الباب الخامس و العشرون:
في الدلالة على جواز بقاء المهدي عليه السّلام حيّا باقيّا منذ غيبته الى الآن
و لا امتناع في بقائه بدليل بقاء عيسى و الياس و الخضر من اولياء اللّه تعالى و بقاء الدجال و ابليس الملعونين من اعداء اللّه تعالى، و هؤلاء قد ثبت بقاؤهم بالكتاب و السنة، و قد اتفقوا عليه ثم انكروا جواز بقاء المهدي و ها انا ابين بقاء كل واحد منهم فلا يسمع بعد هذا لعاقل انكار جواز بقاء المهدي عليه السّلام.
و انما انكروا بقاءه من وجهين «احدهما» طول الزمان «و الثاني» : انه في سرداب من غير أن يقوم احد بطعامه و شرابه و هذا ممتنع عادة.
قال مؤلف الكتاب محمد بن يوسف بن محمد الكنجي: بعون اللّه نبتديء. و اياه نستكفي و ما توفيقي إلا باللّه جلاله.
أما عيسى عليه السّلام، فالدليل على بقائه قوله تعالى:«وَ إِنْ مِنْ أَهْلِ اَلْكِتََابِ إِلاََّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ»[1]و لم يؤمن به احد مذ نزول هذه الآية الى
[1]سورة النساء الآية 159.
يومنا هذا، و لا بد ان يكون ذلك فى آخر الزمان.
و أمّا السنة فما رواه مسلم في صحيحه عن زهير بن حرب باسناده عن النواس بن سمعان-في حديث طويل في قصة الدجال-قال: فينزل عيسى بن مريم عند المنارة البيضاء شرقي دمشق بين مهرودتين[1]واضعا كفيه على أجنحة ملكين[2]. و ايضا ما تقدم من قوله صلّى اللّه عليه و آله: «كيف انتم اذا نزل ابن مريم فيكم و امامكم منكم»[3].
و اما الخضر و الياس: فقد قال ابن جرير الطبري: الخضر و الياس باقيان يسيران في الأرض.
و ايضا: فما رواه مسلم في صحيحه كما اخبرنا الحافظ محمد بن ابي جعفر القرطبي و العدل الحسن بن سالم بن علي، و غيرهما بدمشق قالوا: اخبرنا ابو عبد اللّه محمد بن علي بن صدقة، اخبرنا ابو عبد اللّه محمد بن الفضل، اخبرنا ابو الحسين عبد الغافر، اخبرنا ابو احمد محمد، اخبرنا ابراهيم بن محمد، اخبرنا الحافظ ابو الحسين مسلم بن الحجاج، حدثني عمرو الناقد، و الحسن الحلواني، و عبد بن حميد قالوا: حدثنا يعقوب بن ابراهيم بن سعد، حدثنا ابو صالح، عن ابن شهاب، اخبرني عبيد اللّه بن عبد اللّه بن عتبة: أن ابا سعيد الخدري قال: حدثنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يوما حديثا طويلا عن الدجال فكان فيما حدثنا قال: يأتي و هو محرّم عليه ان يدخل نقاب
[1]المهرودتين: بالدال المهملة و المعجمة و هما ثوبان مصبوغان بورس ثم بزعفران.
[2]شرح صحيح مسلم للنووي ج 18 ص 67 ضمن حديث (كنز العمال 8: 187، فيض القدير 6: 17 «أ» ) .
[3]قد سبق هذا الحديث في الباب السابع من هذا الكتاب (مسند احمد بن حنبل 2: 336 و ج 3: 367، تذكرة الخواص: 364 «أ» ) .
غ
المدينة فينتهي الى بعض السباخ التي تلي المدينة، فيخرج اليه يومئذ رجل هو خير الناس-أو: من خير الناس-فيقول له: اشهد أنك الدجال الذي حدثنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله حديثه، فيقول الدجال: أرأيتم ان قتلت هذا ثم أحييته أتشكون فى الأمر؟فيقولون: لا. فيقتله ثم يحييه، فيقول حين يحييه:
و اللّه ما كنت فيك قط أشد بصيرة من الآن، قال: فيريد الدجال أن يقتله ثانيا فلا يسلط عليه.
قال ابو اسحاق-و هو ابراهيم بن محمد بن سعد-: يقال أن هذا الرجل هو الخضر.
قلت: هذا لفظ مسلم في صحيحه[1]كما سقناه سواء.
و اما الدليل على بقاء الدجال: اخبرنا ابو اسحاق ابراهيم بن بركات ابن ابراهيم، قال: اخبرنا المقري ابو الفضل عتيق بن ابي الفضل بن سلامة السلماني، قال: اخبرنا محدث الشام الحافظ ابو القاسم بن الحسن الشافعي المعروف بابن عساكر، اخبرنا فقيه الحرمين ابو عبد اللّه محمد بن الفضل الصاعدي الفراوي، اخبرنا ابو الحسين عبد الغافر بن محمد الفارسي اخبرنا ابو احمد محمد بن عيسى بن عمرويه الجلودي، اخبرنا ابو اسحاق ابراهيم بن محمد بن سفيان الفقيه، اخبرنا الحافظ ابو الحسين مسلم بن الحجاج القشيرى النيسابوري، حدثنا عبد الوارث بن عبد الصمد بن عبد الوارث، و حجاج بن الشاعر، و كلاهما عن عبد الصمد و اللفظ لعبد الوارث بن عبد الصمد-قال: حدثني ابي عن جدي عن الحسين بن ذكوان، حدثنا ابن بريدة، حدثنا عامر بن شراحيل الشعبي-شعب همدان-انه سأل فاطمة بنت قيس اخت الضحاك بن قيس و كانت من
[1]شرح صحيح مسلم ج 18 ص 71.
المهاجرات الأول فقال: حدثيني حديثا سمعتيه من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله لا تسنديه الى أحد غيره، فقالت: لئن شئت لا فعلن فقال لها: أجل حدثيني فقالت: نكحت ابن المغيرة و هو من خيار شباب قريش يومئذ فاصيب في أول الجهاد مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فلما تأيّمت[1]خطبني عبد الرحمن بن عوف في نفر من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و خطبني رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله على وليّه اسامة بن زيد، و كنت قد حدّثت أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله قال: من احبني فليحب اسامة. فلما كلّمني رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فقلت: امري بيدك فانكحني من شئت. فقال: انتقلي الى أم شريك-و أم شريك امرأة غنية من الانصار عظيمة النفقة في سبيل اللّه تنزل عليها الضيفان-فقلت: سأفعل.
قال: لا تفعلي إن ام شريك كثيرة الضيفان، فاني اكره أن يسقط عنك خمارك و ينكشف الثوب عن ساقيك فيرى القوم منك بعض ما تكرهين، و لكن انتقلي الى ابن عمك عبد اللّه بن عمرو بن أم مكتوم-و هو رجل من بني فهر-فهر قريش-و هو من البطن الذي هي منه-فانتقلت اليه فلما انقضت عدتي سمعت نداء المنادي-منادي رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله- ينادى الصلاة جامعة فخرجت الى المسجد فصليت مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فلما فرغ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله من صلاته جلس على المنبر و هو يضحك فقال: ليلزم كل انسان مصلاّة ثم قال: هل تدرون لم جمعتكم؟فقالوا: اللّه و رسوله اعلم. قال: انى و اللّه ما جمعتكم لرغبة و لا لرهبة و لكن جمعتكم لأن تميما الداري كان رجلا نصرانيا فجاء فبايع و أسلم و حدثني حديثا وافق الذي كنت احدثكم عن المسيح الدجال.
[1]اي صرت ايما بلا زوج.
حدثني: أنه ركب في سفينة بحرية مع ثلاثين رجلا من لخم و جذام فلعب بهم الموج شهرا في البحر ثم ارفوا إلى جزيرة في البحر حين مغرب الشمس فجلسوا في أقرب السفينة فدخلوا الجزيرة فلقيتهم دابة اهلب كثير الشعر لا يدرون ما قبله من دبره من كثرة الشعر فقالوا: ويلك ما انت؟قالت: أنا الجساسة قالوا: و ما الجساسة؟قالت: ايها القوم انطلقوا الى هذا الرجل في الدير فانه الى خبركم بالاشواق. قال: لما سمّت لنا رجلا فرقنا منها أن تكون شيطانه قال: انطلقنا سراعا حتى دخلنا الدير فاذا فيه اعظم انسان رأيناه خلقا و أشده وثاقا مجموعة يداه الى عنقه ما بين ركبتيه الى كعبيه بالحديد قلنا: ويلك ما انت؟قال: قد قدرتم على خبري فاخبروني ما انتم؟قلنا: نحن اناس من العرب ركبنا في سفينة بحرية فصادفنا البحر حين اغتلم[1]فلعب بنا الموج شهرا، ثم ارفينا الى جزيرتك هذه فجلسنا في اقربها فدخلنا الجزيرة، فلقينا دابة أهلب كثيرة الشعر لا يدرى ما قبله من دبره من كثرة الشعر، فقلنا: ويلك ما انت؟فقالت: انا الجساسة قلنا: ما الجساسة؟ قالت: اعمدوا الى هذا الرجل في الدير فانه الى خبركم بالاشواق فاقبلنا اليك سراعا و فزعنا منها و لم نأمن ان تكون شيطانة فقال: اخبروني عن نخل ببستان قلنا: عن اي شأنها تستخبر؟قال: اسألكم عن نخلها هل يثمر؟ فقلنا له: نعم. قال: أما انه يوشك ان لا يثمر، قال: اخبروني عن بحيرة:
الطبرية. قلنا: عن اي شانها تستخبر؟قال: هل فيها ماء؟قالوا: هي كثيرة الماء قال: اما ان ماءها يوشك أن يذهب، قال: اخبروني عن عين زغر[2]
[1]الغلمة: شهوة الضراب، و غلم العير. هاج من شدة، و استعماله في البحر من باب الاستعارة أي هاج و جاوز حده المعتاد.
[2]عين زغر: بزاي و غين معجمتين وراء مهملة بلدة معروفة في الجانب القبلي من الشام.
قالوا: عن اي شانها تستخبر؟قال: هل في العين ماء؟هل يزرع اهلها بماء العين؟قلنا له: نعم هي كثيرة الماء و اهلها يزرعون من مائها، قال: اخبروني عن نبي الاميين ما فعل؟قالوا: قد خرج مهاجرا من مكة و نزل يثرب قال:
أقاتله العرب؟قلنا: نعم، قال: كيف صنع بهم؟فاخبرناه انه ظهر على من يليه من العرب فاطاعوه، قال لهم: قد كان ذاك؟قلنا: نعم، قال: اما ان ذاك خير لهم أن يطيعوه و اني مخبركم عني انا المسيح الدجال، و اني اوشك أن يؤذن لي في الخروج فاخرج فاسير في الارض فلا ادع قرية إلا هبطتها في اربعين ليلة غير مكة و طيبة هما محرمتان عليّ كلتاهما، كلّما اردت ان ادخل واحدة مهما استقبلني ملك بيده السيف صلتا يصدّني عنها و ان على كل نقب[1]منها ملائكة يحرسونها، قال قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:
و طعن بمخصرته في المنبر هذه طيبة هذه طيبة هذه طيبة يعنى المدينة الأهل كنت احدثكم ذلك؟فقال الناس: نعم. فانه اعجبني حديث تميم انه وافق الذي كنت احدثكم عنه و عن المدينة و مكة، إلاّ انه في الشام أو بحر اليمن لابل من قبل المشرق ما هو من قبل المشرق ما هو من قبل المشرق ما هو؟ و أومى بيده الى المشرق قال: فحفظت هذا من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله.
قلت: هذا حديث صحيح متفق على صحته، و هذا سياق مسلم و هو صريح في بقاء الدجال.
و اما صاحب الكشف المخفي في مناقب المهدي[2]فقد استدل على
[1]النيقب: الطريق.
[2]نقل عنه السيد ابن طاووس أيضا في الطرايف و عنه في البحار ج 51 ص 105 وثمة تعريف بفهرسة احاديثه فراجعه.
وجود الدجال بحديث ابن الصياد و انه رآه الرسول صلّى اللّه عليه و آله و حلف عمر و قال: و اللّه انك الدجال. و هو حديث صحيح متفق عليه، لكن لا يدل على وجود الدجال لأن الرسول صلّى اللّه عليه و آله لم يجزم على ابن الصياد انه الدجال بدليل قوله صلّى اللّه عليه و آله لعمر ان يكنه فلا تسلط عليه، و ان لم يكنه فلا خير لك في قتله، و اما يمين عمر فانه كان على غلبة الظن، و الذي يدل على ان ابن الصياد لم يكن هو الدجال انه اخبر صلّى اللّه عليه و آله انه مكتوب بين عينيه «ك ف ر» و لم ينقل عن ابن الصياد ذلك.
و الجمع بين الحديثين عندي هو ما اخبرني به الحافظ مفتي الشام ابو عمرو عثمان بن عبد الرحمن بن عثمان المعروف بابن الصلاح بدمشق، و الحافظ مؤرخ العراق ابو عبد اللّه محمد بن محمود بن الحسن المعروف بابن النجار ببغداد بالمدرسة الشريفة، قالا: اخبرنا الشيخ المقريء ابو الحسن بن محمد بن علي الطوسي قراءة عليه، و نحن نسمع بنيسابور اخبرنا ابو عبد اللّه محمد بن الفضل، اخبرنا ابو الحسين عبد الغافر، اخبرنا ابو احمد محمد اخبرنا ابو اسحاق ابراهيم، اخبرنا ابو الحسين مسلم، حدثني زهير بن حرب و اسحاق بن منصور قالا: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن مالك، عن ابي الزناد، عن الاعرج، عن ابي هريرة، عن النبي صلّى اللّه عليه و آله قال:
لا تقوم الساعة حتى يبعث دجالون كذابون قريبا من ثلاثين كلهم يزعم انه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله[1].
فلا وجه للجمع بينهما عندي الا هذا و ان يكن ابن الصياد أحد
[1]شرح صحيح مسلم للنووي ج 18 ص 45.
الدجالين فيجب حمله على هذا لئلا يلزم النقض في كلام الرسول صلّى اللّه عليه و آله لأنه رأى ابن الصياد قال: اخبرني تميم الداري انه رآه.
و اما الذي استدل على وجود الدجال بحديث ابن الصياد فقد زل و لم يكن علم الحديث من فنه و قد قال صلّى اللّه عليه و آله فمما رواه مسلم في صحيحه «ليس ما بين خلق آدم الى قيام الساعة خلق اكبر من الدجال»[1].
و اخبرنا محمد بن احمد الحافظ الامام بجامع دمشق و غيره، اخبرنا ابو عبد اللّه محمد بن علي، اخبرنا ابو عبد اللّه محمد بن الفضل، أخبرنا ابو الحسين عبد الغافر، اخبرنا ابو احمد محمد، اخبرنا ابو اسحاق ابراهيم، اخبرنا ابو الحسين مسلم الحافظ، حدثنا منصور بن ابي مزاحم، حدثنا يحيى بن حمزة عن الاوزاعي، عن اسحاق بن عبد اللّه عن عمه انس بن مالك أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله قال: يتبع الدجال من يهود اصبهان سبعون الفا عليهم الطيالسة.
قلت: هذا حديث متفق على صحته و هذا سياق مسلم[2].
و اما الدليل على بقاء ابليس اللعين فآي الكتاب نحو قوله تعالى:«قََالَ أَنْظِرْنِي إِلىََ يَوْمِ يُبْعَثُونَ `قََالَ إِنَّكَ مِنَ اَلْمُنْظَرِينَ»[3]
و اما بقاء المهدي عليه السلام: فقد جاء في الكتاب و السنة.
[1]شرح صحيح مسلم للنووي ج 18 ص 86.
[2]شرح صحيح مسلم ج 18 ص 85.
[3]سورة الاعراف الآية 15.