عبورها بهذا البدن المادي، ومن الطبيعي أن تبطل هذه العقيدة على ضوء بطلان الفرقية المذكورة وظهور النظريات الجديدة.
6- هل يؤجر المفكرون والمخترعون يوم القيامة؟
سؤال:
هنالك جهود جبارة بذلها بعض العلماء والمفكرين، فالعالم (فاديسون) اكتشف الكهرباء و (غاليلو) التلسكوب وقضايا مهمّة في الهيئة و (غوتمبرك) الطباعة فأسدوا خدمات جليلة للبشرية فهل يؤجرون عليها يوم القيامة، أم لا أجر لهم كونهم ليسوا مسلمين؟
الجواب:
قبل أن نبيّن رأي الإسلام بهذا الخصوص، لا بأس في أن نشير إلى بعض الآراء بهذا الشأن:
1- يرى البعض جقّ الأجر لكل عمل يعود بالنفع على المجتمع، ولا فرق في ذلك بين الموحد والمشرك والمسلم وغير المسلم، وأنّ اللَّه لا يفرّق بين عباده بهذا الشان. فهؤلاء يقولون: ليس للإيمان باللَّه ورسالة خاتم الأنبياء تأثير في العمل، والعمل الصالح يعود بالنفع على المجتمع دائماً سواء صدر من مسلم أم مشرك.
2- بالمقابل هناك طائفة أخرى تنفي أدنى أجر لهذه الأعمال وإن كانت بنيّة صافية لأنّها لا تنطلق من عقائد سليمة، وعليه فليست هنالك من قيمة لهذه الأعمال. ولكن يبدو الرأيين
المتقابلين غير صحيحين، وهنالك الرأي الثالث المنطقي وهو:
لكل عمل صالح بعدان:
1- بعد شخصي ونفعي يعود لنفس الإنسان.
2- بعد اجتماعي يعود نفعه على عامة الناس.
فإن كان هدف المخترعين الذين بذلوا ويبذلون جبارة للتوصل إلى اختراع معين، هو الحصول على شهرة بين الناس أو الحصول على عائدات مادية إزاء الاختراع، فقد حصلوا على ما يرومون وحققوا هدفهم، ولا داعي لأن ينتظروا أجراً يوم القيامة، ذلك لأنّهم بهذا الهدف لم ينشدوا رضى اللَّه وخدمة المجتمع، بل كانت الشهرة والمادة هما الدافع من وراء ذلك الجهد وقد ظفروا بهما- أمّا إن كان الدافع في تلك الأنشطة العلمية والجهود الفكرية والخدمات الاجتماعية هو القيام ببعض المنجزات في سبيل رفاهية عباد اللَّه والقضاء على الصعوبات التي تواجههم في حياتهم والتخفيف من أعبائهم، فمما لا شك فيه أنّ لهم أجرهم وثوابهم يوم القيامة، والعدل الإلهي يقتضي إثابتهم.
وقد ورد في الأخبار أنّ حاتم الطائي سيؤجر يوم القيامة رغم أنّه كان وثنياً ولم يؤمن بالأديان السماوية، كونه يرعى المحروم ويغيث المحتاج ويُقرء الضيف.[1]طبعاً هنالك عدّة طرق تمكننا من الوقوف على نيّة المخترع لنعلم هل كان الدافع الذي يقف وراء أنشطته مادياً وشخصياً أم معنوياً وإنسانياً. فالعلماء الذين إذا اقترح عليهم العمل في مصانع إنتاج الأسلحة الجرثومية والإبادة الجماعية مقابل دخل أكثر من دخلهم، إن عملوا في صناعة الأدوية، فلبوا الاقتراح، فإنّ مثل هؤلاء الأفراد سوف لن يؤجروا عند اللَّه مهما اكتشفوا واخترعوا، ذلك لأنّهم يفتقرون إلى الدوافع الربّانية والإنسانية وأمّا إن ضحّوا بتلك الإغراءات المالية وواصلوا أعمالهم خدمة للمجتمع فسوف يؤجرون ويثابون.
[1]سفينة البحار، ج 1، ص 607.
القسم الخامس: فلسفة الأحكام والمسائل الفقهية
این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة
1- هل يحق لنا السؤال عن فلسفة الأحكام؟
إن كان لنا مثل هذا الحق فهل له حدود؟
يعتبر بحث فلسفة الأحكام والمقررات الشرعية الإسلامية من أهم الأبحاث المطروحة اليوم وتشكل القسم الأعظم من أسئلتنا وأجوبتنا. فكل شخص يسأل نفسه لماذا أصلي وأحج بيت اللَّه، لماذا الربا محرم في الإسلام، ما فلسفة حرمة لحم الخنزير، لماذا يجيز الإسلام تعدد الزوجات، وما علة استعمال الأواني الذهبية والفضية و ...؟
لقد طرح هذا البحث سابقاً في مجلة المدرسة الإسلامية وكتب بعض الأعلام عدّة أبحاث رائعة ومفيدة بهذا الشأن، ويعتقد البعض أنّه لا ينبغي البحث عن فلسفة الأحكام، بينما يرى البعض الآخر العكس وأنّ هنالك ضرورة في إدراك فلسفة الأحكام. وأمّا رأينا إن لم تستغربوا صحة الرأيين السابقين. فإننا نمتلك ولا نمتلك هذا الحق، أي أنّ استدلال كل طائفة صحيح ومقبول في قسم معين لا بصورة كلية.
توضيح ذلك:تشير مطالعة المتون الإسلامية- القرآن وأحاديث النبي الأكرم صلى الله عليه و آله والأئمّة الأطهار عليهم السلام- وكلمات الصحابة إلى أنّ بحث فلسفة الأحكام كان سائداً بينهم في عصرهم، ولابدّ أن يكون كذلك. ذلك لأنّهم يرون الأسلوب القرآني أسلوباً منطقياً واستدلالياً فيعطون لأنفسهم الحق في التحري عن فلسفة الأحكام. والإسلام يتحدث عن
اللَّه الوجود المطلق واللامتناهي من حيث العلم والقدرة والغنى عن كل ما سواه، وكل أفعاله تستند إلى حكمة معينة- علمنا أم لم نعلم- ولا يشوبها أي عبث ولغو ولهو وقد بعث الأنبياء لدعوة الناس إلى الحق والعدل- ولعل هذه الصورة التي يقدمها الإسلام تشجعنا على تحري فلسفة الأحكام والأسرار الدخيلة في مصيرنا وسعادتنا.
وبالطبع فإننا نخطىء أن تصورنا اقتصار أسلوب القرآن على الاستدلال في «أصول الدين» والقضايا العقائدية دون «فروع الدين» و «المسائل العلمية» فنحن نرى القرآن يردف تشريع الصوم بالقول:«لَعَلّكُم تَتَّقُونَ»[1]فيذكر فلسفة الصوم على أنّها التقوى من الذنب والتي تحصل في ظل تربية النفس من تلك الرياضة الإسلامية. ويقول بشأن المسافرين المعفوين من الصوم:«يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ»[2]فيذكر فلسفة ذلك بنفي العسر والحرج والمشقة.
ويقول بشأن تحريم القمار والخمر:«إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمْ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنْ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنتَهُونَ»[3]. ويقول بشأن التعفف عن النظر إلى الأجنبية:«ذَلِكَ أزكى لَهُم»[4].
وبشأن عدم دخول المشركين إلى المسجد الحرام:«يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا ...»[5].
وبشأن الفيىء (بعض أموال بيت المال) وعلة اختصاصه ببيت المال وصرفه في موارد عامة:«كَىْ لَايَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ»[6]. وهكذا سائر الأمور التي لا مجال لذكرها.
[1]سورة البقرة، الآية 179.
[2]سورة البقرة، الآية 185.
[3]سورة المائدة، الآية 91.
[4]سورة النور، الآية 30.
[5]سورة التوبة، الآية 28.
[6]سورة الحشر، الآية 7.
كما تشير السنّة إلى أنّ النبي الأكرم صلى الله عليه و آله والأئمّة الأطهار عليهم السلام كانوا يخوضون في ذكر أسرار وفلسفة الأحكام بادىء الأمر أو بعد السؤال، وكتاب علل الشرائع للمحدث المرحوم الصدوق- كما يبدو من اسمه- مجموعة من هذه الأخبار. وعليه فحين ترى القرآن والأئمّة الذين يخوضون في أكثر من موقع في بيان فلسفة الأحكام، فإنّ ذلك دليلًا على منحنا الحق في الخوض في هذه الأمور. ونخلص إلى هنا في حقنا بالسؤال عن أسرار الأحكام على ضوء القرآن والسنّة وروايات الأئمّة عليهم السلام.
ولو تصور أن ذكر فلسفة الأحكام يمكن أن تحد من أهميتها وصرامتها وعموميتها فإنّ ذلك التصور خاطىء، بل بالعكس فإنّ إشباع تطلعات عقل الإنسان وروحه تجعل تلك الأحكام جزءاً من ضرورياته واحتياجاته لا بصفتها أحكام تعبدية جافّة. ومن جانب آخر فإننا نعلم بأنّ معلوماتنا محدودة مهما تقادم الزمان، فنحن لا نعلم كل شيء، ولو كنّا نعلم لتوقفت قافلة العلم، وعدم علمنا هذا هو الذي يدفع العلماء لحث الجهود بغية كشف المجهولات. ونعلم أنّ الأحكام الشرعية تصدر من علم اللَّه اللامتناهي، من ذلك المبدأ المنفتح على حقائق الوجود كافّة وسيان عنده الماضي والمستقبل والغيب والشهود. وعلى هذا الأساس فهل يسعنا توقع إدراك فلسفة الأحكام كافّة؟ فإن كان الأمر كذلك فما الحاجة إلى تشريع الأنبياء للأحكام؟ وهل نعلم بكل أسرار الوجود والقوانين التي تحكمه؟
والأحكام التشريعية ليست منفصلة عن حقائق الخلق والتكوين، فمعلوماتنا في المجالين محدودة. ونستنتج من البحثيين:
إنّنا نستطيع إدراك الفلسفة الإلهيّة في كل عصر وزمان على ضوء ما لدينا من معلومات.
ومفهوم ذلك إننا لا نستطيع تعليق طاعة الأحكام الشرعية على إدراك فلسفتها، ذلك لأننا نكون قد زعمنا عدم محدودية علمنا وجعلناه بمصاف علم اللَّه وهذا ما لا ينسجم مع أيّ منطق.
وزبدة الكلام:البحث عن فلسفة الأحكام شيء وطاعة هذه الأحكام شيء آخر ولا يتوقف الثاني على الأول أبداً.