بإيصالها إلى الدماغ لتحقّق عملية الرؤية.
تقول الفسلجة بشأن الأنشطة الدماغية: إنّ الخلايا الدماغية تقوم بعدّة أنشطة حين التفكير، فيتناول الدماغ مزيداً من الغذاء ويفقد مزيداً من المواد الفوسفورية ... وهكذا تقوم سائر أعصاب الإنسان كل باتجاه بوظيفته الادراك، الا ان النتيجة التي توصل اليها اغلب العلماء من هذه التجارب وظنوا بأنّ مركز الإدراك والشعور هو الخلايا الدماغية على الاعصاب بعد تاثير العوامل الخارجية خاطئة؛ ذلك لأنّ هذه في إدراك الإنسان وشعوره، ودون هذا الفصل لا يتسطيع الإنسان التفكير والإدراك والسمع والبصر، وأمّا أنّ المدرك الواقعي أو المشاهد والسامع هو الدماغ، فليس بصحيح.
ومن هنا يعتقد كبار العلماء أنّ هنالك جهازاً فوق الجهاز المادي للبدن وينسق مع هذه الوسائل المادية وينهض بمسؤولية تدبير هذا الجهاز وبتفعيله للأدوات المادية ... كالعين والأعصاب- فإنّ الدماغ يمكنه الحصول على معلومات من الخارج، والواقع هو المدرك الحقيقي والذي ترتكز فيه- جميع علوم الإنسان وأفكاره والذي يعبر عنه بأسماء مختلفة كالعقل والروح والقلب.
ولا شك في أنّ الناس يستعملون القلب في محاوراتهم اليومية بمعنى العقل والروح وكذا في العرف، فنقول قلبي يعتصر على إبني البعيد عنّي. ولا يخفى أنّ المراد بالقلب ليس ذلك العضو الصنوبري الشكل، بل فسّروا أحد معاني القلب بالروح والنفس البشرية التي تعتبر مركز الشعور والإدراك، ويصطلح عليه العلماء بالعقل والروح- وعلة اختيار لفظ القلب ككناية عن الروح أنّ القلب الصنوبري يعتبر مظهر الحياة لدى الإنسان، فهم يميزون بين الحي والميت على ضوء عمل القلب وتوقفه. وتوازن دقات القلب وسرعتها دليل الصحة والسقم وأول مرحلة لظهور الآثار الروحية لكل حادثة هو القلب. والقرآن من جانبه استعمل مفردة القلب بمعنى العقل والروح والقوة المدركة. أضف إلى ذلك هنالك العديد من القرائن القرآنية على هذا المعنى، ومنها:
1- قال القرآن بعد بيانه لأوضاع القيامة:«إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ»[1].
فالمفروغ منه أنّ القرآن اعتبر القيامة وسيلة تذكير لأصحاب القلوب، فإن كان المراد ذلك العضو المعروف سوف لن تستقيم العبارة، ذلك أنّ لكل الناس هذا العضو، وعليه فالمراد به العقل والقوة والتفكير.
2- اعتبر القرآن القلب مركز طائفة من الصفات والروحيات التي لا ترتبط قطعاً بهذا القلب المادي، بل أوصاف تلك الروح الإنسانية، فيصف بعض القلوب بالقسوة والمرض والعمى- كما يرى القرآن القلب مركز الطهر والإيمان والدنس والكفر ووسيلة نيل السعادة والشقاء وخص القلب السليم بالسعادة والفلاح[2].
ومن البديهي أنّ هذه الأمور من صفات الروح الإنسانية، فلا معنى للقسوة والعمى والمرض في هذا القلب المادي. ويتضح ممّا مر سابقاً معنى الآية الواردة في السؤال؛ فالقرآن وإن نسب التعقل للقلب وأنّ مكانه في الصدر، لكن كما يتضح أنّ القلب الذي في الصدر اصطلح عليه القرآن كناية عن الروح والعقل، وسبب هذا التعبير ذلك الارتباط القوي للقلب الصنوبري بالروح وظهور وانعكاس الحالات الروحية والحياة والموت في القلب.
والقرآن لا يكني القلب بالعقل والروح فقط، بل أحياناً يستعمل الصدر بهذا المعنى فيقول:«أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ»[3]و«فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ»[4]؛ ومن الطبيعي أنّ صدر الإنسان العادي لا يضيق ويتسع بقبول أو عدم قبول الإسلام؛ بل كناية لسعة وكبر الروح، ولكن ورد التعبير السابق بسعة الصدر مركز ظهور انعكاسات الحياة.
[1]سورة ق، الآية 37.
[2]سورة البقرة، الآية 7 و 10 و 74 و 225؛ وسورة الشعراء، الآية 189؛ وسورة الحج، الآية 46؛ وسورة الأحزاب، الآية 53؛ وسورة الحجرات، الآية 14؛ وسائر الآيات التي لا مجال لذكرها.
[3]سورة الانشراح، الآية 1.
[4]سورة الانعام، الآية 125.
این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة
18- لماذا يطلق اسم «أُمُّ القرى» على مكة؟
سؤال:
يستفاد من التفاسير والأخبار أنّ أول ما ظهر من الأرض، أم القرى- مكة- ومن ثم تلتها سائر البقاع، فكيف ينسجم هذا الموضوع مع عقيدة العلماء المعاصرين الذين يرونها سيارة انفصلت دفعة عن الشمس؟
الجواب:
ذكر علماء الأرض بشأن ظهورها والتطورات التي طرأت عليها أنّ الكرة الأرضية تعرضت إلى سيول وأمطار شديدة بعد أن انفصلت عن الشمس وبردت فغطى الماء جميع سطحها، وظهرت التنوعات فانحدر الماء إلى النقاط العميقة وشكل البحار وبدات البقع الجافة تظهر شيئاً فشيئاً. ولعل مسألة ظهور أرض مكة إشارة إلى هذه البقع الجافة، فكانت أول بقعة ظهرت من الماء المناطق الاستوائية ومنها مكة.
وعليه فلا منافاة بين الرواية المذكورة وعقيدة العلماء في ظهور الأرض؛ لأنّ المراد من ظهور مكة ليس انفصالها عن الشمس، بل ظهورها من الماء واستعدادها للسكن.
این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة
19- لماذا لا تطابق المناسبات الدينية فصول السنة؟
سؤال:
ضُرِبَ علي عليه السلام في التاسع عشر من شهر رمضان في فصل الشتاء مثلًا (طبعاً هنالك فارق 11 يوم بين العام القمري والشمسي) ولكننا نلاحظ وقوع التاسع عشر من رمضان في الشتاء أحياناً والصيف أخرى والربيع والخريف، إذن فالشهر القمري ليس صحيحاً ولا يبيّن التاريخ بدقّة، ويرد هذا الإشكال على سائر أيّام العزاء والأعياد الدينية خلال الفصول.
الجواب:
إنّ العام والشهر موضوع تعاقدي لتنظيم الأمور الاجتماعية، غايته كيّفوه مع حركة الكواكب بغية عدم الخطأ والاستناد إلى الطبيعة. فجعل البعض مقياس حساب العام والشهر حركة الشمس (أو الأصح حركة الأرض حول الشمس) ونتيجة ذلك العام الشمسي المنطبق على الفصول الأربعة. كما جعله البعض حركة القمر حول الأرض ولا ينطبق على الفصول الأربعة الناتجة من حركة الشمس.
والنتيجة لو لم تنطبق الأشهر القمرية على فصول السنة فلا إشكال عليها؛ لأنّ المدار فيها ليس حركة الشمس والفصول الأربعة. وعدم مراعاتنا للفصول في إقامة مراسم العزاء
والسرور، لأنّ مقياسنا في هذه المراسم هو الأشهر القمرية المطابقة لحركة القمر، والمهم لنا، اليوم القمري الذي وقعت فيه تلك الحادثة، لا الفصل. كما نعلم أنّ تنظيم التواريخ الإسلامية كافّة طبق هذا الشهر القمري. والواقع هنالك فارق بين الأشهر القمرية- وهي أشهرنا الدينية- والأشهر الشمسية ومنها: أنّ حساب الأشهر القمرية أسهل على أغلب الناس من الأشهر الشمسية، بحيث لا يجد أي فرد من صعوبة في حسابها، بينما لابدّ من التقويم لحساب الأشهر الشمسية- بعبارة أخرى: يمكن عادة تعيين الحدود التقريبية لكل شهر وبدايته ونهايته بواسطة الأشهر القمرية، بحيث لو نظرنا إلى قرص القمر يمكننا تقريباً معرفة كم ليلة مضت على الشهر، بينما يتعذر تعيين الأيام في الأشهر الشمسية (الأبراج) ما لم يكن لدينا تقويم، حتى بداية ونهاية الشهر؛ ويقتصر الأمر على الحسابات النجومية فقط؛ والحال تقويم الأشهر القمرية صفحة السماء وتأمل طلوع وغروب القمر والهلال والتربيع والبدر، ممكن للجميع، ولو لم تنطبق هذه الأشهر على فصول السنة، فلا يمكن المساس بها مع كل هذه الامتيازات.
20- سند دعاء الندبة
سؤال:
هل من سند معتبر لدعاء الندبة؟
الجواب:
دعاء الندبة دعاء من حيث المضمون مستدل ورفيع وفصيح وعاطفي وحماسي، وفي حالة إدراكه من قبل الداعي فهو ملهم لأصلاح الوضع الاجتماعي ومقاومة الظلم والفساد وطفرة نحو الأهداف الإنسانية الكبرى.
لكننا لا ندري لماذا كل هذه الحملات المغرضة من البعض، فتارة على العبارات وأخرى على السند، والحال ليس في مضمونه أية مثلبة ولا يمكن القدح في سنده ضمن إطار الدعاء. وسنوضح لاحقاً إن شاء اللَّه خواء تهمة مشابهة عباراته لعقائد الفرقة الكيسانية.
وسنشير إلى الاشكال الذي ورد على فقراته، ومن ثم نشرح السند:
إشكال البعض على العبارة«وعرجت بروحه إلى سمائك»،إنّها لا تنسجم مع عقائد الشيعة، لأنّ المعراج لم يكن مقتصراً على الروح. والحال لو عدنا إلى مصادر الدعاء الأصلية لزال الإشكال، فالدعاء ورد قبل كل شيء في كتاب«المزار الكبير»لمحمد بن