بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 217

1- هل يحق لنا السؤال عن فلسفة الأحكام؟

إن كان لنا مثل هذا الحق فهل له حدود؟

يعتبر بحث فلسفة الأحكام والمقررات الشرعية الإسلامية من أهم الأبحاث المطروحة اليوم وتشكل القسم الأعظم من أسئلتنا وأجوبتنا. فكل شخص يسأل نفسه لماذا أصلي وأحج بيت اللَّه، لماذا الربا محرم في الإسلام، ما فلسفة حرمة لحم الخنزير، لماذا يجيز الإسلام تعدد الزوجات، وما علة استعمال الأواني الذهبية والفضية و ...؟

لقد طرح هذا البحث سابقاً في مجلة المدرسة الإسلامية وكتب بعض الأعلام عدّة أبحاث رائعة ومفيدة بهذا الشأن، ويعتقد البعض أنّه لا ينبغي البحث عن فلسفة الأحكام، بينما يرى البعض الآخر العكس وأنّ هنالك ضرورة في إدراك فلسفة الأحكام. وأمّا رأينا إن لم تستغربوا صحة الرأيين السابقين. فإننا نمتلك ولا نمتلك هذا الحق، أي أنّ استدلال كل طائفة صحيح ومقبول في قسم معين لا بصورة كلية.

توضيح ذلك:تشير مطالعة المتون الإسلامية- القرآن وأحاديث النبي الأكرم صلى الله عليه و آله والأئمّة الأطهار عليهم السلام- وكلمات الصحابة إلى‌ أنّ بحث فلسفة الأحكام كان سائداً بينهم في عصرهم، ولابدّ أن يكون كذلك. ذلك لأنّهم يرون الأسلوب القرآني أسلوباً منطقياً واستدلالياً فيعطون لأنفسهم الحق في التحري عن فلسفة الأحكام. والإسلام يتحدث عن‌


صفحه 218

اللَّه الوجود المطلق واللامتناهي من حيث العلم والقدرة والغنى‌ عن كل ما سواه، وكل أفعاله تستند إلى‌ حكمة معينة- علمنا أم لم نعلم- ولا يشوبها أي عبث ولغو ولهو وقد بعث الأنبياء لدعوة الناس إلى‌ الحق والعدل- ولعل هذه الصورة التي يقدمها الإسلام تشجعنا على تحري فلسفة الأحكام والأسرار الدخيلة في مصيرنا وسعادتنا.

وبالطبع فإننا نخطى‌ء أن تصورنا اقتصار أسلوب القرآن على الاستدلال في «أصول الدين» والقضايا العقائدية دون «فروع الدين» و «المسائل العلمية» فنحن نرى القرآن يردف تشريع الصوم بالقول:«لَعَلّكُم تَتَّقُونَ»[1]فيذكر فلسفة الصوم على أنّها التقوى من الذنب والتي تحصل في ظل تربية النفس من تلك الرياضة الإسلامية. ويقول بشأن المسافرين المعفوين من الصوم:«يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ»[2]فيذكر فلسفة ذلك بنفي العسر والحرج والمشقة.

ويقول بشأن تحريم القمار والخمر:«إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمْ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنْ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنتَهُونَ»[3]. ويقول بشأن التعفف عن النظر إلى‌ الأجنبية:«ذَلِكَ أزكى‌ لَهُم»[4].

وبشأن عدم دخول المشركين إلى‌ المسجد الحرام:«يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا ...»[5].

وبشأن الفيى‌ء (بعض أموال بيت المال) وعلة اختصاصه ببيت المال وصرفه في موارد عامة:«كَىْ لَايَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ»[6]. وهكذا سائر الأمور التي لا مجال لذكرها.

[1]سورة البقرة، الآية 179.

[2]سورة البقرة، الآية 185.

[3]سورة المائدة، الآية 91.

[4]سورة النور، الآية 30.

[5]سورة التوبة، الآية 28.

[6]سورة الحشر، الآية 7.


صفحه 219

كما تشير السنّة إلى‌ أنّ النبي الأكرم صلى الله عليه و آله والأئمّة الأطهار عليهم السلام كانوا يخوضون في ذكر أسرار وفلسفة الأحكام بادى‌ء الأمر أو بعد السؤال، وكتاب علل الشرائع للمحدث المرحوم الصدوق- كما يبدو من اسمه- مجموعة من هذه الأخبار. وعليه فحين ترى القرآن والأئمّة الذين يخوضون في أكثر من موقع في بيان فلسفة الأحكام، فإنّ ذلك دليلًا على منحنا الحق في الخوض في هذه الأمور. ونخلص إلى‌ هنا في حقنا بالسؤال عن أسرار الأحكام على ضوء القرآن والسنّة وروايات الأئمّة عليهم السلام.

ولو تصور أن ذكر فلسفة الأحكام يمكن أن تحد من أهميتها وصرامتها وعموميتها فإنّ ذلك التصور خاطى‌ء، بل بالعكس فإنّ إشباع تطلعات عقل الإنسان وروحه تجعل تلك الأحكام جزءاً من ضرورياته واحتياجاته لا بصفتها أحكام تعبدية جافّة. ومن جانب آخر فإننا نعلم بأنّ معلوماتنا محدودة مهما تقادم الزمان، فنحن لا نعلم كل شي‌ء، ولو كنّا نعلم لتوقفت قافلة العلم، وعدم علمنا هذا هو الذي يدفع العلماء لحث الجهود بغية كشف المجهولات. ونعلم أنّ الأحكام الشرعية تصدر من علم اللَّه اللامتناهي، من ذلك المبدأ المنفتح على حقائق الوجود كافّة وسيان عنده الماضي والمستقبل والغيب والشهود. وعلى هذا الأساس فهل يسعنا توقع إدراك فلسفة الأحكام كافّة؟ فإن كان الأمر كذلك فما الحاجة إلى‌ تشريع الأنبياء للأحكام؟ وهل نعلم بكل أسرار الوجود والقوانين التي تحكمه؟

والأحكام التشريعية ليست منفصلة عن حقائق الخلق والتكوين، فمعلوماتنا في المجالين محدودة. ونستنتج من البحثيين:

إنّنا نستطيع إدراك الفلسفة الإلهيّة في كل عصر وزمان على ضوء ما لدينا من معلومات.

ومفهوم ذلك إننا لا نستطيع تعليق طاعة الأحكام الشرعية على إدراك فلسفتها، ذلك لأننا نكون قد زعمنا عدم محدودية علمنا وجعلناه بمصاف علم اللَّه وهذا ما لا ينسجم مع أيّ منطق.

وزبدة الكلام:البحث عن فلسفة الأحكام شي‌ء وطاعة هذه الأحكام شي‌ء آخر ولا يتوقف الثاني على الأول أبداً.


صفحه 220

وإننا نبحث في فلسفة الأحكام لنقف على آثارها وأهميتها، لا لنرى هل ينبغي العمل بها أم لا؟ فالقضية أشبه بالطبيب الحاذق الذي يقدم بعض الايضاحات لأدوية معينة، لنقبل عليها ونتفاعل معها، لأنّ استعمالها مشروط بذلك التوضيح، ذلك لأنّه ينبغي أن نكون أطباء أيضاً.

جدير بالذكر أنّ المراد من دراسة أسرار الأحكام أن تحوك بعض الخيالات لتفسير بعض الأحكام الشرعية وتزعم أنّ هذه هي فلسفة وأسرار هذا الحكم أو ذاك، كأن نعتبر الصلاة مثلًا رياضة بدنية وحركات سويدية والأذان وسيلة لتقوية الحبال الصوتية والصوم كنظام لإضعاف البدن والحج وسيلة لمساعدّة البدو والركوع والسجود رياضة للعمود الفقري! كلا ليس المراد ذلك؛ ذلك لأنّ هذه الخزعبلات المضحكة لا تشدّ أحداً إلى‌ الأحكام، بل تدفع لفقدانها قيمتها واعتبارها.


صفحه 221

2- كيف نتعامل مع فلسفة الأحكام‌

يفيد منطق القرآن الكريم ونهج الأئمّة الأطهار عليهم السلام أنّ لكل مسلم الحق في تحري أسرار وفلسفة الأحكام. إلّاأنّ هذا لا يعني أن نعرض بعض الأمور التي تساور أذهاننا كفلسفة لحكم دون أيّة ضابطة ودليل. ذلك أنّ الكلام العبثي في الواقع عبارة جافة ومقيتة. إذن كيف نتعامل مع هذه القضية؟ ما يجدر ذكره أنّ إمتثال الأحكام الشرعية كما نعلم لا يضيف شيئاً إلى‌ جلال اللَّه وكبريائه ولا تحط المعصية من عظمته، كما قال أمير المؤمنين على عليه السلام:«لا تضرّه معصية من عصاه ولا تنفعه طاعة من اطاعه». فهو مطلق الوجود، وكل ما لدينا منه، وهو الغني عن كل شي‌ء، وكل ما يأتينا من خزائنه وبمقدار معين كما يراه:«وَإِنْ مِنْ شَيْ‌ءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ»[1]فهل يسع القطرة أن تضيف شيئاً إلى‌ البحر، أم هل يسع مرآة صغيرة إفاضة الضوء على الشمس. وعليه فإن كانت هنالك من فائدة في هذه الأحكام فهي لنا.

ومن جانب آخر لسنا جسماً فقط ليكون كل حكم من اللَّه لتربية أجسامنا وصحتنا، ولا روحاً فقط ليكون الهدف المعنوي هو فلسفة تشريعها. بل نحن جسم وروح والأحكام تتعامل معهما. وعليه فنحن نتحرّى الفوائد الطبية أو الموانع الاقتصادية والمادية في‌

[1]سورة الحجر، الآية 21.


صفحه 222

الأحكام الشرعية ونرى حتى الصلاة والدعاء والمناجاة كوسيلة لتسكين آلامنا الروحية واضطراباتنا ومعاناتنا ومن يبحث عن شي‌ء آخر فهو على خطأ، كما يخطى‌ء ذلك الذي يتصور حتى استحباب لبس الثياب النظيفة وتقليم الأظافر وإزالة آثار العنكبوت وعدم الشرب من الآنية المكسورة يتعلق بالآثار الأخلاقية والمعنوية والروحية، بل بعض الأحكام الإسلامية شرعت لأمور أخلاقية وتكامل روحي، وبعضها الآخر لنظم الحياة المادية، وأغلبها تنطوي على البعدين. نعود الآن لأصل الموضوع لنرى الضابطة التي ينبغي اعتمادها في التعامل مع فلسفة الأحكام.

فالأحكام الشرعية تقسم إلى‌ أربعة:

1- الأحكام الواضحة فلسفتها للجميع منذ بعثة النبي الأكرم صلى الله عليه و آله وكلّ أدرك بعضها حسب علمه، وقد تقننت بغية إمتثالها من قبل الجميع، كحرمة الكذب والخيانة والتهمة وقتل النفس والسرقة والظلم والاحتكار والتطفيف في الميزان والأمر بالعدالة والصدق وإعانة الضعفاء والعمل والمثابرة وبر الوالدين والإحسان إلى‌ الجار وما شابه ذلك، والتي يدرك فلسفتها كل فرد بغض النظر عن معلوماته.

2- الأحكام التي لم تتضح فلسفتها للناس- وأحياناً لعلمائهم آنذاك- وقد أشير إليها في القرآن أو كلمات الأئمّة، مثلًا ربّما لا يعلم الناس آنذاك الفلسفة الثلاثية الأبعاد (الأخلاقية والاجتماعية والصحية) للصوم لذلك أشار القرآن إلى‌ تأثيره التربوي والأخلاقي فقال:

«لَعَلّكُم تَتَّقُونَ»[1]وأشار الإمام الصادق عليه السلام إلى‌ تأثيره الاجتماعي فقال:«ليستوي به‌ الفقير والغني»وقال النبي صلى الله عليه و آله:«صوموا تصحوا».ونظير هذه الأحكام كثير ممّا وردت الإشارة إلى‌ أسرارها في متون الآيات وأحاديث النبي صلى الله عليه و آله والأئمّة عليهم السلام، وكما أشرنا سابقاً هناك كتاب بهذا الخصوص «علل الشرائع» لأحد كبار المحدثين «الشيخ الصدوق»، كما ذكر المحدث المعروف «الشيخ الحر العاملي» في بداية كل فصل من كتابه وسائل الشيعة فلسفة بعض الأحكام.

[1]سورة البقرة، الآية 179.


صفحه 223

ولكن لابدّ من الإلتفات إلى‌ أنّ ذكر هذه الأسرار والمنافع استناداً لتناسبه مع المستوى الفكري للناس ليس بمعنى انحصار تلك الفلسفة في ما ذكر ولا يمنع من استثارة الفكر لإدراك المزيد.

3- الأحكام التي تنكشف فلسفتها بفعل التقدم والرقي البشري ومرور الزمان ويسعنا اعتبارها دليلًا على عظمة وأصالة هذه الأحكام السماوية. مثلًا الآثار البدنية والروحية والاجتماعية الضارة للمشروبات الكحولية إلى‌ جانب تأثيرها على الجينات والجنين والتي كشفها اليوم العلم، أو الاختلالات العصبية والوفيات الناشئة من جلسات القمار، أو الأخطار التي يفرزها التقسيم غير العادل للثروات، والاضرار الاقتصادية والأخلاقية للربا والتي أحصتها المصادر ذات الصلة.

ولكن لابدّ من الإلتفات إلى‌ موضوع في غاية الأهميّة وهو أنّ أي إفراط وأحكام خاطئة وضيق أفق ورؤى كاذبة والأهم من كل ذلك تحميل القوانين المسلمة بعض الفرضيات غير المبرهنة علمياً، إنّما يبعدنا فراسخ عن الحقيقة ويقودنا إلى‌ متاهات كبيرة بدل تعريفنا بأسرار وفلسفة الأحكام. وعليه فما لم يبرهن العلم على ويكسبه صيغة حسية لا ينبغي جعله أساساً في توضيح فلسفة الأحكام.

4- الطائفة الأخيرة من الأحكام التي لم تكن واضحة منذ بدايتها، كما لم ترد إشارة إليها في المتون الإسلامية ولم تظفر بأسرارها لحدّ الآن ونماذج ذلك عدد ركعات الصلاة وحد نصاب موارد الزكاة التسعة وبعض مناسك الحج.

هل ستميط الأجيال القادمة اللثام عنها بتقدم العلم والمعرفة؟

هل كلف آخر أوصياء النبي الأكرم صلى الله عليه و آله بتوضيحها وتفسيرها؟

هل لهذه الأحكام بعد انضباطي؟

هل هي أسرار لا يسع حتى العلم في المستقبل سبر أغوارها؟ ... ليس لدينا أي علم بذلك؛ وكل ما نعلمه أنّ الطائفة الرابعة من الأحكام وعلى غرار سابقاتها واجبة التنفيذ ...

فهي تستند جميعاً إلى‌ مصدر واحد. وأدلة إمتثالها ثابتة بالأدلة القطعية.


صفحه 224

این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة