بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 72

الفلاسفة القدماء، وظنوا أنّ أي موجود لا يحتاج إلى‌ علة لوجوده كالعمارة التي لا تحتاج في بقائها إلى‌ المعمار والبناء! فإنّ وردت الشبهة بهذه الصيغة فإنّ الإجابة عنها واضحة.

فبقاء موجود غير ظهور وجوده.

وبعبارة أوضح:وجود أي شي‌ء في أي زمان غير وجوده في زمان ولحظة أخرى‌.

وبقاء الموجودات في مسيرة الزمان مثل بقاء شكل النهر الذي تستبدل ذرات مياهه دائما، بينما تبقى صورته الظاهرية. بعبارة أخرى: كما أنّ الموجود يتألف من أجزاء وكل جزء لا يكون دون علة، فإنّ له من حيث الزمان امتداداً وعمراً يحتاج في كل لحظة إلى‌ علّة، وعليه فالشي‌ء الذي لا يحتاج في ديمومته إلى‌ علة لابدّ أن لا يحتاج إليها في ظهوره، ذلك لعدم وجود فارق بين اللحظة الأولى والقادمة.

دعني أفصل لك أكثر وأوضح:

على ضوء آخر التحقيقات لفلاسفتنا القدماء والمعاصرين- في بحث الحركة الجوهرية وبحث النسبية- فإنّ الزمان البعد السابع للأشياء، وعليه كما يمكن أن يختلف بعد شيئين من حيث الطول والعرض والعمق- أحدهما أكبر والآخر أصغر- كذلك يمكن أن يختلفا من حيث الزمان. وكما يستحيل كبر وصغر أي من أبعاد الجسم دون علة، فإنّ مقدار طول زمان وعمر الأشياء والحوادث بحاجة إلى‌ علة. إذن إن قلنا إنّ الشي‌ء لايحتاج في بقائه إلى‌ علة، كأننا قلنا إنّ الجسم الذي يبلغ طوله مئة متر إنّما يحتاج في المتر الواحد إلى‌ من يوجده والتسع وتسعون متراً الآخر تتولد تلقائياً، فهل هنالك من يقر بهذا؟

وأمّا بشأن المثال السفسطائي «الساعة وصانعها» وأمثال ذلك فلابدّ من الإلتفات إلى‌ أنّ الساعة إنّما تحتاج في وجودها إلى‌ علّة كما تحتاج في ديمومة عمرها إلى‌ العلة، فهي تحتاج في وجودها إلى‌ الصانع، أمّا في ديمومة وجودها فإنّها تستمد ذلك من خصائص مكوناتها؛ أي الفلزات المستعملة فيها والتي تمنحها العمر، ومن هنا هنالك فارق في عمر الساعات على ضوء اختلاف موادها، وهذا دليل واضح على أنّها تحتاج العلة في وجودها وديمومتها.


صفحه 73

ونتوصل ممّا ذكرنا إلى‌ نتيجة واحدة: كما يتطلب حدوث وظهور الشي‌ء علة، فإنّ ديمومته تحتاج إلى‌ علة أيضاً- سواء كانت علة الظهور ذاتها علة الديمومة أم غيرها- ومن أنكر الحاجة إلى‌ علة في ديمومة الحياة، فقد تنكر لقانون العلية.

ونركز الآن على الجانب الثاني من الشبهة الذي يمثل جوهرها (لابدّ من التأمل) قد يقول البعض: نعترف أنّ كل نظام يحتاج إلى‌ علة في بداية ظهوره وفي استمرار حياته، ولكن لا يلزم أن تكون علة «الحدوث» هي ذاتها علة «البقاء» فما المانع أن يكون المبدأ الأصلي لعالم الوجود قد خلق العالم على أساس العلم والإرادة، وقد نظم سلسلة العلل والمعاليل الطبيعية والمنسجمة بحيث يمكنه مواصلة حياته بصورة تلقائية؟ كما قيل في مثال الساعة حيث يصنعها عالم من مواد قوية وتستمر في عملها بعد وفاته- وبالنتيجة فإنّ عالم الوجود بحاجة في حدوثه إلى‌ اللَّه، لكن دوام بقائه يتوقف على سلسلة من العلل الطبيعية والحركات الجبرية.

إن ورد السؤال بهذه الصيغة، فلابدّ أن يقال في الجواب: بالنظر إلى‌ أنّ الزمان هو البعد الرابع للأشياء، يعني أنّ كل موجود طبيعي وآثاره تجتاز كل لحظة مرحلة جديدة من الوجود، بل في كل لحظة وجود جديد غير الوجود الأول وغير الوجود اللاحق، وبعبارة أخرى‌ فإنّ العالم مجموعة من الحوادث والصيرورات، وفي هذه الحالة تتضح حاجة الموجود الطبيعي وبقاء خواصه إلى‌ وجود العلة في كل لحظة؛ علة وجودها أزلي وأبدي وتابع من ذاتها، لا علة تحتاج بدورها إلى‌ علة (لابدّ من التأمل).

ودعني أوضح حقيقة الموضوع بمثال: لو تأملنا المصباح الكهربائي، فهذا المصباح يحتاج إلى‌ تيار كهربائي، لكن هل يحتاج في اللحظة الأولى فقط إلى‌ هذا التيار؟ طبعا لا، لأنّ هذا المصباح سينطفئ فوراً أنّ قطعنا عنه التيار ولو للحظة عابرة ولزالت جميع آثاره من قبيل الضوء والحرارة. ولعل المصباح يستمد طاقة كهربائية من سلك، ولكن نعلم بأنّ السلك بذاته لا يحتوي على كهربائية وهو الأخر يحتاج إلى‌ مصدر كهربائي؛ وعلى هذا الأساس‌


صفحه 74

نقول إن جميع موجودات هذا العالم وخواصها وآثارها تحتاج كل لحظة إلى‌ مبدى‌ء أزلي لتستطيع مواصلة بقائها؛ لأننا نعلم بأنّ وجود كل هذه الكائنات ليس من ذاتها؛ فكلها حادثة ومسبوقة بعدم. ونظام هذا العالم أيضاً يعتمد على علل طبيعية، لكن هذه العلل لابدّ أن تستبدل إلى‌ علة أزلية. أي أنّ نور الوجود لابدّ أن يصلها كل لحظة من ذلك المبدأ الأزلي، ولو قطع عنها لحظة لانعدمت. وهذا ما نعبر عنه بأنّ اللَّه في كل مكان ومع جميع الأشياء، وليس لهذه الأشياء من ديمومة لوجودها بدونه ولو للحظة. وعالم الوجود ليس عالماً أزلياً وأبدياً، بل عالم حادث يستند إلى‌ وجود أزلي وأبدي، وهذا الاستناد جزء من ذات هذا العالم على غرار استناد المصباح الكهربائي للتيار والذي يعتبر جزء ذاته.

والخطأ الوارد في قضية صناعة الساعة هو أنّ الصانع لم يصنع قط موادها الأصلية، بل رتبها بهذا الشكل، ولو كان صانعها الأصلي الذي أوجدها من العدم لزالت هذه المواد بزواله، وقس على ذلك البناء والمعمار فهما ليسا صانعي مواد البناء، وإلّا لزالت بزوالهما. ولو أردنا شرح الموضوع على أساس فلسفي لقلنا: إنّ العالم ممكن الوجود لا واجب الوجود؛ وعليه فممكن الوجود يحتاج إلى‌ واجب الوجود في حدوثه وبقائه، ولو استغني في بقائه لأصبح واجب الوجود، بينما يستحيل تبدل «ممكن الوجود» إلى‌ «واجب الوجود».


صفحه 75

این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة


صفحه 76

القسم الثاني: الأنبياء والأولياء


صفحه 77

1- كيف يتكيف القانون الإسلامي الثابت مع العالم المتطور؟

سؤال:

هنالك حركة تطور وإزدهار تعيشها المجتمعات، فكيف يمكن إدارة شؤون هذه المجتمعات المتغيرة بقوانين الإسلام الثابتة؟

الجواب:

يساور هذا السؤال ذهن كل فرد له أدنى‌ معرفة بالعلوم الاجتماعية ولمس عن قرب تغيير عادات وتقاليد وتقنية المجتمعات. وناهيك عن ذلك، فإنّ هذا السؤال من بين الأسئلة التي طرحت بشأن خاتمية النبوّة في الإسلام، وقد وردت أبحاث مسهبة بهذا الشأن من قبل العلماء الأعلام، كما تضمّنت المدرسة الإسلامية عدداً من هذه الأبحاث.[1]

ولعل هذا السؤال بعض الإيرادات التي أثارها بعض المسيحيين. فمثلًا البروفسور «جان الدر» أورد هذا السؤال في مقام إلتماسه العذر لعدم إتيان المسيح بالقوانين الاجتماعية للبشرية في مقدمة كتابه «تراث الكتاب المقدس» وقال: لا يمكن إدارة المجتمعات المتطورة بسلسلة من القوانين الأبدية، ومن هنا فوّض المسيح للمجتمعات سن‌

[1]راجع المجلة رقم 5 و 6 و 7 السنة الثانية و المجلة رقم 11 السنة السادسة.


صفحه 78

قوانينها لتكيفها مع عجلة الزمن.

وكأنّ هذا البروفسور «جان الدر» أراد أن يدافع عن نقص المسيحية الراهنة ويتعرض للإسلام الذي يتبنى القوانين والمقررات الاجتماعية. والحق أنّ أنصار المسيحية عجزوا عن تقديم تفسير منطقي لإفتقار المسيحية الراهنة لإطروحة جامعة للحياة. على كل حال ما ينبغي أن يقال في جواب هذا السؤال أنّ في الإسلام نوعان من القوانين:

1- قوانين ثابتة وعامة وبالتالي أبدية ودائمية وليس للتغيير من سبيل إليها.

2- قوانين متحركة ومتطورة تتماشى وتغير الظروف والمقتضيات، والمهم بيان ملاك القوانين الثابتة والمتغيرة وتمييزهما عن بعضهما.

التوضيح:أن القوانين الثابتة والتي تأبى التغيير وقد نصت عليها المصادر الفقهية الإسلامية إنّما تتعلق بذلك القسم من القضايا الأخلاقية والشؤون الاجتماعية والحقوق المدنية والجزائية التي تستند إلى‌ الاصول الفطرية والغرائزية الإنسانية الثابتة والتي تشترك فيها كافّة المجتمعات البشرية- أمّا تلك السلسلة من المقررات المرتبطة بالشرائط الزمانية والمكانية الخاصة والنسبية في المجتمعات، فقد تكفّلت القوانين الإسلامية بطرح المبادئ الكلية، والتي يتمّ تعيين جزئياتها من قبل المعنيين المسلمين على ضوء حاجة المجتمعات والأمم. ولتوضيح نماذج هاتين الحالتين وبيان ملاك القوانين الثابتة والمقررات المتغيرة، لابدّ من الإلتفات إلى‌ الآتي:

إنّ لكل إنسان- بغض النظر عن الظروف الزمانية والمكانية المختلفة- غرائز ومتطلبات تعكس وتبيّن وجوده وتميزه عن الحيوانات، وهذه الغرائز- والتي يصطلح عليها بالأمور الفطرية- تشكل جزءاً من حقيقة وجوده والتي لا يعتريها التغيير بفعل الزمان. فمثلًا الإنسان موجود اجتماعي خلق لأن يعيش بصورة جماعية. كما يحتاج في حياته إلى‌ تشكيل أُسرة ويتعذر عليه دون هذا المجتمع المصغر ممارسة حياته. وبناءً على هذا فإنّ المبدأين؛ أي حياة الإنسان في ظل هذا المجتمع «الكبير» و «الصغير» تشكلان جزء حقيقته الوجودية ولا تنفصلان عنه قط؛ وعلى هذا لابدّ من ثبات القوانين المتعلقة بإقرارالنظم وبسط العدالة


صفحه 79

الاجتماعية والعلاقات الحقوقية للأفراد ووظائف الزوج والزوجة إزاء بعضهما؛ ذلك لأنّ قضية «اجتماعية» الإنسان لن تتأثر بفعل التطورات التي تجتاح حياة المجتمعات البشرية؛ وعليه فالقوانين التي تتعامل مع مسألة اجتماعية تأبى التغيير بأي شكل من الأشكال. إلى‌ جانب ذلك فإنّ حياة الإنسان قائمة على أساس قانون التكامل خلافاً لسائر الكائنات والأحياء التي تعيش بصورة جماعية كالنحل والنمل، ومن هنا فإنّ القوانين المتعلقة بأصول تكامل المجتمع لابدّ أن تكون ثابتة ولا تعرف من معنى للتغيير.

والعلاقة القائمة بين الوالدين والأطفال علاقة فطرية وطبيعية، فالقوانين التي تسن بهذا الخصوص- كالإرث والتربية- لابدّ أن تكون ثابتة وأبدية. وهنالك العديد من هذه النماذج التي تدل على أنّ الفطرة والغرائز المتأصلة لدى الإنسان تشكل محور القوانين الإسلامية، صحيح أنّ صورة المجتمع تشهد تغيّراً كل عصر، لكن إنسان القرن العشرين هو نفسه إنسان القرن العاشر من حيث الفطرة والغريزة والدوافع الطبيعية الثابتة، وأنّ غرائزه وخصائصه الوجودية تأبى التبدل والتغيير. وعلى هذا الأساس وضع الإسلام مقرراته الثابتة في هذه المجالات من قبيل حقوق أبناء المجتمع وعلاقاتهم الاجتماعية والروابط الأُسرية والزواج والتجارة والأمور المالية. وبغض النظر عن ذلك فإنّ هنالك سلسلة من المصالح والمفاسد الفردية والاجتماعية الثابتة التي لا يعتريها التغيير مع مرور الزمان، فلابدّ لهذه الأمور من قوانين ثابتة؛ على سبيل المثال أنّ الكذب والخيانة والتحلل والتفسخ الأخلاقي سيئة على الدوام مميتة لروح المجتمع.

ومن هنا فإنّ حرمتها أن تكون أبدية ودائمية، ذلك لأنّ المجتمع قد يعيش حالة من الرقي والتطور إلّاأنّ أضرار هذه الأفعال لا تتبدل؛ كما أنّ القوانين ذات الصلة بتهذيب النفس والفضائل الأخلاقية والملكات النفسية كالقيام بالتكليف والحس الإنساني ورعاية العدل ومئات الخصال ينبغي أن تكون أبدية ودائمية وليس للتغيير والتبدل من سبيل إليها.

وعليه فإنّ القوانين الواردة بشأن هذه المسائل وأمثالها والتي سنّت قبل ألف واربعمئة سنة على ضوء الفطرة والغرائز البشرية بالاستناد إلى‌ واقعية خاصة ترتكز على معرفة حقيقة