كما أن من المؤسف ان يلجأني التاريخ الى هذه الصراحة-و في الصراحة ما يظنه البعض قسوة-لقد حاولت جهدي أن أتعرف على حافظ من حفاظ السنة تحمّل العناء في حفظ ذلك التراث الطاهر و ثابر مجدا في أداء رسالته الى الأمة الإسلامية، و خلّف من الأثر الخالد ما يشهد له بعلوّ الكعب و عظيم القدر، و ذلك هو:
فى ترجمة المولف الكتابالحافظ ابو عبد اللّه محمد بن يوسف بن محمد الكنجي الشافعي
فقد حاولت كثيرا التعرف على حياته و تفصيل تاريخه و عبثا حاولت بالرغم من كثرة ما راجعت من المصادر المخصوصة بهذا الشأن و غيرها من مضان الحصول.
فقد راجعت ما وصلت اليه يدي من معاجم التراجم و قواميس الأعلام و فهارس الطبقات القديمة منها و الحديثة المختصرة و المطوّلة و التي يرجع اليها كل من شاء البحث عادة كـ (وفيات الاعيان) لابن خلكان-الذي عاصر الكنجي و مات بعده بسنة-و الذيل على الروضتين لأبي شامة و ذيل مرآة الزمان لليونيني[1]و هما من معاصري الكنجي و فوات الوفيات لابن شاكر و الوافي بالوفيات للصفدي و تذكرة الحفاظ للذهبي-معاصر الكنجي تقريبا- و البدر الطالع و تهذيب التهذيب و لسان الميزان لابن حجر و أمثالها من امهات المراجع فلم أجد بغيتي كما اريد.
فانعطفت نحو معاجم التراجم الحديثة و عقيدتي انها جمعت ما جمعه القدماء في مفرداتهم و استوفت تراجم الرجال بالبحث عن مؤلفاتهم، و هذه
[1]له فيه ترجمة، كما ذكر له شعر في ص 362 و ص 392 سنذكره فى ص 118.
الاخرى لم أجد فيها للمترجم له ذكرا اصلا و كأنّ الرجل لم يكن من الأعلام و أصحاب التأليف و انتشر من كتبه ما يكفي لتعريفه فخلت عنه الكتب التالية: الأعلام للزركلي بالعريبة و قاموس الأعلام-بالتركية- و ريحانة الأدب-بالفارسية-و حتى الفهارس المعنية باسماء الكتب فلم أجد فيها ما يغنينا كل الغناء و كل ما هناك انّ في كشف الظنون و ذيله هدية العارفين ورد اسم كتابين له مع تعريف بسيط جدا، و كنت اتوقع ان اتعرف عليه في معجم المطبوعات العربية و اكتفاء القنوع بما هو مطبوع و معجم المؤلفين لكحالة اما الاولان فلم يذكر مؤلف كل منهما عن كتابيه شيئا مع انهما مطبوعان متداولان، و أما كحالة فانه ذكره في ج 12، ص 134 و اشار الى مصادره فذكر منها «الصفدي الوافي 140 فهرس المؤلفين الظاهرية» و يشير بذلك إلى ترجمة الكنجي في الوافي بالوفيات للصفدي ج 5-254 ط بيروت فقد جاء فيها: و الفخر الكنجي: محمد بن يوسف بن محمد بن الفخر الكنجي نزيل دمشق عني بالحديث و سمع و رحل و حصل، كان اماما محدثا لكنه كان يميل إلى الرفض، جمع كتبا في التشيّع و داخل التتار، فانتدب له من تأذى منه فبقر جنبه بالجامع في سنة 658 و له شعر يدل على تشيّعه، و ذكر الأبيات في ص 118.
و توجهت بعد ذلك صوب المراجع التاريخية مستعرضا من الامهات تاريخ تلك الحقبة التي عاش فيها المترجم له فلم أقف بعد الجهد إلاّ على نبذة يسيرة في بعض تلك الكتب لا تكفي للتعرف على المترجم له تماما، و لكنها على ما فيها اضاءت لنا جانبا أو بعضه من حياته.
و حاولت ايضا ان استفيد مما كتبه من سبقنا الى البحث و التعليق على كتاب المؤلف الآخر «كفاية الطالب» لأستمد منه و يا للاسف لم اجد ما
يغني الباحث في تعريفه، فانه لم يذكر عن المؤلّف و المؤلّف سوى نقله قول صاحب كشف الظنون و أردفه مشيرا الى تخريج اثنين من الأعلام بعض الاحاديث عن كتاب المترجم له، و هو كما ترى لا يكفي في تعريف مؤلّف و تقديم مؤلّف و قد لاحظت على هذا المعلّق شيئا أود أن اطارفه به.
و ذلك اني رأيته في هذا المقام موجزا كل الايجاز و ربما كان مخلاّ للمناسبة التي من اجلها كتب ذلك.
لكن من الطريف اني قرأت له حديثا تقديم بعض الكتب فرأيته مسهبا مطنبا، و رأيته يتحدث للقارىء عن صاحبنا المترجم له بحكم حديثه عن كتاب «الغيبة» للشيخ الطوسي رحمه اللّه المطبوع في ايران سنة 1324 و نظرا الى الحاق الطابع كتاب «البيان» و هو هذا الذي نقدمه اليوم للقراء مرة ثالثة بهذه الحلة-بكتاب الغيبة، رأيته يتحدث عن كتاب «الغيبة» و ضمنا تحدث عن كتاب «البيان» و منه افضى بحديثه الى كتاب كفاية الطالب -الآنف الذكر-فسررت حين رأيته كتب و اطنب حتى بلغ ما كتبه عن التابع-البيان-اكثر مما كتب عن الأصل-الغيبة-و خمنت اني سأصيب ما يفتح لي الطريق الى معرفة المؤلّف، و لكن ما ان قرأت حديثه حتى رأيته لم يزد في تعريف المؤلف على ما ذكره آنفا على ظهر كتاب كفاية الطالب، و انما التوسع و التخمة من جهة نقل ديباجة المؤلف في كفاية الطالب و نقل تصريحه في الخاتمة بكتابه البيان، و من ذكر بعض مميزات الكتاب و سنة الطبع و مكانه مما لا تتوقف عليه حاجتنا، فافضى بحديث لم يكن البحث عنه هو المقصود بالاصالة، و لكنه سامحه اللّه شاء لنفسه ان يكون تعريفه كذلك بسيطا خاليا حتى من الاشارة الى اقدم من روى عنه الكتاب و قرأه عليه و هو بهاء الدين علي بن عيسى الاربلي الذي اخرج في كتابه كشف
الغمة عن كتابي المؤلف-الكفاية و البيان-و صرح بقراءتهما عليه و كشف الغمة كتاب مطبوع منتشر لا تخلو منه مكتبة المعلّق يقينا لما اعلمه من ضخامتها و نفاستها و جامعيتها كما انه لم يشر الى اظهر حادثة في تاريخه و هي شهادته و هذه الاخرى لم تكن باحدى بنات طبق حتى يعسر العثور عليها، نعم يحتاج العثور عليها الى شيء من الاصالة في البحث و المثابرة في التنقيب و انا لنعذره فانه لم يشأ ان يتجشم عناء البحث و إلا فليس ذلك عن قصور، كما اني فيما طارفته به لمعذور.
و الآن حين عذرنا «بحاثتنا» هذا لا نبخل بالعذر على (بحاثة مصر) الاستاذ احمد محمد شاكر حين علق عند ورود اسم المترجم له بخطه على بعض سماعات «الرسالة» للامام الشافعي فقال «لم اجد ترجمته و لا ترجمة ابنه جعفر» فانه أولى بالعذر.
وعدت مفكرا في سبيل تهديتي الى اكثر مما حصلت عليه في بعض تلكم المراجع التاريخية فلم أجد خيرا من أن أبحث عن الرجل في كتابيه و اقرأه من تأليفه، و فعلا كان ذلك هو السبيل الوحيد و لعله الصحيح ايضا و ان كان لم تنتظم به حلقات ايامه و بقي الفراغ بينا في بعض النواحي غيران الوجود الناقص-هنا-خير من العدم التام و في ذمة التاريخ ما نجهل، فليس من السّهل التعريف تماما برجل جهله او تجاهله حتى معاصروه و من قارب عصره فلم يولّوه عناية فيعرّفوه و خلت كتب المعاجم المعينة بهذا الشأن عن ذكره فلم نقف على ترجمة له وافية، و جل ما حصل لدينا عنه ذكر بعض المؤرخين له في حديثه عن واقعة التتار بالشام و حاول عن قصد او غير قصد قدحه و ذمه، و ذكره آخر ذكرا بسيطا لا يغني كل الغنا فضممت انا هذه النتف الى ما تعرفت به على المترجم له في كتابيه فكانت ترجمة ابسط ما
عرفت و اوسع ما رأيت له من ترجمة تكشف للقارىء جوانب ضن المؤرخون القدامى بها و عجز المحدثون عن كشفها من مخبئها.
فهذه معذرتي اقدمها للقراء عن انفراد حلقات تاريخ الرجل و عدم انتظامها في سلك و لا اقول اني احطت بجميع اخباره و بحثت جميع جوانب شخصيته، و لكن اقول هذا ما تيسر لي من تعريفه و من اللّه استمدالعون و التوفيق و هو ولي العصمة.
الكنجي كما قرأته في الاسانيد
قرأت المترجم له في الأسانيد فوجدته «ابا عبد اللّه محمد بن يوسف بن محمد النوفلى المعروف بالكنجي» هكذا وجدته بخطه[1]، و ذكر ذلك مكررا سوى (النوفلي) في كتابيه «كفاية الطالب» و «البيان» و زاد فيهما «الشافعي» .
و بهذا قد اغنانا هو عن انتظارما تجود به كتب من ذكره-على قلتهم-و ليته من هذه الناحية ذكر شيئا عن مولده و بيته و نشأته و سدّ الفراغ و كفانا جهد البحث، و لكنه مع الأسف لم يترك لنا ما يوقفنا على أيامه الاولى بل لم يتيسر لنا عنه إلا معرفته في سبع و عشرين سنة من اخريات ايامه و مع ذلك نجد الانفراد في سلكها و الغموض في بعضها و الى القارىء ما عرفناه عنه في:
[1]راجع مقدمة «الرسالة» للامام الشافعي بقلم الاستاذ احمد محمد شاكر طبع مصر سنة 1358 هـ 1950 م.
سنة 631 هتبتدىء معرفتنا به في هذه السنة[1]حيث درس على الحافظ العلامة مفتي الشام ابي عمرو عثمان بن عبد الرحمن بن عثمان المعروف بابن الصلاح المولود سنة 577 و المتوفى سنة 643 بدمشق، فقد حضر عليه في درس التفسير و الفقه و سمع منه الحديث، و عليه تفقه على مذهب الشافعي في هذه السنة، افادنا بجميع ذلك في اسانيد متعددة من كتابه كفاية الطالب و صرح بتفقهه على مذهب الشافعي في ص 230 من كتابه.
سنة 632 هلم نعرف عنه شيئا...
سنة 633 هفي هذه السنة كان سماعه بدمشق من شيخه المعمر عبد اللّه بن عمر الليثي فاقرأ حديثه في ص 232 كفاية الطالب قال:
(خبرنا المعمر عبد اللّه بن عمر الليثي سنة 633 قراءة عليه و انا اسمع بدمشق.
[1]إنما قلنا تبتدىء معرفتنا به في هذه السنة لأني لم اعثر على ذكر له قبلها. و قد ورد ذكر رجل اسمه أبو عبد اللّه محمد بن يوسف بن محمد الرسغي القرشي، و كان يحدث في فضائل آل البيت بالموصل و ذلك على عهد بدر الدين لؤلؤ، كما أنه تولى مشيخة دار الحديث بها في سنة 623 هـ و من المحتمل قريبا أن يكون هو الكنجي، و لكني لم أقطع بذلك فلم أذكره. راجع شذرات الذهب ج 2/100 و مناقب الإمام علي (ع) ص 1-2 كما في: الموصل في العهد الأتابكي/154 لسعيد الديوه جي.
سنة 634 هو في هذه السنة كان سماعه من شيخه الأزجي البغدادي فقال كما في أول الباب الثالث و العشرين من الكفاية: أخبرنا أبو الحسن ابن المغير البغدادي بدمشق سنة أربع و ثلاثين و ستمائة) و قال في ص 248 كفاية الطالب (اخبرنا المعمر ابو الحسن علي بن ابي عبد اللّه بن ابي الحسن الشيخ الصالح البغدادي الأزجي بجامع دمشق سنة 634) .
سنة 635 هو سمع في هذه السنة من شيخة المقريء ابن ابي البركات الهمداني فقال في ص 218 كفاية الطالب «اخبرنا الفقيه المقريء ابو الفضل جعفر بن علي ابن ابي البركات الهمداني-قدم الينا دمشق مفيدا سنة 635 و كان مولده بالاسكندرية سنة 546 و مات سنة 636 و كان راوية لزين الحفاظ و شيخ اهل الصنعة على التحقيق ابي طاهر احمد بن محمد بن ابراهيم السلفي الاصفهاني و كان ملازما له (لاحظ هذه الترجمة الموجزة لشيخه فكم حفظ بها نكات قد لا نجدها في الكتب المطولة) .
سنة 636 هلم نعرف عنه شيئا...
سنة 637 هفي هذه السنة حجّ بيت اللّه الحرام، و نقرأه في اسانيده متحملا للحديث
بمكة أخذا و سماعا، و كذا في منى و عرفات و في المدينة المنورة بين القبر الشريف و المنبر، و بمدينة خيبر، و اكبر الظن انه كان في سفره هذا مع الوزير الشامي الحسن بن سالم، فقد حدّث عن سماعه منه في تلك الاماكن التي ذكرناها فقال في ص 29 كفاية الطالب (اخبرنا المشايخ الحفاظ... و الحسن بن سالم بن علي بن سلام بعرفة يوم الاحد سنة 637 و قراءة عليه تجاه الكعبة المعظمة ثانيا) و ذكر في مكان آخر سماعه منه بمدينة الرسول صلّى اللّه عليه و آله و بمدينة خيبر سوى سماعاته الكثيرة منه بدمشق و ذكر في ص 175 سماعه بمنى من الحافظ محمد بن عمر بن عبد الكريم.
كما ان من المظنون قويا انه في سفره هذا في هذه السنة حضر بمكة على شيخ الحرم بشير التبريزي في درس التفسير و سمع منه راجع ص 205 كفاية الطالب، و كذلك سمع بمكة من الحافظ محمد المرسي المغربي فقد قال في ص 215 من كفاية الطالب (اخبرنا به أئمة الامصار و حفاظ الوقت شيخ الاسلام حجة العرب ابو عبد اللّه محمد بن ابي الفضل المرسي بمكة شرفها اللّه تعالى) و قال ايضا في ص 230 (و اخبرنا الحافظ ابو عبد اللّه محمد بن ابي الفضل المغربي النحوي بمكة حرسها اللّه) .
سنة 638 هـ و 639 هلا نعرف عن خبره فيهما شيئا...
سنة 640 هفي هذه السنة شدّ الرحال الى حلب يطلب الحديث من شيخه الحافظ