13- فلسفة البلاء
سؤال:
ما أن تقع بعض الحوادث من قبيل الزلازل والسيول حتى يرى الإنسان نفسه أمام بعض التساؤلات من قبيل: «لم تقع بعض الزلازل والهزات الأرضية والأمراض الفتاكة التي تؤدّي بحياة الناس؟ ولماذا تقع هذه الحوادث في مناطق معينة دون البعض الآخر؟ ما فلسفة وقوع مثل هذه الحوادث ونزول البلاء؟ هل هذه الحوادث عفوية للأفراد المذنبين؟ لماذا ...
ولماذا ...؟».
الجواب:
حسب علمنا وما وصلنا من كتب أعلامنا فإنّ مثل هذه الأسئلة كانت تساور العديد من الأفراد- ولا سيما حين وقوع الحوادث الأليمة التي تدعو الإنسان إلى التأمل والتفكير- حتى أنّ تاريخ الأديان والعقائد يشير إلى أنّ البعض تخلى عن عقيدته التوحيدية ولجأ إلى بعض المدارس المادية و الإلحادية أثر عدم تلقيه الأجوبة الشافية التي تفسر ما لديه من أسئلة، ذلك لأنّ البعض قد يورد بعض التفاسير المقيتة التي تنسب هذه الظاهرة المفجعة إلى غضب الطبيعة وما شاكل ذلك، غير أنّ الحقيقة قد تبدو معكوسة تماماً لو نظرنا لهذه الأمور
بعين العقل والحكمة.
توضيح ذلك:أنّ أحكامنا التي نصدرها بشأن الربح والخسارة إنّما هي نسبية على الدوام، فكل ما كان بمصلحتنا نحسبه مفيداً ونافعاً والعكس بالعكس، دون أن نكترث لانعكاسات الأمر على صعيد المجتمع ومستقبله فربّما تكون مادة كيميائية سامة لنا، بينما يمكن أن تكون هذه المادة علاجاً للأخرين وبالعكس ... فهل يشكل ربحنا أو خسارتنا معياراً حسناً أم قبح ظاهرة معينة، أم ينبغي دراسة الظاهرة من جوانبها كافّة بغية إصدار الأحكام بشأنها؟ لا بأس بهذا المثال لنقف على حقيقة هذه القضية:
قطعاً هنالك بعض الفوائد والأضرار التي يستبطنها هطول الأمطار الغزيرة؛ وأحكام الناس بهذا الشأن ستكون متنوعة. فأولئك الذين يجرف السيل بيوتهم ومزارعهم سيتحدثون بلوعة قائلين: إنّي لأجهل سبب هذا البلاء الذي أصابني! أمّا أولئك الذين كانت مزارعهم تعاني من شحة المياه أو تحتاج بعض محاصيلهم لمزيد من المياه، وقد امتلأت ترعهم وجداولهم بالمياه فلسان حالهم يقول: يالها من نعمة فضيلة، لقد أفاض اللَّه علينا لطفاً وعناية! والواقع لو تأملنا جميعاً تأثيرات ذلك المطر لعدوه جميعاً «أمطار رحمة» لا غضب الطبيعة.
أضف إلى ذلك فإنّ بعض أنواع البلاء نعمة كبيرة نجهل حقيقتها ونغفل عنها، فبعض الأمراض التي تصيب الإنسان مرّة في حياته إنّما تحصنه عادة من الإصابة به ثانية. فلو نظرنا إلى المرض في ذات اللحظة لاعتبرناه بلاءً، بينما لو أخذنا بنظر الاعتبار انعكاساته علينا باقي عمرنا لرأيناه نعمة. ولعل الفلسفة التي نفهمها من ظهور البلاء يتمثل في إدراك النعمة. فلا أحد يدرك أننا نغرق في بحر من النعم الإلهيّة، لكننا لا ندرك أغلب هذه النعم، اللّهم أن نسلب تلك النعمة لبعض الوقت. أفرض أنّ المرض انعدم من العالم، كيف يمكننا أن ندرك نعمة الصحة والعافية! ولو لم يكن لهذه الأرض حركة موضعية فهل كانت ستشهد من قرار! ولو لم يقع الجفاف أحياناً، فهل كان يسعنا الوقوف على دور المطر في الحياة! وبناءً على ما تقدم وبغية لفت انتباه الإنسان إلى النعم التي لا تعد ولا تحصى فتشده إلى اللَّه، إنّما
تشهد أحياناً بعض التغييرات لتقودنا إلى إدراك تلك الحقائق. هذه التغييرات الطفيفة والمؤقتة هي التي نصطلح عليها بالبلاء. أوليس في هذا البلاء عبرة لمن اعتبر؟ وهل يبدو من العجيب أن ننعت هذا البلاء بأنّه نعمة ورحمة. وأمّا لماذا يشمل هذا البلاء بعض المناطق دون الأخرى ... ولا تطال بعض الناس ...؟ لابدّ من الإلتفات هنا إلى أنّ هنالك سلسلة من القضايا الطبيعية تقف وراء ظهور البلاء، فإذا ما توفرت بعض الظروف يظهر البلاء.
فقد جاء في بعض الروايات أن أحد شرائط نزول البلاء شياع بعض الذنوب بين الناس، فنحن نقرأ في دعاء كميل:«اللهم اغفر لي الذنوب التي تغير النعم، اللّهم اغفر لي الذنوب التي تنزل البلاء ...». وقال تبارك وتعالى في محكم كتابه الكريم:«وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً»[1].
[1]سورة الأنفال، الآية 25.
این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة
14- ما معنى القضاء والقدر؟
سؤال:
ما المراد بالقضاء والقدر؟ وإن كان المراد أنّ اللَّه عيّن مصير كل فرد وليس لنا من سبيل سوى الإستسلام لهذا المصير فما معنى الآية الشريفة:«وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى»[1]فالآية الكريمة تفيد أنّ مصير الإنسان تابع لإختياره دون أن يكون للقضاء والقدر تأثير على مصيره.
الجواب:
مسألة التقدير والمصير من المسائل الواردة في أديان أمم العالم كافّة ولا يقتصر الإعتقاد به على أُمّة وإن كانت الآيات القرآنية والروايات الإسلامية أكثر تركيزاً على هذا الأمر.
وللأسف فإنّ سوء التفسير الذي أورده بعض الأفراد لمفهوم القضاء والقدر جعل الآخرين ينظرون بشيء من التشاؤم إلى هذين اللفظين، ولعل البعض يرتعش لمجرّد سماعهما ويرى التقدير الإلهي قضية خارجة عن قدرتنا وله تأثير مباشر على إرادتنا، وقد يكون إيجابياً أحياناً فيضطر الإنسان القيام بعمل، وأحياناً سلبياً فيصد الإنسان شاء أم أبى عن القيام
[1]سورة النجم، الآية 39.
بعمل. فالتقدير بهذا المعنى- في أفعال البشر الإختيارية- لا يعدو كونه خرافة، بل لابدّ من الوقوف على حقيقة التقدير في وسط ومعترك الحياة، ولا ينبغي عزل التقدير عن إرادة الإنسان وحريته.
وقد يبدو من الصعب على بعض الأفراد الذين عاشوا صورة ذهنية مشوهة للقضاء والقدر قبول هذه النظرية: (ليس هنالك من عنصر في عالم الوجود باسم القضاء والقدر في عرض سائر العناصر يلعب دوراً سلبياً أو إيجابياً في إرادة الإنسان)؛ ذلك لأنّ هؤلاء الأفراد اعتادوا على تعليق أخطائهم وزلاتهم على عنصر خارجي أسموه القضاء والقدر ليتنصلوا من مسؤولية أعمالهم. وأننا لنلمس اليوم مسألة «الحتمية التأريخية» التي حلت مكان القضاء والقدر لدى الأوساط الغربية والأوربية فينسبون إليها أخطاءهم كافّة. إلّاأنّ حقيقة الأمر واضحة في أنّ التقدير الإلهي لا يحمل أي تأثير على إرادة الإنسان، ويتضح هذا الموضوع بجلاء من خلال بيان السنن الإلهيّة في عالم الوجود والذي يكشف حقيقة القضاء والقدر.
التقدير الإلهي:
كلما تعرفنا على التقدير الإلهي سنرى خلو صفحة الوجود من عامل وعنصر حركي باسم القضاء والقدر خارج إرادة الفاعل؛ والمراد من التقدير الإلهي السنن القطعية التي تحكمنا والعالم، وتأثير هذه السنن قطعي في سعادة الناس وتعاستهم وأننا أحرار في اختيار أية سنة من هذه السنن. وإليك بعض الأمثلة لتوضيح هذا المطلب:
1- إنّ التقدير الإلهي بالنسبة للأمّة الخاملة التي تعيش التناحر والنزاع وتوظف إمكاناتها في المجالات العبثية ولا تمتلك رؤية صائبة لأوضاعها والظروف المحيطة بها وتنغمس في مصالحها الضيقة سوف لن يكون سوى باضمحلالها وانهيارها عاجلًا أم آجلًا.
أمّا التقدير الإلهي تجاه الأمّة التي تعيش هموم المحرومين والكادحين وتحرص على ردم التمييز الطبقي واشاعة رفاهية الإنسان وتحسين وضعه المعاشي والاجتماعي وتمديد
العون إلى الفقراء والمعوزين من خلال اخراجها للحقوق الشرعية من أموالها، فسوف لن يكون سوى العزة والكرامة والرقي والإزدهار. والتقديرات على درجة من الوضوح بحيث لا يشك فيها أحد من الناس.
وبالطبع فإنّ جميع الأمم متساوية حيال التقديرين المذكورين وليس هنالك أي عامل خارج إرادة هذه الأمم يحملها على اختيار أي من التقديرين، ونحن الذين نقرر التقدير الذي نريد على ضوء أهوائنا وغرائزنا أو عقلنا وحكمتنا، وسوف لن يكون القضاء والقدر سوى ما اخترناه؛ فاللَّه هو الذي خلق هذه السنن وأمضاها ومنحنا الحرية في اختيار ما نشاء.
2- والشاب الذي يبدأ حياته ويتمتع بمزيد من الإمكانات والعلم والذكاء وقوّة العضلات يجد نفسه أمام تقديرين ومصيرين كلاهما قضاء اللَّه وعليه الإختيار؛ فإن وظف إمكاناته المادية والمعنوية باتجاه العلم والعمل والمجال التجاري عاش حياة سعيدة هانئة؛ وإن أساء التصرف في هذه الإمكانيات ووظفها في سبيل الرذيلة وشرب الخمر ولعب القمار وسائر الموبقات التي تشل حركته، إنّما يقود حياته إلى الشقاء والمعاناة وقضاء العمر في الهم والغم. وكلا التقديرين مرتبط باللَّه، لكن الإنسان حرّ في إختيار أي منهما، والنتيجة المترتبة على اختياره قضاء اللَّه وقدره؛ وإن قلع عن مساره منتصف الطريق فقد استبدل مصيره بمصير آخر وهذا أيضاً بتقدير اللَّه؛ ذلك لأنّه خلقنا وأذن لنا بالعودة في منتصف الطريق فندمنا على ما فرط منّا وبالنتيجة استبدلنا مصيرنا بمصير آخر.
3- لو راجع المريض الطبيب وتناول الدواء تتحسن صحته، وإن أمتنع عن مراجعة الطبيب أو لم يتناول الدواء فإمّا أن يموت أو يعيش حالة من الألم والمعاناة، وكلا التقديرين بحكم اللَّه ولنا اختيار أي منهما، وكل ما نختاره هو قضاء اللَّه.
وهكذا يمكنك عزيزي القارىء أن تستعين بمئات الأمثال للقضاء والقدر المتعلق بأفعال الإنسان لتقف على معنى التقدير الإلهي بشأن أفعال الإنسان.
كلمات أئمّة الدين:
ما أوردناه في الأمثلة السابقة يمثل في الواقع توضيح بعض الأحاديث التي وردت عن النبي الأكرم صلى الله عليه و آله وأهل بيته عليهم السلام بشأن مسألة القضاء والقدر. فقد ورد عن النبي الأكرم صلى الله عليه و آله:
«إنّ خمساً لا يستجاب دعاؤهم، أحدهم من جلس تحت جدار يوشك أن يقع فلا يهرب منه»[1]. ولعل سر عدم استجابة دعاء هذا الفرد واضحة، ذلك لأنّ مصير من جلس تحت جدار أعوج ولم يهرب هو الموت، لكنه استسلم باختياره لهذا المصير، والحال كان له أن يختار مصيراً آخر.
وقد فرّ أمير المؤمنين عليه السلام من جدار كان يوشك على الأنهيار، وحين أنكر البعض عليه ذلك برره بأنّه يفرّ من قضاء اللَّه إلى قدره«إنّ أمير المؤمنين عدل من عند حائط آخر فقيل له: ياأميرالمؤمنين أتفرّ من قضاء اللَّه؟ فقال: أفر من قضاء اللَّه إلى قدر اللَّه»[2].
فأنا حرّ في اختيار ما شئت، فإن بقيت تحت الجدار وإنهار ومت فذلك بحكم القضاء، وإن فررت وبقيت سالماً فذلك بحكم القضاء أيضاً.
وحين سئل الإمام الرضا عليه السلام عن قضاء اللَّه بشأن الأفعال الحسنة والقبيحة لعباده، رد عليه السلام: إنّ كل عمل من اعمالهم الحسنة والقبيحة بقضاء اللَّه. ثم فسّر عليه السلام ذلك القضاء الواسع- الذي يشمل جميع أعمال البشر بما فيها الحسن والقبيح- بالنتائج التي تنعكس على الإنسان في الدنيا والأخرة فقال:«الحكم عليهم بما يستحقونه على أفعالهم من الثواب والعقاب في الدنيا والآخرة»[3].
فهذه الأحاديث تكشف ما أشرنا إليه من حقيقة القضاء والقدر والتي تفيد عدم انفصال القضاء والقدر عن إرادة الإنسان واختياره، بل القضاء هو تلك السنن الإلهيّة التي تحكم الوجود، والإنسان مختار في ركوب أي منها، فإنّ اختار كانت نتيجة الإختيار قضاء اللَّه،
[1]بحار الأنوار، ج 5، ص 105، نقلًا عن خصال الصدوق.
[2]توحيد الصدوق، ص 369.
[3]عيون أخبار الرضا، ص 78؛ وبحارالانوار، ج 5، ص 12.