الإنسان عن كثير من المعاصي. حيث يكون الذكر مجرّد أرضية لترك الذنب، إلّاأنّها سرعان ما تزول بفعل بعض العوامل القوية.
الصلاة وسيلة الذكر:
إنّ أحد أسرار الصلاة أنّها تذكر الإنسان باللَّه، وهذا ما صرّح به القرآن الكريم حين قال«وأَقِمْ الصَّلاةَ لِذِكرِي»[1]. طبعا لما كانت الصلاة عبادة ولابدّ من الإتيان بها بقصد القربة فهي توجب ذكر اللَّه. وبغض النظر عن ذلك فإنّ المصلي يتلفظ بأذكار كلها تدعو إلى ذكر اللَّه؛ فمثلًا نقرأ سورة الفاتحة في الصلاة التي تتضمن حمد اللَّه وبيان صفاته وأفعاله، ومن ثم طلبات عباده، وسائر أذكار الصلاة على هذا المنوال. والأثر الذي تتركه الصلاة في أرواحنا وقلوبنا هو تقوية روح الإيمان والتوجه إلى اللَّه، ولهذا التوجه بالطبع درجات وهو لا يعدو أكثر من أرضية لدى الأفراد الذين لا يتورعون عن الذنوب وليس علّة تامة.
بعبارة أخرى مراد القرآن من قوله:«إِنَّ الصّلاةَ تَنْهَى عَنِ الفَحْشاءِ وَالمُنكَرِ»[2]ليس عصمة جميع المصلين من الفاحشة، بل المراد أنّ الصلاة توجب ذكر اللَّه والتوجه إلى مقام الربوبية والأثر الطبيعي لمثل هذا التوجه حث الإنسان على الطاعة وترك المعصية، ولكن ربّما كانت هنالك بعض العوامل التي تقضي على ذلك الأثر بسبب ضعف التوجه إلى اللَّه.[3]والخلاصة لو كانت الصلاة صلاة حقيقية لحالت دون الفواحش والمنكرات، وكلّما كانت الصلاة أكمل كان تأثيرها أعظم.
وناهيك عما سبق فإنّ الصلاة تصد المصلّي عملياً عن أغلب الذنوب، كما تخلق لديه الأرضية لترك الذنوب، لأنّ المصلّي مضطر لاجتناب معظم الذنوب بغية قبول صلاته، فأحد
[1]سورة طه، الآية 14.
[2]سورة العنكبوت، الآية 45.
[3]تفسير الميزان، ج 16، ص 141.
شرائط الصلاة مثلًا اباحة ماء الوضوء ولباس المصلي ومكان الصلاة، وهذا ما يؤدّي به بالتدريج لتفادي الذنب وترك الكسب الحرام، فقلّما نجد من يتقيد بحلية الصلاة ومقارفة حرمة ما.
والشاهد على ذلك أنّ تاركي الصلاة إنّما يتركون سائر الفرائض كالصوم والحج والزكاة ولا يميزون بين الحلال والحرام والطاهر والنجس[1]. والخلاصة فإنّ للصلاة أثر تربوي- سواء كان قوياً أم ضعيفاً- في المصلين، والذي يعتمد على كيفية الالتزام بالصلاة والمحافظة على أدائها وروحها.
[1]تفسير الميزان، ج 16، ص 141.
10- ما علّية صلاة الآيات؟
سؤال:
لماذا تجب صلاة الآيات عند الخسوف والكسوف والزلزلة والصاعقة وشدّة الرياح والأصوات السماوية الرهيبة؟
الجواب:
هنالك أمران لتشريع صلاة الآيات حين الكسوف والخسوف:
1- يرى الإنسان أنّ للشمس والقمر والمنظومة الشمسية نظاماً عجيباً، فالشمس تبعث بأشعتها إلى الاحياء كافّة لتنمو وتتكامل، والقمر يضيء لنا الليل ويحصي لنا الزمان بحركته المنتظمة؛ الأمر الذي جعل الإنسان البسيط يعتقد بحكومة هذين الكوكبين لعالم النباتات والجمادات والكائنات الحية، ومن هنا ظهرت عبادة الشمس والقمر، حيث اعتقد البعض أنّ الحاكمية المطلقة للشمس والقمر بدل حاكمية اللَّه.
وقد وجه بطل التوحيد إبراهيم الخليل عليه السلام أشدّ صفعة لعقيدة هؤلاء من خلال إثباته لانقياد هذه الكرات للقوانين التي تحكم الوجود[1]واستدل على كونها مخلوقة من خلال افولها (غروبها) وخفائها عن الأنظار، والكسوف والخسوف علامة أخرى على مخلوقيتها
[1]سورة الأنعام، الآية 76- 78.
ومحدوديتها إزاء الخالق، وتفيد أنّها لا تملك أيّة استقلالية في ارسالها لأشعتها، وبالتالي هنالك من يسيرها ويسيطر عليها.
وعليه فالكسوف والخسوف أفضل دليل على مخلوقية ومحدودية الشمس والقمر إزاء الإرادة المطلقة التي تحكم عالم الوجود.
وحين نواجه ظاهرة الخسوف والكسوف- الظاهرة التي ترشدنا إلى الإذعان بانقياد هذه الأجرام إلى الإرادة القاهرة، كما ترسخ لدينا الاعتراف بالخالق المهيمن على كل شيء- يثار لدينا حسن الإيمان فنصلّي صلاة الآيات ونسجد للَّهونعرب عن خضوعنا الباطني.
على غرار بطل التوحيد إبراهيم عليه السلام الذي خلص إلى ذات النتيجة بعد افول تلك الأجرام والتي نخلص إليها في الكسوف والخسوف فقال:«إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّموَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ»[1].
2- أضف إلى ذلك حين تستجد بعض الأوضاع المخيفة والمفاجئة في السماء، فإنّ بعض الناس يلجأون إلى سلسلة من الأمور الخرافية ويرون أنّ هذه الأعمال مؤثرة في رفع هذه الحادثة، والإسلام بتشريعه لصلاة الآيات حين الخسوف والكسوف إنّما يصد الناس عن هذه الإنحرافات ويلفت انتباههم إلى المصدر الذي تستند إليه الحوادث والظواهر كافّة، بالإضافة إلى أنّها تمنح الإنسان الأمن والهدوء والسكينة إزاء هذه الحوادث.
[1]سورة الأنعام، الآية 79.
11- لِمَ يجب على المرأة ستر بدنها عند الصلاة؟
سؤال:
لِمَ يجب على المرأة ستر بدنها عند الصلاة واللَّه عالم بالسر والعلن لكل موجود؟
الجواب:
لا شك في أنّ اللَّه عالم بكل شيء والغيب والشهود لديه سيان، إلّاأنّ الإنسان يرى نفسه حين العبادة بين يدي اللَّه ويناجيه ويتضرع إليه، وعليه لابدّ أن يرتدي أحسن الثياب ومن الواضح أنّ الثوب التام الكامل- أي ثوب العفة والحشمة يعكس جوهرها- هو أنسب لباس عند العبادة. حتى بالنسبة للرجال فإنّ الصلاة بالبدن العريان لا تبطل ولكنّها تنأى به بعيداً عن الخضوع والتواضع للَّهبل الأفضل بالإضافة إلى ستر الواجب أن يصلي بلباس يفيد الاحترام والخضوع، فمثلًا ليس من الصواب الصلاة بالملابس لداخلية ومن الأفضل أن يرتدي بعض الثياب رغم كفايتها.
این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة
12- ما علّة نجاسة المشروبات الكحولية؟
سؤال:
لم اعتبر الفقهاء في رسائلهم، المشروبات الكحولية نجسة، والحال أنّ الكحول مضاد للتعفن ويقضي على المكروبات، فما حكمة كونه نجسة؟
الجواب:
إنّ ما حكم الإسلام بنجاسته ينطوي على عدّة عوامل:
الطائفة الأولى:الأشياء النجسة ذاتاً ومصدر العديد من الأمراض- كالبول والدم و ...- فأوجب الإسلام اجتنابها.
الطائفة الثانية:الأشياء غير النجسة ظاهرياً، لكنّها نجسة معنوياً، فعدّها الإسلام غير طاهرة- كالكفّار- فربّما يكون الكافر طاهر ونظيف ظاهرياً، ولكن كما قيل في جواب السؤال السابع عشر حيث له عقائد منحرفة فهو ملوث روحياً ولا يطهر هذا التلوث مهما تنظف ظاهرياً- وقد حكم الإسلام بنجاسته لحفظ عقائد المسلمين ليحول دون الاختلاط به فيحافظون على طهارتهم الروحية، ولو لم يحكم بنجاسته واذن بالارتباطات كافّة به
لتأثر العديد من الأفراد الضعاف بأفكاره وعقائده[1].
أضف إلى ذلك فإنّ الاختلاط التام به يدعو إلى تغلغله في المجتمعات الإسلامية وتتسع الخطط الاستعمارية، أمّا الاختلاط المحدود فلم ينه عنه الإسلام واذن بالانفتاح التجاري والعلمي على هذه الطائفة.
الطائفة الثالثة:الموضوعات التي لا تتضمن ما سبق لكنها أساس سلسلة من المفاسد الاجتماعية والفردية كالمشروبات الكحولية صحيح أنّ الكحول مضاد للتعفن، إلّاأنّ شرب هذا الكحول يؤدّي إلى العديد من الاختلالات. ولذلك حكم الإسلام بنجاسته ليحول بالتالي دون استعماله من قبل الناس. فالإنسان المسلم إن عَلِم بنجاسة شيء سعى إلى الابتعاد عنه، ومن الواضح أنّ لهذا الأمر تأثير عميق في عدم التلوث بالمشروبات الكحولية، وهذا بحدّ ذاته حرب شعواء على المشروبات الكحولية[2].
[1]سنتحدث عن فلسفة نجاسة الكافر في محلّه.
[2]ما ذكر بشأن نجاسة الكحول إنّما يتعلق بالمشروبات الكحولية، أمّا نجاسة الكحول الصناعي الذي لا يمكن شربه، فهناك بحث بين العلماء والفقهاء فيه، ذلك لأنّ هذا الكحول لا يشرب، ويعدّ من المواد السامة.