بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 37

11- أعمالنا والعلم الأزلي‌

سؤال:

إنّ اللَّه يعلم منذ الأزل بأنّ الجاني الفلاني سيرتكب جناية في لحظة معينة، وعليه فإنّ هذا العلم سوف يخالف الواقع إن لم يرتكب جنايته. والأمر ربّما يصبح كما تمثله الخيام في شعره من أنّ الحق يعلم منذ الأزل بشرب الخمر فإن امتنعت عن شرب الخمرة كان علم اللَّه جهلًا.

توضيح السؤال:إنّ اللَّه عالم منذ «الأزل» بما يحدث تدريجياً في عالم الوجود، وهو عالم منذ الأزل بحركة الكواكب في السموات وحركة الالكترونات حول مدارات الذرة وحركة أوراق الأشجار وأمواج البحار وحركة الأسماك في أعماق المحيطات. وعلم اللَّه محيط قبل أن يخلق البشر بسلوك الجناة وجرائم العتاة وإراقة الدماء من قبل سفاكي الدماء، ويعلم بكل شخص ماذا سيفعل في اللحظة الفلانية، وعليه فليس لأي‌شخص من مفرّ من ارتكاب ذلك العمل الذي يعلمه اللَّه ولا يستطيع التخلف عن الإتيان به، ذلك لأنّه إن لم يفعله كان علم اللَّه خلافاً للواقع وبالتالي يصبح علمه جهلًا.


صفحه 38

الجواب:

كل ما قيل في السؤال بشأن علم اللَّه صحيح ومنطقي؛ أي أنّ اللَّه عالم بكل شي‌ء منذ الأزل، إلّاأنّ النتيجة التي رتبت على ذلك (من أنّ الإنسان مجبر على القيام بأي من أفعاله) باطلة جملةً وتفصيلًا. ولا بدّ هنا من بيان أمرين لكي تتضح هذه الحقيقة:

1- إنّ حرية الإنسان وإرادته في القيام بأي عمل يشاء ممّا أجمع علية عقلاء العالم كافّة، حتى أولئك الذين يرون الأفراد مجبرين على أفعالهم، يحترمون المبدأ المذكور ويعتقدون أنّهم مختارون في بعض أفعالهم- ولذلك- إن سمعوا إهانة من شخص أو إن قصّر أحد أولادهم في القيام ببعض وظائفهم لهبّوا سريعاً لمعاقبته ومؤاخذته على ما بدر منه.

وبناءً على هذا لابدّ أن نذعن بأنّ ذلك الفرد الجاني الذي يطعن آخر بسكين فيقتله أو شارب الخمر الذي يتناول الكأس تلو الآخر إنّما يفعل ذلك بمل إرادته واختياره، وليس هنالك أي منصف يزعم أنّ فعل الجاني وشارب الخمر غير اختياري على غرار التنفس وهضم الطعام الذي لا يمكن تجنبه بأي شكل من الأشكال. ولو عدنا لأولئك القلّة الشاذة التي تصادر إرادة الفاعل واختياره وعرضناهم لبعض التجاوزات والإساءات لاستعانوا فوراً بالمراجع القضائية وطالبوا بمعاقبة المعتدي.

2- إنّ علم اللَّه كما بيّنا سابقاً مرآة للواقع ولايتخلف عنه قط، ولكن لابدّ من الإلتفات إلّا أنّ علم اللَّه إنّما يتعلق بالشي‌ء بالقيد والصفة التي له في الخارج وبالخصوصية التي يتحقق بها.

توضيح ذلك:أنّ البشرية طيلة حياتها كانت مبدأ لنوعين من الأفعال؛ طائفة من الأفعال التي يمارسها على أساس الإرادة والاختيار، فالصبغة المميزة لهذه الطائفة من الأفعال أنّها «أفعال اختيارية».

والطائفة الأخرى‌ من أفعاله هي «الأفعال اللاإرادية» أو التي يصطلح عليها ب «الاضطرارية»، من قبيل الدورة الدموية في الشريان ونبض القلب وفعاليات الجهاز الهضمي و ... والمميز الرئيسي لهذه الأفعال أنّها «أفعال غير اختيارية».


صفحه 39

وعلى ضوء المبدأ المسلم الذي ذكرناه- من أنّ علم اللَّه هو الواقع ولا يتخلف عنه أبداً- فإنّ كل فعل من أفعالنا بتلك الخصوصية والصبغة التي له في الخارج معلوم لدى اللَّه منذ الأزل، أي أنّ اللَّه يعلم منذ الأزل بأنّ ذلك الفعل المعين سيبدر منّا في لحظة معينة بمنتهى الاختيار والحرية، وكذلك الطائفة الثانية من أفعالنا فإنّ اللَّه يعلم منذ الأزل أن فعلًا معيناً سيصدر منّا اضطراراً في ساعة معينة.

وعلى ضوء هذين المطلبين نخوض الآن في توضيح الجواب:

أثبت المطلب الأول أنّ طائفة من أفعالنا أرادية واختيارية وإننا نملك الحرية التامة في تركها أو الإتيان بها. وأثبت المطلب الثاني كما أنّ اللَّه عالم بأصل الفعل، فهو عالم أيضاً بخصوصيته وصفته وأنّه اختياري أم اضطراري، وبعبارة أخرى‌ فإنّ فعلنا بتلك الخصائص والمميزات التي له في الخارج معلوم عند اللَّه. واستناداً لما مرّ معنا بشأن أفعالنا الأختيارية نستنتج أنّ اللَّه كان يعلم منذ الأزل بأنّ الشخص الفلاني سيطعن بالسكين فلاناً من الناس بالساعة الفلانية من اليوم الفلاني بمل إرادته. ومثل هذا العلم السابق (علم اللَّه الأزلي) لا يوجد «إجبار» الإنسان وسلبه الحرية والإرادة، ولا يحق للشخص الجاني أن يتذرع بالعلم الإلهي فيعتبر نفسه مجبراً على القيام بتلك الجناية، لأنّ اللَّه لم يكن عالماً بأصل الفعل فحسب، بل كان عالماً بأنّ ذلك الشخص سيرتكب تلك الجناية باختياره وحريته (لابدّ من التأمل).

وهذا العلم يؤيد ويكشف حرية الإنسان في قيامه بأفعاله دون أن يوجب أي اجبار عليه؛ ذلك لأنّ هذا العلم الذي يأبى مخالفة الواقع بأي شكل من الأشكال يفيد أنّ الإنسان إنّما يقوم بأفعاله على أساس حريته واختياره، ولو فرضنا أنّ ذلك الإنسان كان مجبراً على أفعاله وأنّه يقوم بها دون أدنى اختيار وحرية، لأصبح علم اللَّه مخالف للواقع وكان جهلا.

بعبارة أخرى‌: إنّنا إن مارسنا أفعالنا- الحسنة أو السيئة- بحرية واختيار فإنّ علم اللَّه سيكون مطابقاً للواقع، بينما سيخالفه إن كنّا مجبرين على تلك الأفعال.


صفحه 40

شرح أبسط:لعل البيان الفلسفي المذكور يبدو صعباً على البعض. ولتبسيط الموضوع نستعين بهذا المثال لنرى كيفية الردّ الذي يسوقه من يتذرع بعلم اللَّه الأزلي في ما يرتكبه بعض الأشخاص من جرائم وجنايات ليلتمسوا لهم الأعذار في ما يمارسون من ظلم وأثم وهل يعتمدون ذات المنطق في هذا المثال: فأغلب الأساتذة يستطيعون التكهن بمستقبل تلامذتهم، فالأستاذ الذي يتابع عن كثب مستويات طلّابه ربّما يمتلك رؤية واضحة تامة عن أولئك الذين سيجتازون الإمتحان ومن يفشل فيه، ولنفترض أنّ الأستاذ يعرف بكسل أحد التلامذة ومدى إهماله وقضائه لوقته في اللعب دون أن تؤثر فيه نصائحه وإرشاداته وعليه فإنّ الأستاذ يستطيع أن يحدد نتيجة هذا التلميذ مسبقاً وسيكون علم الأستاذ مطابقاً للواقع بالطبع، وهنا نتساءل عن السبب الذي يقف وراء فشل التلميذ في الإمتحان، أيكمن في علم الأستاذ أم في نفس التلميذ؟ ولو تكهن الأستاذ بنتيجة أخرى‌ مغايرة، فهل كان يمكن تحققها بحيث كان ينجح ذلك التلميذ في الإمتحان، أم أنّ رسوبه في الإمتحان كان معلولًا لإهماله وكسله؟ قطعاً ليس هنالك أي عاقل يوعز فشل التلميذ إلى‌ علم الأستاذ، ويجزم أنّ إهمال التلميذ كان هو السبب وراء فشله ورسوبه في الإمتحان.

وهل يشك أحد في أنّ التلميذ هو المسؤول عن تقرير مصيره، وأنّه حرّ ومختار في تحديد النتيجة التي يرغب فيها. والأمر كذلك بالنسبة لعلم اللَّه ومصير الإنسان وحريته في أفعاله، مع العلم أنّ هنالك بوناً شاسعاً بين علم الأستاذ ونتيجة تلامذته وعلم اللَّه بعباده، ذلك العلم الأزلي اللامتناهي، مع ذلك فليس لهذا الفارق من تأثير في الجواب، وأنّ أي من العلمين لم تكن له مدخلية في النتائج ولا يوجبان سلب الطرف المقابل حريته واختياره وإرادته.

وخلاصة الكلام:أنّ اللَّه خلق الإنسان وأودعه سلسلة من المواهب والقدرات ومنحه العقل والإرادة والاختيار والحرية وبين له سبيل السعادة والفلاح، وجعل كل إنسان حرّاً في ما يسلك من سبيل. ونحن بدورنا من يقرر مصيره بمل حريته واختياره، وليس لعلم اللَّه أي تأثير في تعيين هذا المصير، ذلك لأنّ هذا العلم لا يسلبنا أي شي‌ء من الحرية والإرادة


صفحه 41

والاختيار. ومن هنا ندرك أنّ ما تمثل به الخيام بشأن شرب الخمر وأنّه مضطر لشربها بعد سبقها بعلم اللَّه الأزلي لم يكن سوى سفسطة، ولعل سبب شيوع هذا اللون من التفكير لدى المدارس الغربية لا يعزى سوى إلى‌ إيمانهم بالحرية المطلقة في ممارسة الذنب والرذيلة والذي لا يعدو كونه خداعاً للنفس والوجدان. فليست هنالك أيّة قوّة تسوق الإنسان قسراً إلى‌ ممارسة فعل من الأفعال. ولذلك ردّ المرحوم الخواجة نصير الدين الطوسي الفيلسوف المعروف على رباعيات الخيام المذكورة ليكشف عن مدى جهل من ينسب مقارنة الرذيلة لعلم اللَّه الأزلي‌[1].

[1]يمكن للقراء الأعزاء الوقوف على المزيد بهذا الشأن من خلال الرجوع إلى‌ كتاب تصورات الخيام بغية معرفة الردود على هذه الرباعيات.


صفحه 42

این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة


صفحه 43

12- مفهوم البداء

سؤال:

ما المراد من‌«البداء»الذي يمثل احدى عقائد الشيعة؟ وهل صحيح ما يقال من 0 أنّ الإمام الصادق عليه السلام قال قبل وفاة ولده «إسماعيل» الإمام من بعدي ولدي إسماعيل. ولكن لما توفي قي حياة الإمام قال: كان للَّه‌بداء في إمامة ولدي إسماعيل؟!

الجواب:

للأسف أنّ موضوع‌«البداء»كان من بين المواضيع التي شنع بها المخالفون وحتى بعض علماء المسلمين على الشيعة فنسبوا لنا بعض القضايا الجوفاء دون أدنى تحقيق ومطالعة بشأن هذا المفهوم حسبما ورد في مصادر أعلام الطائفة وعلماء العقائد والمذاهب ليتشبثوا بكلمة واحدة وذكروا لها عدّة تفسيرات لا تمت بصلة لعقائد الشيعة.

ومن المسلم به أنّ مثل هذه التفاسير الشاذة لا تصدر عن عالم ومحقق «حتى وإن كان من المخالفين»، بل لا تصدر سوى عن بعض المتعصبين الذين يفتشون عن بعض الذرائع هنا وهناك لاستغلالها في تحقيق أغراضهم ومأربهم؛ فهم يتربصون على الدوام علّهم يسمعون كلمة من الطرف المقابل ليتناولوها على طريقتهم فيعمدوا إلى‌ ممارسة التضليل والتشهير


صفحه 44

وبالتالي شنهم لحربهم الدعائية ضد هذا المذهب، ولعل لفظ«البداء»من بين هذه الكلمات التي سعوا لتشويهها.

على كل حال للوقوف على حقيقة معنى كلمة «البداء» على ضوء عقائد الشيعة، نلفت الانتباه إلى‌ معنى هذا المفهوم بشكل مختصر.[1]تعني كلمة البداء في العربية: الظهور. قال تعالى في كتابه العزيز بشأن الظلمة«وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون»[2]. ويقال أيضاً: بدا من فلان كلام فصيح، وتستبدل (من) أحياناً بحرف (اللام) فيقال: بدا لفلان كلام صحيح. ومعنى العبارة الثانية نفس معنى العبارة الأولى. فإنّ عرفنا معنى‌ العبارة الآن «بدا لفلان» نعود إلى‌ أصل الموضوع: ما أكثر ما تتوفر لدينا مقدمات عمل معين، ولكن ربّما تطرأ بعض الأحداث المفاجئة وتتغير الظروف بحيث لا يتمّ ذلك العمل، فيقال هنا إنّ اللَّه لم يُرِدْ حصول هذا العمل، كما يمكن استبدال كلمة «بدا» هنا فيقال: (بدا للَّه أنّه لا يريد هذا). وعليه ليس المراد (اتضح للَّه) لتستلزم الجهل بالتقدير الثاني، بل المراد (اتضح لنا من اللَّه). ومن البديهي أن يخلو هذا الموضوع من القدح؛ وهو الموضوع الذي يقع مراراً طيلة حياة كل إنسان بحيث يشهد وقوع بعض الأمور غير المتوقعة، وهذه هي حقيقة«البداء». والآن نرى كيف امتزج هذا الموضوع بعقائد الشيعة وأصبح جزءاً منها؟

إننا نعتقد (وتشهد على ذلك الآيات القرآنية والأخبار والروايات) بأنّ البلاء قد يستكمل كل مقوماته وقدراته، ولعل هاجس وقوعه يكون قائما، غير أنّ الناس يلتجئون إلى‌ اللَّه ويتضرعون إليه ويقلعون عن أفعالهم السيئة وتسود بينهم حالة من التعاون والتعاضد ويقومون بالأفعال الحسنة، فيرفع اللَّه عنهم البلاء ببركة أفعالهم وهذا بحدّ ذاته أحد مصاديق البداء. وأحياناً بالعكس حيث تكتمل مقدمات نعمة وخير، فيأتي الناس ببعض الأعمال التي تحول دون ذلك وهذا هو البداء.

[1]هذا الشرح عصارة آراء المحققين وعلماء العقائد الشيعية خاصة ما أورده العلّامة الجليل والمتكلم والفقيه‌المعروف الشيخ المفيد في كتابه (أوائل المقالات) وشرح رسالة (اعتقادات الصدوق) والتي تتضمن بيان عقائد الشيعة بهذا الخصوص وتزيل عنها الابهام والغموض.

[2]سورة الزمر، الآية 48.