وان من الوفاء للفقيد نشر تراثه الذي انفق عليه طيلة حياته، وقد انبرى سماحة العلامة ولده إلى ابراز بعض ما الفه والده فى الفقه والاصول والرجال و ... وهذا من أهم ما يقدم للفقيد من الخدمات لتستفيد الحوزة العلمية من هذا التراث القيم أجزل الله تعالى لولده الأجر وأثابه على ذلك وتغمد الفقيد العظيم بالرحمة والرضوان.
باقر شريف القرشي
النجف الاشرف
15 رجب سنة 1430 ه
التبريزي قدس سره قدوة العلماء
ورد عن الرسول صلى الله عليه و آله-إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم فسعوهم بأخلاقكم- وورد عنه:أفاضلكم أحسنكم أخلاقاً الموطئون أكنافاً الذين يألفون ويؤلفون- لقد كان الأُستاذ الجواد التبريزي قدس سره مثالًا للشمائل المحمدية والأخلاق النبوية، ومن خلال معاشرتنا له اكتسبنا وتعلمنا منه مجموعة من الفضائل والقيم الروحية والتربوية نشير إلى بعض منها:
الف- الحنان الأبوي: لقد كان أباً حقيقياً لتلامذته فهو شديد العناية بالطلبة، كثير الابتسامة وافر الحنان والعطف الأبوي يسأل عن تلامذته إن غابوا، ويشجعهم على السؤال والمناقشة إن حضروا، ويدفعهم لكتابة البحوث والتعليق على آراء الأعلام.
ب- التواضع: لم يكن يعيش الشيخ المقدّس أي تكلّف في حياته فقد كان يستقبل الطلاب في كل وقت، ومن دون مواعيد مسبقه، وتراه عند أول الصباح إذا دخلت عليه المجلس يصنع لنفسه الشاي، ويحضر طعام الفطور ويجلس ليأكل مع من حضر من طلّابه، وعندما أقبلت عليه المرجعية لم تغير من لباسه البسيط ولا من مكان مجلسه، ولا من طريقة حياته فهو يمشي وحده للمسجد الأعظم للتدريس، ويخرج قبل الفجر وحده للحرم المشرف.
ج- نبذ الغرور: كان يوصي طلبته الأذكياء البارزين بعدم العجلة في الإشكال على كلمات الأعلام، وأن عليهم أن يتأملوا في الرأي مراراً
وتكراراً وعرضه على أهل الدقة والتأمل، فإن لم يجدوا له وجهاً وضعوه موضع التأمل، كما كان يوصي بعدم الاستعجال في دعوى الفقاهة وأهلية الرأي فإنه كما يقول يسيء لسمعة الطالب ويسيء للحوزة العلمية؛ لأنه يوجب الجرأة على المقامات العلمية الخطيرة.
د- اغتنام الفرصة: لم يكن يرضى الأُستاذ بقضاء الوقت في الحديث عن الناس أو عرض القضايا الشخصية، وكان يصرّ على جلسائه باغتنام كل دقيقة من الجلسة في طرح المسائل الفقهية والمعارف العقائدية أو الاشتغال بالذكر، حتى في سفراته أو رحلاته لا يرضى بقضاء الوقت في الترفيه وإنما يشغله دائماً بمذاكرة العلم والمعارف.
ه- احترام الكفاءة العلمية: لم يكن احترام الأُستاذ وتبجيله لأهل العلم على أساس العائلة أو الوجاهة الاجتماعية، وإنما كان على أساس الكفاءة العلمية، فتراه عندما يدخل عليه أحد الطلبة من أهل الفضل والدقة فإنه يحترمه ويقبل عليه، وإن لم يكن معروفاً ولا من عائلة معروفة، في حين لا يعطي هذا الاهتمام الكبير للمعمّم الذي لا ميزة له إلّاأنه ابن العائلة أو صاحب وجاهة اجتماعية ما لم يكن مشغولًا بخدمة المؤمنين وترويج العقيدة، وكم له من الفضائل والمناقب التي يصعب حصرها، نسأل اللَّه تعالى أن يوفقنا للسير على نهجه الخلقي الفاضل.
السيد منير الخباز
جمادى الأُولى سنة 1431 ه. ق
الميرزا التبريزي ثلمة لا يسدها شيء
إذا أردت أن اتحدث عن فضله وعلمه، أو أن تتحدث عن ورعه وتقواه، أو أن تتحدث عن جده واجتهاده، أو أن تتحدث عن صبره ومعاناته، أو أن تتحدث عن صدقه ومصداقيته، أو أن تتحدث عن تبصره وبصيرته، أو أن تتحدث عن سعة اطلاعه وواسع معرفته، أو أن تتحدث عن تحقيقه وتدقيقه، أو أن تتحدث عن تثبته وتتبعه، أو أن تتحدث عن تعقله وحكمته، أو أن تتحدث عن وضوح آرائه وصلابة مواقفه، أو أن تتحدث عن إقدامه وشجاعته، أو أن تتحدث عن تأنيه وحيطته، فأنت في كل ذلك كناقل التمر إلى هجر، أو كالمشير إلى الشمس في رابعة النهار، فشمسه الساطعة اليفة العيون المبصرة، لا يُذهلها عنها إلا انس العادة، ولا يصرفها إلا انشغال الإرادة.
أما اذا أردت الحديث عن شمس وجدانه الكامنة التي تستمد منها شمسُ سلوكه الساطعة، فلابد لك في اكتناه سرها أن تستجلي مجرى النور الذي يصلها بالشمس العظمى التي يجللها السحاب. حيث لا يكون مثله مرجعاً حقاً في حيز من الزمان إلا اذا تجاوزت روحه دائرة الزمان لترتبط بامام الزمان وترتشف النور من صاحب العصر والزمان.
فإلى أيمدى يجب أن ترتقيَ النفس، وإلى أيافق رحب يجب أن تسمو الروح، لتصبح كل حركة وسكنة تصدر عنها خاشعة لإمام زمانها، مستظلة بظل عنايته ورعايته، منبعثة من نبع رضاه، فما يُحرز فيها
رضاه عليه السلام مدار الحركة والسكون، وجوهر الكيان، والسر المقدس الذي به يُستخلف الانسان.
بهذا كان له قدس سره موقعُ المرجعية الحقة، وكان مرجعاً حقاً حارساً للعقيدة وحافظاً للشريعة وقائداً للمسيرة، نهل من نمير علمه الاعلام، واهتدى بحكيم آرائه العظام، واقتدى بسديد مواقفه الانام، واستنار بهديه التائهون في الظلمات، واستدفع به الحائرون ملتبس الشبهات.
ولا عجب، اذ هكذا تكون المنارة المستمدة من شعاع الامامة المعصومة، عِلماً واضحاً تستضيء به الامة، وركناً وثيقا يُلجئ إلى نهج الائمة، وحصناً حصيناً لا يتزعزع، وعزماً راسخاً لا يتزحزح، وتلبية صارمة لنداء الحق لا تتهيب، واقداماً حازماً لا يخاف في الله لومة لائم، وصبراً جميلًا يطوي المعاناة ويتجاوز الاخطار، يستمد من الأبوة المحمدية والعلوية ليُغرِق في العطاء والتضحية والايثار.
ولا تحسبن هذا المرتقى سهل المنال في زمن بلغ أو شارف ان يكون القابض فيه على دينه كالقابض على الجمر، والسائر فيه كالمتحرك بين قطرات المطر أو المتخطي بين مزالق الخطر.
في زمن اختلط فيه حابل الدين بنابل السياسة، وتحولت فيه الشعائر إلى شعار، واختُزِلت مصلحة الامة في مصلحة السلطة، ولم يبق ما يرسم الأولويات بين مقتضيات المرحلة ومقتضيات التاريخ، ولم يعد من فرق بين مسيرة الحاضر ومسيرة الحضارة، أو مائز بين سياسة تهدف إلى السلطة
وسياسة تهدف إلى حفظ الامة من السلطة، أو حفظها خارج دائرة السلطة.
في زمن التسبت فيه المرجعية الدينية بالمرجعية السياسية المتطبعة بالدين، فضلًا عن المتمرجعين، حتى ليحسب المتوجس ويظن المتهجس ان سلسلة المرجعية الدينية التاريخية الحقة التي جعلها الله مأمناً لرسالته قد انقطعت أو انها تكاد، فكان الميرزا جواد التبريزي، كان بحيث يمكن ان يقال في مفاصل الصراع:
كنا وكانوا وكان السدَّ يحجزهم
أن يستباح نمير النهر بالكدر
فالميرزا جواد التبريزي ليس مرجعاً يتحرك في دائرة أشعة الامام المعصوم، وانما هو مرجع لايتحرك الا في دائرة أشعة الامام المعصوم عليه السلام.
وشتان بين مرجعية يمكن أن تتجاوز حدود الدائرة لتبدأ من حق وتنتهي إلى باطل أو تمر بباطل، ومرجعية تصفو فيها البدايات والنهايات وما بينهما من المسافات.
هكذا عرفنا الميرزا قدس سره وبهذا امتاز، وبهذا الامتياز رجعت نفسه المطمئنة إلى ربها راضية مرضية، لكنه ترك ثلمة نخشى أن لا يسدها شيء.
الراجي فضل ربه
عبد الحليم شرارة العاملي
الفقيهُ التبريزي شلالُ الوَلاءِ وإعصارُ العِداء
بسم اللَّه الرحمن الرحيم
لستُ أنا هنا بصدد الحديث التحليلي عن شخصية المرجع الديني الكبير، سماحة آية اللَّه العظمى، الشيخ التبريزي (طيب اللَّه تربته، ورزقنا شفاعته) فإنَّ ذلك مما أعترف بعجزي وقصوري عنه، وإنما بصدد تجلية بعض اللمحات التي لمحتها شخصياً في شخصيته المباركة، والتي أجد من الضرورة تسجيلها وتخليدها، إذ لعلَّ غيري قد يفوته ذكرها.
1- اللمحةُ الأُولى: قوةُ التوكل:
من المراتب العالية جداً التي لا يصل لها إلا القلة من الأولياء: مرتبة التوكل، والتي تعني الاطمئنان التام، والثقة الكاملة بذات الحق سبحانه وتعالى، المنعكسة عن عمق المعرفة باللَّه، وقوة اليقين بجمال أفعاله وصفاته.
إذ ليس يقوى العبد على الوصول إلى شامخ هذه المرتبة، إلا فيما لو فَوَّضَ كل اموره إلى خالقه المدبّر، مع الاعتقاد الجازم بأنه تعالى لا يصنع بعبده إلا ما فيه صلاحه، وترى العبد المتوكل في هذه المرتبة لا يعرف طريقاً إلى الأسباب الظاهرية التي قد توصله إلى مطلوبه، لأنَّ قلبه قد ارتقى عنها مرتقىً بعيداً، وصار بحيث لا يعرف سوى ربه سبباً.
وهكذا كان شيخنا التبريزي (طيب اللَّه تربته، ورزقنا شفاعته) فإنه كان
في عظمة توكلهِ اعجوبةً من أعاجيب الزمان، وإنَّ مواقفه الشريفة لأوضحُ شاهد على ذلك، وسوف أكتفي بعرض موقف من مواقفه، فإنَّ فيه الكفاية للدلالة على ما اريد الاستشهاد عليه.
وذلك عندما وقف موقفه التأريخي حول موجة التشكيك في مصائب السيدة الطاهرة، المظلومة الشهيدة (أرواحنا لتراب نعلها الفداء) فإنه قد توالت عليه حينها الكثيرُ من الرسائل والفاكسات المهددة والمتوعدة، وهذا ما أوجب إثارة مشاعر الخوف والقلق عند ذويه وأصحابه، فطلبوا منه مرافقته عند خروجه من محل تدريسه- حيث كان لا يرضى بذلك في سابق الزمان- غير أنه قد رفض ذلك أشدَّ الرفض، وقال: إنَّ التي بذلتُ نفسي للدفاع عنها، هي التي ستتكفّل بحفظي.
وهكذا كانَ يخرجُ- كما كنّا نراه- من محل درسه في المسجد الأعظم، بجوار حرم كريمة الأئمة، وسليلة أهل العصمة (عليها أفضل الصلاة والتحية) ويتجه إلى بيته وحيداً، من غير أن يرافقه أحد، مع أنَّ تلك الفترة كانت من أصعب وأشدّ وأحرج الفترات التي عاشها (رضوان اللَّه عليه)، حيث كان فيها مُعرّضاً للخطر والضرر في أيّ لحظة، ولكنه مع ذلك لم يأبه ولم يعبأ، وهذا إن كان يكشف عن شيء فهو يكشف عن عمق يقين المعرفة لديه، وعظمة ثقته باللَّه وجنوده عليهم السلام.