وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ»[1]ويتضح ممّا قيل إنّ الشيطان ليس وجوداً مستقلًا بالنسبة للَّه ولا خالقاً للشر، بل هو مخلوق ضعيف كسائر المخلوقات، وإن تركه اللَّه لممارسة وساوسه فذلك لكي لا يمسّ أولياء اللَّه منه سوء فحسب، بل ليبلغوا بمقاومتهم له أقصى درجات السمو والكمال.
وأمّا الاعتقاد باللَّه وجبرئيل ومحمد صلى الله عليه و آله فلا يشبه نظيره لدى النصارى بالأقانيم الثلاثة- اللَّه والابن والروح القدس- بأي شكل من الأشكال؛ فنحن نؤمن بوحدانية اللَّه وأنّه خالق عالم الوجود وأنّ كل ما سواه حتى النبي محمد صلى الله عليه و آله وجبرئيل وسائر الأنبياء والملائكة مخلوق للَّهوليس لهم من أنفسهم أي اختيار في عالم الوجود، والكل عباده ومنقاد لقدرته.
وجبرئيل حامل وحي اللَّه، ومحمد عبد اللَّه ورسوله وصفيه من خلقه. وقد أشار القرآن الكريم بصفته مصدر جميع عقائدنا إلى هذه الحقائق على لسان أغلب آياته، كما أنّ الشريعة الإسلامية السمحاء لم تتضمن أيّة عبارة لألوهية النبي الأكرم صلى الله عليه و آله أو جبرئيل عليه السلام.
[1]سورة النحل، الآية 100.
18- كيف يكون تعدد الالهة مدعاة لفساد الخلق؟
سؤال:
إنّ أحد أدلة وحدانية اللَّه أنّ وجود مبدأين في عالم الخلقة يوجب فساد الأرض والسماء، ولو كان للعالم إلهين فإنّ ذلك يؤدي إلى فساد الخلق.
أولًا:لماذا يوجب تعدد الآلهة فساد عالم الخلقة؟
ثانياً:ما الضير أن يتحد خالقان في خلق العالم وتنظيم شؤونه؟
الجواب:
يمكن توضيح هذا الموضوع من خلال شرحين؛ الشرح العلمي والشرح الفلسفي.
ونشير بصورة مختصرة إلى هذين الشرحين:
1- يمكن الوقوف من مطالعة كتاب على أنّ كاتبه شخص واحد أو عدّة أشخاص.
فالكتاب الذي يؤلفه شخص واحد يتصف بنوع من الانسجام في عباراته ومختلف تعبيراته وكناياته وإشاراته وعناوينه وأساليب ربط جمله، وبالتالي هنالك وحدة تحكم جميع أجزائه؛ لماذا؟ لأنّها تنبع من فكر واحد وتترشح من قلم واحد؛ والحال ليس هنالك مثل هذا التنسيق والانسجام في الكتاب الذي يشترك فيه اثنان- مهما تطابقت أفكارهما
وتطلعاتهما- وسيطالعنا الكثير من الاختلاف في القضايا المذكورة سابقاً، ولاسيما إن كان هذا الكتاب كبيراً ومسهباً ويتناول بالبحث مختلف الموضوعات حيث سرعان ما تكتشف هذه الحقيقة.
وعالم الخلق الذي يعدّ أعظم كتاب التكوين والذي لا يسع أفراد البشر كافّة حساب عدد صفحاته فضلًا عن مطالعتها، وقد اتفق الجميع على أنّ تلك الصفحات تنطوي على نسق ونظم انعدم مثيله؛ الأمر الذي أيده علماء الفلك والذرة والفيزياء والكيمياء والإحياء، وصرحوا بأنّه يخضع إلى نظام دقيق وغاية في الاتقان، وهو ذات النظلم الذي يحكم المنظومة الشمسية والكواكب والمجرّات، إلى جانب القوانين الكلية التي تشمل جميع تفاصيل الوجود، وخلاصة القول هنالك نظام واحد متناسق يفرض حكومته على الوجود برمته. وبالطبع لو كان لهذا العالم أكثر من مدير لما كان الوضع كما هو عليه ولغاب النظام والانسجام وسوف لن تكون النتيجة سوى فساد نظام الخليقة.
فقد سأل هشام بن الحكم الإمام الصادق عليه السلام عن الدليل على وحدانية اللَّه فقال عليه السلام:
«إتصال التدبير وتمام الصنع. كما قال اللَّه: «لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ»[1]،[2].
2- البيان الآخر الفلسفي والذي وردت الإشارة إليه في بعض الآيات القرآنية وتلخص في ما يلي: إن كان مع اللَّه إله آخر في السموات والأرض فإنّ هذين الإلهين إمّا متماثلان ومتشابهان أو مختلفان؛ فإن كانا متماثلين (على غرار فردان يعدان كفرد واحد أثر اشتراكهما وتشابههما التام) وفي هذه الحالة ينبغي أن يكونا متفقين في جانب ومختلفين في جانب آخر؛ وذلك لاستحالة العثور على موجودين متفقين في كل شيء دون أن يكون بينهما أدنى اختلاف، فحتى التوأمان المتشابهان في الشكل واللون والقامة والصوت و ...
[1]سورة الأنبياء، الآية 22.
[2]بحار الأنوار، ج 3، ص 20؛ ولمزيد الايضاح راجع كتابنا معرفة اللَّه.
فإنّهما يفترقان في بعض الأمور.
والنتيجة في مثل هذا الفرض «التركيب»؛ التركيب من «جهة الاشتراك»" ولو الاشتراك في أصل الوجود ومن «جهة الاختلاف» الذي يوجب التعددية، وحيث أثبتت البراهين الفلسفية أنّ اللَّه بسيط فإنّ هذه الفرضية (إلهان متشابهان ومتماثلان) باطلة. وعليه سنضطر لمناقشة فرضية إلهين مختلفين وليس بينهما أي اشتراك ويتمايزان تماماً من حيث الوجود والذات. وبالطبع لا ينبغي أن ننسى بأنّ اختلافهما في الذات والوجود يفضي إلى اختلافهما في الأفعال، فلا يمكن تصور الانسجام بين أفعالهما وهما على هذه الحالة من الاختلاف وممّا لا شك فيه أنّ تدبير أحدهما سيكون مخالفاً لتدبير الآخر، وبالتالي سوف لن تكون نتيجة مثل هذا الاختلاف سوى الفوضى في نظام الوجود وتشتت الروابط والحلقات التي تحكم عالم الوجود وظهور الخلاف بشأن إدارته وأخيراً تصدع كيانه.
والحال أننا نرى عكس ذلك في عالم الخليقة، ذلك لأننا إن تأملنا أصغر الكائنات الحيّة سنرى حالة من التنسيق والترابط بين هذا الكائن وعالم الوجود وكأنّ الأخير خلق من أجلها؛ الأمر الذي يكشف بوضوح عن تبعية كل هذا العالم لإرادة مدبرة واحدة، وهذا ما أشارت إليه الآية الحادية والتسعون من سورة (المؤمنون). وبناءً على ما تقدم فالدليل الفلسفي والاستقراء العلمي يثبتان وجود إرادة ومشيئة وذات قدسية هي التي تحكم عالم الوجود بأسره.
این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة
19 هل يحتاج العالم في بقائه إلى اللَّه؟
سؤال:
يقول بعض القراء الأعزاء هنالك شبهة تطرح اليوم في الأوساط المادية ولا نمتلك الردّ الشافي لها؛ رجاءً افيضوا علينا بهذا الشأن: «أننا نقرّ بأنّ نظام الوجود يحتاج في ظهوره إلى مُبدىء له علم وقدرة، إلّاأنّ ديمومة هذا النظام ليست بحاجة إلى ذلك المبدىء؛ ذلك لأنّ خلق العالم قام على أساس نظام العلّة والمعلول بحيث يستمر هذا النظام تلقائياً- سواء كان أم لم يكن ذلك الخالق- فالساعة الدقيقة قد تعمل لسنوات دون أن يكون هنالك من وجود لصانعها، أو المركبات الفضائية التي تتابع مسيرتها لسنوات في الفضاء وترسل لنا الأخبار دون أن يكون هنالك من وجود لصانعها».
الجواب:
إنّ هذه الشبهة ليست جديدة ليثيرها اليوم الماديون، بل أثيرت سابقاً وقد أجاب عنها الفلاسفة والمتكلمون؛ على كل حال ترد هذه الشبهة بصيغتين:
الأولى أنّ الوجود أو النظام الخاص يحتاج في ظهوره إلى علة، لكنه لا يحتاج قط هذه العلة في بقائه واستمراره، سواء كانت تلك العلة الأولى أم غيرها. وهذا ما اعتقد به بعض
الفلاسفة القدماء، وظنوا أنّ أي موجود لا يحتاج إلى علة لوجوده كالعمارة التي لا تحتاج في بقائها إلى المعمار والبناء! فإنّ وردت الشبهة بهذه الصيغة فإنّ الإجابة عنها واضحة.
فبقاء موجود غير ظهور وجوده.
وبعبارة أوضح:وجود أي شيء في أي زمان غير وجوده في زمان ولحظة أخرى.
وبقاء الموجودات في مسيرة الزمان مثل بقاء شكل النهر الذي تستبدل ذرات مياهه دائما، بينما تبقى صورته الظاهرية. بعبارة أخرى: كما أنّ الموجود يتألف من أجزاء وكل جزء لا يكون دون علة، فإنّ له من حيث الزمان امتداداً وعمراً يحتاج في كل لحظة إلى علّة، وعليه فالشيء الذي لا يحتاج في ديمومته إلى علة لابدّ أن لا يحتاج إليها في ظهوره، ذلك لعدم وجود فارق بين اللحظة الأولى والقادمة.
دعني أفصل لك أكثر وأوضح:
على ضوء آخر التحقيقات لفلاسفتنا القدماء والمعاصرين- في بحث الحركة الجوهرية وبحث النسبية- فإنّ الزمان البعد السابع للأشياء، وعليه كما يمكن أن يختلف بعد شيئين من حيث الطول والعرض والعمق- أحدهما أكبر والآخر أصغر- كذلك يمكن أن يختلفا من حيث الزمان. وكما يستحيل كبر وصغر أي من أبعاد الجسم دون علة، فإنّ مقدار طول زمان وعمر الأشياء والحوادث بحاجة إلى علة. إذن إن قلنا إنّ الشيء لايحتاج في بقائه إلى علة، كأننا قلنا إنّ الجسم الذي يبلغ طوله مئة متر إنّما يحتاج في المتر الواحد إلى من يوجده والتسع وتسعون متراً الآخر تتولد تلقائياً، فهل هنالك من يقر بهذا؟
وأمّا بشأن المثال السفسطائي «الساعة وصانعها» وأمثال ذلك فلابدّ من الإلتفات إلى أنّ الساعة إنّما تحتاج في وجودها إلى علّة كما تحتاج في ديمومة عمرها إلى العلة، فهي تحتاج في وجودها إلى الصانع، أمّا في ديمومة وجودها فإنّها تستمد ذلك من خصائص مكوناتها؛ أي الفلزات المستعملة فيها والتي تمنحها العمر، ومن هنا هنالك فارق في عمر الساعات على ضوء اختلاف موادها، وهذا دليل واضح على أنّها تحتاج العلة في وجودها وديمومتها.
ونتوصل ممّا ذكرنا إلى نتيجة واحدة: كما يتطلب حدوث وظهور الشيء علة، فإنّ ديمومته تحتاج إلى علة أيضاً- سواء كانت علة الظهور ذاتها علة الديمومة أم غيرها- ومن أنكر الحاجة إلى علة في ديمومة الحياة، فقد تنكر لقانون العلية.
ونركز الآن على الجانب الثاني من الشبهة الذي يمثل جوهرها (لابدّ من التأمل) قد يقول البعض: نعترف أنّ كل نظام يحتاج إلى علة في بداية ظهوره وفي استمرار حياته، ولكن لا يلزم أن تكون علة «الحدوث» هي ذاتها علة «البقاء» فما المانع أن يكون المبدأ الأصلي لعالم الوجود قد خلق العالم على أساس العلم والإرادة، وقد نظم سلسلة العلل والمعاليل الطبيعية والمنسجمة بحيث يمكنه مواصلة حياته بصورة تلقائية؟ كما قيل في مثال الساعة حيث يصنعها عالم من مواد قوية وتستمر في عملها بعد وفاته- وبالنتيجة فإنّ عالم الوجود بحاجة في حدوثه إلى اللَّه، لكن دوام بقائه يتوقف على سلسلة من العلل الطبيعية والحركات الجبرية.
إن ورد السؤال بهذه الصيغة، فلابدّ أن يقال في الجواب: بالنظر إلى أنّ الزمان هو البعد الرابع للأشياء، يعني أنّ كل موجود طبيعي وآثاره تجتاز كل لحظة مرحلة جديدة من الوجود، بل في كل لحظة وجود جديد غير الوجود الأول وغير الوجود اللاحق، وبعبارة أخرى فإنّ العالم مجموعة من الحوادث والصيرورات، وفي هذه الحالة تتضح حاجة الموجود الطبيعي وبقاء خواصه إلى وجود العلة في كل لحظة؛ علة وجودها أزلي وأبدي وتابع من ذاتها، لا علة تحتاج بدورها إلى علة (لابدّ من التأمل).
ودعني أوضح حقيقة الموضوع بمثال: لو تأملنا المصباح الكهربائي، فهذا المصباح يحتاج إلى تيار كهربائي، لكن هل يحتاج في اللحظة الأولى فقط إلى هذا التيار؟ طبعا لا، لأنّ هذا المصباح سينطفئ فوراً أنّ قطعنا عنه التيار ولو للحظة عابرة ولزالت جميع آثاره من قبيل الضوء والحرارة. ولعل المصباح يستمد طاقة كهربائية من سلك، ولكن نعلم بأنّ السلك بذاته لا يحتوي على كهربائية وهو الأخر يحتاج إلى مصدر كهربائي؛ وعلى هذا الأساس