتضح من هذه الأمثلة أنّ الأمور المستحيلة والممتنعة خارجة عن نطاق القدرة على مثل هذه الأمور، وإنّما تتعلق عادة بالأمور الممكنة التي لها قابلية الوجود. والآن نعود إلى‌ الأسئلة المذكورة على علّة عدم تحققها.

يتضح من أدنى تأمل أنّ عدم تعلق القدرة بتلك الأمور كونها جزءاً من المحالات والأمور المحالة خارجة عن دائرة القدرة. فمثلًا وجود مثيل للَّه‌محال، وأثبت العلماء في بحث صفات اللَّه وحدانيته بالأدلة القاطعة ونفوا عنه أي شريك وشبيه وعدّوا ذلك محالًا، وعليه ففرض خلق المثيل محال. ومن هنا فإنّ قدرة اللَّه على خلق شريك له، من قبيل قولنا إنّ اللَّه يستطيع أن يفيض الوجود على أمر محال. بعبارة أخرى: أنّ مفاد خلق اللَّه لموجود مثله أنّ اللَّه يخلق موجوداً واجباً في الوقت الذي يكون فيه ممكناً، ولا متناهياً في ذات الوقت الذي يكون فيه متناهياً، ويكون له وجود من نفسه في الوقت الذي لا يمتلك فيه وجوداً من ذاته، وهل هذا إلّاالجمع بين النقيضين الذي قيل إنّه محال عقلياً. ذلك لأنّ اللَّه إن خلق موجوداً مثله فلابدّ أن يكون ممكناً ومتناهياً كونه مخلوقاً للَّه‌وليس له وجود من ذاته، ولكن من حيث إنّه شبيه للَّه‌ومثله فلابدّ أن يكون مثله من جميع الجهات، أي واجب الوجود ولامتناهٍ وله وجود من ذاته، والجمع بين هذه الصفات المختلفة هو جمع بين النقيضين وهو مُحال.

وكذلك السؤال: هل يستطيع اللَّه جعل العالم في بيضة هو سؤال عن إيجاد أمر محال،


صفحه 36

ذلك لأنّ العقل يحكم على أساس سلسلة من الحسابات والمشاهدات أنّ الظرف ينبغي أن يكون أكبر من المظروف ويستحيل استيعاب شي‌ء كبير في ظرف أصغر منه. وعليه فطلب جعل العالم في بيضة هو طلب لمحال، واتضح ممّا سبق أنّ الأمور المستحيلة خارجة تماماً من دائرة القدرة، والقدرة إنّما تتعلق دائماً بأمر ممكن‌[1].

وأمّا بشأن السؤال الثالث هل يستطيع اللَّه خلق موجود ولا يقدر على القضاء عليه، هو الآخر يصدق عليه ما سبق ومن قبيل سؤال أمر محال. فمن حيث كون مثل هذا الموجود مخلوقاً للَّه‌لابدّ أن يكون ممكناً، وكل ممكن عرضة للفناء ذاتاً. فإن افترضنا هذا الموجود يأبى الفناء، فلابدّ أن نفرض في هذه الحالة أنّه واجب الوجود وبالتالي سيكون الشي‌ء «ممكن» و «واجب» في نفس الوقت، وبعبارة أخرى‌ لابدّ أن يكون ممكناً كونه مخلوقاً للَّه، ولكن من حيث إنّه يأبى الفناء فلابدّ أن يكون واجباً وهذا جمع بين النقيضين.

وكذلك السؤال أن يخلق اللَّه موجوداً لا يستطيع تحريكه هو سؤال جمع بين النقيضين؛ فمن حيث كونه مخلوقاً للَّه‌لابدّ أن يكون محدوداً ومتناهياً وبالطبع قابل للتحريك، ومن حيث تعذر تحريكه فيفترض أنّه لامتناهٍ ولا محدود، وعليه فسؤال هذا الأمر هو جمع بين النقيضين.

وخلاصة الجواب: أنّ جميع هذه الفرضيات محالة وممتنعة وطلب إيجادها يعني إفاضة الوجود على الأمور الممتنعة ذاتاً، والأمور الممتنعة خارجة عن دائرة القدرة، وليست لها عقلياً قابلية الوجود. وعليه ليس هنالك من عجز في القدرة، بل العجز في الشي‌ء.

وبعبارة أوضح:العجز في قابلية القابل لا في فاعلية الفاعل.

[1]و بعبارة أخرى‌ فإنّ سؤال جعل العالم في بيضة هو طلب الجمع بين نقيضين، ذلك لأنّ الظرف لما كان البيضة فلابدّ أن يكون المظروف أصغر منه، ولما كان المظروف هو هذا العالم المترامي، فلابدّ أن يكون مظروفه أكبر بمليارات المرات من ظرفه، فالفرض أن يكون الشي‌ء صغيراً وكبيراً في آن واحد، هو فرض جمع بين النقيضين. للوقوف على المزيد بهذا الشأن راجع: كتاب معرفة اللَّه.