13- تكامل الأخلاق والحاجة إلى الدين
سؤال:
ما دور الدين في البلدان التي تسود أبناءها العلاقات الاجتماعية الحسنة والتعاون والعدالة وحسن التفاهم واحترام حقوق الآخرين؟
الجواب:
لا شك في أنّ للأخلاق مساحة معينة في منع المفاسد وتنظيم شؤون المجتمع، ولكن هل يكفي هذا النظام الظاهري لاصلاح المجتمع؟ الجواب بالسلب قطعاً وذلك لأنّ سلسلة من المفاسد زالت من المجتمعات المتمدنة، بينما طرأت أخرى أكثر خطورة، والواقع أنّ المفاسد قائمة، والذي تغير هو شكلها ولونها، فالسرقات القديمة أصبحت بصيغة حملات مسلحة على البنوك والمصارف! والبلدان المتمدنة التي أصبحت اليوم سمعتها وحسن خلق أبنائها أشهر من نار على علم قد جاوز عدد اللقطاء فيها العشرين ألف خلال سنة واحدة! فإن كان باستطاعة الأخلاق ممارسة دور الدين فما معنى كل هذا الانتحار والطلاق والاغتيال.
قال بعض العلماء: «إنّ القدر المسلّم هو أنّ الأخلاق إن انطلقت من الإيمان باللَّه كانت
كالسلاح الصارم، وإلّا فإنّ هذه الصرامة والقدرة مشكوكة بالنسبة لنا من كل الجوانب ولا ينبغي أن نفقد وسيلة قطعية على الأمل بموضوع غامض».
وإن لاحظنا حالة من النظام والاستقرار في بعض البلدان فإنّ جانباً منها هو من تأثير التعاليم الدينية التي ورثها الناس عن أخيارهم. أضف إلى ذلك فإنّ الدين يرسى علاقات بين أفراد المجتمع إلى جانب علاقة الإنسان باللَّه التي تعد أساس تكامل الإنسان على المستوى المادي والمعنوي، والمسلم به أنّ هذا الجانب لا يتأتى من الأخلاق المادية القائمة على أساس حفظ المنافع المادية. طبعاً البحث واسع حول حكومة الإيمان والأخلاق، ومن أراد المزيد فليراجع كتاب «الزعامات الكبرى والمسؤوليات العظمى».
14- مدرسة أصالة العمل
سؤال:
ما تقول مدرسة «أصالة العمل» وما أسلوبها في تحليل المسائل الفلسفية؟
الجواب:
«مدرسة أصالة العمل» منهج من يقتصر بالبحث على الأمور الحسية والعملية دون المسائل العقلية والفكرية المحضة؛ ونرى أن نبيّن آراء هذه المدرسة بغية الوقوف على منهجها وملاحظة خطأها:
المسائل الفلسفية [وهي سلسلة من المسائل الكلية والعامة التي لا تختص بموضوع معين؛ مثلًا البحث حول العلة والمعلول بحث فلسفي؛ لأنّ مثل هذه الأمور لا تبحث فرعا معينا، أمّا البحث عن الآثار الظاهرية للأجسام «الفيزياء» أو «باطنها» بحث علمي لا فلسفي] إلى قسمين:
الأول: المسائل الخارجة عن الحس، ولا يمكن اختبارها بالوسائل العلمية المادية ولا قياسها في المختبرات، كالمسائل ماوراء الطبيعة التي لا تبحث سوى في عالم العقل.
الثاني: تلك السلسلة من الأبحاث الكلية التي يمكن الاستدلال بها على ضوء المسائل
القطعية للعلوم الطبيعية والرياضية التي تستند إلى التجربة.
تعتقد مدرسة أصالة العمل أنّ الشكوك تشوب الآراء بشأن تلك الطائفة من المسائل الكلية التي لا تستند إلى العلوم الحسية ولا يمكن تجربتها عن طريق الأجهزة العلمية.
ويزعمون أنّ الفلاسفة العقليين بحثوا لسنوات حول المسائل الفلسفية وقد اتسعت الخلافات بينهم بشأن هذه المسائل؛ الأمر الذي يدل على صعوبة هذه المسائل وتعذر حلّها.
هذه خلاصة نظرية هذه المدرسة التي انبثقت في القرن السابع عشر واستقطبت العديد من الأنصار. أمّا العلماء الإلهيون (الذين لا يقتصرون على الوجود بالمادة والطاقة وينظرون إليه بواقعية عريضة) فقد أوردوا العديد من الإشكالات على هذه المدرسة وفنّدوا الأسس العلمية لهذه النظرية ونشير هنا إليها باختصار: ما يقال بالاكتفاء على التعويل على الأمور الحسية كلام يخالفه عملياً حتى اتباع هذه المدرسة؛ ذلك أنّهم يتعاملون مع القضايا بصورة كلية، مثلًا، يقولون: إنّ سرعة الضوء ثلاثمائة الف كيلومتر بالثانية؛ بينما لم تجرب هذه القضية بصورة كلية، والذي خضع للتجربة بعض الحالات الخاصة وفي ظروف معينة، ثم عمم بنوع من الاستدلال العقلي، وهو أنّ السرعة المذكورة تتعلق بحقيقة النور وليس للظروف من نصيب فيها؛ فللنور هذه السرعة أينما كان.
وبعبارة أوضح:قام العلماء بتجاربهم بشأن سرعة الضوء في ظروف مختلفة وحيث رأوا هذه السرعة ثابتة في جميع الظروف، فقد توصلوا من كل هذه التجارب إلى قانون عقلي كلي فادّعوا أنّ للنور سرعة ثابتة في كل زمان ومكان، وبدورنا نسألهم: هل كان هذا القانون محسوساً لديكم بصورة كلية أم أدركتم غير المحسوس ببعض المحسوسات؟ قطعاً الجواب هو التالي، وهكذا يعتمد علماء الطبيعة في أغلب نظرياتهم وفرضياتهم على سلسلة من المسائل العقلية الحدسية ويتوصلون إلى النتائج، مثلًا، لعلماء الجيولوجيا نظريات في ظهور الأرض وطبقاتها المختلفة ليست محسوسة لأحد، والمحسوس آثار كعلامات لسلسلة من العلل تحصل عن طريق الحدس والتفكير.
وما قيل: «إنّ علماء العقل يختلفون دائماً على هذه المسائل فهي غير قابلة للحل» بعيد عن الحقيقة؛ لأنّ وجه الحقيقة مغطى بحجب تزول إثر الحوار بصورة تدريجية: والواقع أنّ كل اختلاف خطوة نحو الواقع، والاختلاف لا يدل على عدم وصول هؤلاء العلماء إلى الواقع؛ بل لما كان الموضوع واسع ومهم فإنّ كل عالم من هؤلاء العلماء أدرك جانباً من الواقع وهكذا تتضح كل يوم سلسلة من الحقائق الجديدة. فاغلب المسائل الفلسفية التعقلية اليوم بهذه الصيغة، ثم تصبح قطعية بعد اجتياز عدّة مراحل على أساس اصولهم المعينة لتعتبر من المسائل الفلسفية المسلمة، وجود المسائل الخلافية الأخرى ليس بدليل على عدم تقدم النقاشات الفلسفية في المجالات كافّة.
این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة
15- اليوغا؟
سؤال:
ما المراد ب (اليوغا) ذات الأتباع الكثر في الهند؟
الجواب:
اليوغا نوع من التصوف ترى الخلاص في التركيز على الروح وترك العلاقات المادية؛ وقد اعتمدوا لهذا الهدف مجاهدات ورياضات مُضنية حيث يعتقدون بكبح جماح النفس عن هذا الطريق.
والهدف الأعظم في (اليوغا) فصل الروح عن البدن وايصالها لعالمها (برهمن) وربّ العالم، ويزعمون أنّ هذا الفصل يحصل في الحياة فقط. ففلسفة اليوغا لم تتخلص من مخالب الشرك، وبالتالي فهي تعتقد أنّ خالق عالم المادة المعروف بالنقص والتضاد، غير الخالق الذي خلق عالم الأرواح والموجودات المنزهة من العيب والنقص. طبعاً الارتياض لا يقتصر على اليوغا، بل هنالك عدّة مراكز أديان في الهند تمارس بعض الرياضات الشاقة بهدف السيطرة على النفس، ومن هنا يطلق (بلد المرتاضين) على الهند.
طبعاً هذه الأمور مرفوضة في الإسلام، فالإسلام لا يرى في الانقطاع عن الماديات من
صواب، بل الاعتدال في العلاقات المادية وسيلة لنيل الكمال، كما يحظر هذه الرياضات الشاقة، كما رفض الاثنينية في العقيدة وعدّها شركاً لأنّ اللَّه الواحد هو خالق العالم.