بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 126

سجايا لحصول التوفيق‌

كان الطلبة لا سيما الشباب منهم دائماً يتساءلون عن السبب الذي أوصل الميرزا التبريزي قدس سره إلى هذه الدرجة الرفيعة من العلم والمعرفة وجعله يحدث هذا التحوّل العظيم في الحوزة العلمية من خلال تربيته للآلاف من طلبة العلم الفضلاء والمتدينين؟

إنّ التهجد بالأسحار كانت إحدى خصال الميرزا التبريزي قدس سره إذ كان يستيقظ قبل أذان الصبح بساعتين ويقوم بإحياء هذا الشطرمن الليل وفي ذلك يقول: «قولوا للطلبة أن يحيوا أسحارهم فإنها ساعات تقسيم الأرزاق».

وكان نفسه محافظاً على الذهاب إلى حرم السيدة المعصومة عليها السلام بعد منتصف الليل لأداء ورده العبادي والارتباط بخالقه من خلال التهجد والاحياء، فقد خصص هذا الوقت للارتباط الروحي بالله تعالى والمناجاة والتوسل بأهل بيت النبوة عليهم السلام، وكان كلما شاهده احد في تلك الليالي في الحرم المطهر أو في مسجد الإمام الحسن العسكري عليه السلام يستلهم منه العبر والدروس.


صفحه 127

ومن الخصوصيات الاخرى للميرزا التبريزي قدس سره أنه كان يولي أهمية خاصة لدروسه وأبحاثه كما لو أنه في ريعان شبابه ولا يسمح بتضييع لحظة واحدة من وقته، وبقي على هذه الوتيرة إلى آخر لحظات عمره‌[1]وفي ذلك يقول: «لا تيأسوا من الدراسة واطلبوا العون من الله لتحصيل العلم واستشفعوا بأهل البيت عليهم السلام في ذلك» هذه الجدية من الميرزا قدس سره صنعت المئات من الطلبة الفضلاء المؤمنين وخلفتهم تذكاراً عنه قدس سره وأغرقت الحوزة العلمية بخيرة الطلبة[2].

[1]ينبغي للمعلّم والمتعلّم ملازمة الاشتغال بالعلم في جميع أوقاتهم.

قال الشهيد رحمه الله في ذلك عند عدّ آداب المعلّم والمتعلّم:« أن لا يزال مجتهداً في الاشتغال قراءةً ومطالعةً وتعليقاً ومباحثةً ومذاكرة وفكراً وحفظاً وإقراءً وغيرها وأن تكون ملازمة الاشتغال بالعلم هي مطلوبه ورأس ماله فلا يشتغل بغيره من الأمور الدنيويّة مع الإمكان وبدونه يقتصر منه على قدر الضرورة وليكن بعد قضاء وظيفته من العلم بحسب أوراده ومن هنا قيل: أعط العلم كُلك يعطيك بعضه. وعن أبي عبداللَّه عليه السلام قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه و آله إنّ اللَّه عزّ و جلّ يقول: تذاكر العلم بين عبادي ممّا تحيا عليه القلوب الميتة إذا هم انتهوا فيه إلى أمري، وعن الباقر عليه السلام: رحم اللَّه عبداً أحيا العلم. فقيل: و ما إحياؤه؟ قال: أن يذاكر به أهل الدين و الورع. وعنه عليه السلام: تذاكر العلم دراسة والدراسة صلاة حسنة.[ منية المريد، ص 66]

[2]إنّ للتعليم والتدريس منزلة رفيعة، قال الشهيد رحمه الله في ذلك:« اعلم أنّ التعليم هو الأصل الذي به قوام الدين وبه يؤمن انمحاق العلم فهو من أهمّ العبادات وآكد فروض الكفايات، قال اللَّه تعالى:« وَ إِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَ لا تَكْتُمُونَهُ». وقال اللَّه تعالى:« إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَ الْهُدى‌ مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتابِ أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَ يَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ». ومن مشاهير الأخبار قوله عليه السلام:( ليبلغ الشاهد منكم الغائب) والأخبار بمعناه كثيرة».[ منية المريد، ص 72]


صفحه 128

كان توكل الميرزا قدس سره على الله في اموره حديث العام والخاص دائم التوسل بأهل البيت عليهم السلام وينصح الطلبة أن يتعلقوا بحبالهم فانهم عليهم السلام إن تلطفوا بنا فإن مشاكلنا محلولة بإذن الله تعالى.

قال قدس سره: «انهم وسيلتنا للنجاة في الدنيا والآخرة، الوسيلة التي قال الله عنها: «وابتغوا اليه الوسيلة» وهم أهل بيت النبوة عليهم السلام وعليه فينبغي عليكم التوسل بهم وشكاية اموركم اليهم بكل خضوع وخشوع.

يقول نجل الميرزا التبريزي قدس سره: لم أر الفقيه المقدس قدس سره يطالع جريدة يوماً من الأيام طوال عمره الشريف وإذا ما سئل عن كيفية اطلاعه على أخبار العالم والمسائل اليومية ومشكلات الناس والظلم الذي يتعرضون له كان يجيبهم: «انني أطلع على كل ذلك عبر جهاز المذياع الذي لدي». كان المرحوم التبريزي قدس سره يستمع من المذياع إلى أخبار الداخل والخارج أثناء برنامج مطالعته وكان يأبى تضييع الوقت في قراءة الصحف والجرائد وفي ذلك يقول: «لا اريد لعيوني أن تستهلك في غير علوم آل محمد صلى الله عليه و آله».

تنظيم الأعمال والدقة في الوقت كان من جملة الخصائص الاخرى التي تميّز بها الميرزا قدس سره وأولاها أهمية حيث تقول في ذلك عائلته: «كنا ننظم ساعتنا اعتماداً على أعمال الميرزا لدقته في الأوقات وتنظيمه‌


صفحه 129

لأعماله، فقد كان لديه برنامج نهاري وآخر ليلي دقيقين، كان يستفيد من وقته بالنحو الأحسن والأكمل عبر هذين البرنامجين.

الخصوصية الاخرى عند الميرزا هي التواضع المفرط، فلم يكن يعتبر نفسه سوى طالب علم‌[1]فيقول في ذلك: «انني واحد من طلبة العلم وسأبقى عبارة عن طالب علم على الدوام، ولم افكر يوماً ولن أفعل، على أنني مرجع، فان لذة طلب العلم لا توازيها أي‌لذة اخرى، انني كواحد من الطلبة وسأعيش كأحدهم إلى آخر عمري»[2].

[1]لابدّ للعالم من التواضع خصوصاً المعلّم بالنسبة إلى تلامذته.

قال الشهيد رحمه الله في ذلك حين عدّ آداب المعلّم مع طلبته:« أن لا يتعاظم على المتعلّمين، بل يلين لهم ويتواضع، قال تعالى:« وَ اخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ»وقال صلى الله عليه و آله:( إنّ اللَّه أوحى إليّ أن تواضعوا) وقال صلى الله عليه و آله:( ما نقصت صدقة من مال وما زاد اللَّه عبداً بعفو إلّاعزّاً وما تواضع أحدٌ للَّه‌إلّارفعه اللَّه) وهذا في التواضع لمطلق الناس فكيف بهؤلاء الذين هم معه كالأولاد مع ما هم عليه من ملازمتهم له واعتمادهم عليه في طلب العلم النافع ومع ما هم عليه من حقّ الصحبة وحرمة التردّد وشرف المحبّة وصدق التودّد».[ منية المريد، ص 82]

[2]لابدّ للعالم من الاحتراز عن الثناء على نفسه وتزكيتها.

قال الشهيد رحمه الله في ذلك:« وقد قال اللَّه تعالى:« فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ»وقيل لبعض العلماء: ما الصدق القبيح؟ قال: ثناء المرء على نفسه. واعلم أن ثناءك على نفسك مع قبحه ونهي اللَّه تعالى عنه ينقص قدرك عند الناس ويوجب مقتك عند اللَّه تعالى وإذا أردت أن تعرف أنّ ثناءك على نفسك لا يزيد في قدرك عند غيرك فانظر إلى أقرانك إذا أثنوا على أنفسهم بالفضل كيف يستنكره قلبك ويستثقله طبعك وكيف تذمّهم عليه إذا فارقتهم فاعلم أنّهم أيضاً في حال تزكيتك نفسك يذمّونك بقلوبهم ناجزاً ويظهرونه بألسنتهم إذا فارقتهم».[ منية المريد، ص 184]


صفحه 130

وكان يأبى أن يذكر على الألسن بعنوانه المرجعي حتى أنه كان يغضب من قارئ العزاء حينما كان يتعرض لاسمه ويقول: إن المنبر هو محل لذكر أسماء أهل البيت عليهم السلام. ومما قاله أيضاً: «لو لم تكن المرجعية تكليف إلهي فإنني لم أكن لأتقبلها البتة وكنت لا أنشغل الّا بتحصيل العلوم وتدريسها كبقية طلبة العلم في كل أوقاتي لكنها القيت على عاتقي كتكليف إلهي ودعائي إلى من الله تعالى أن يوفقني لأن أقوم بواجبي على أحسن وجه»[1].

[1]الإفتاء للناس واجب كفاية وكذا تحصيل مرتبته.

قال الشهيد رحمه الله في ذلك:« الإفتاء فرض كفاية وكذا تحصيل مرتبته فإذا سئل وليس هناك غيره تعيّن عليه الجواب وإن كان ثمّ غيره وحضر فالجواب في حقّهما فرض كفاية» ثم قال:« وإذا لم يكن في الناحية مفتٍ وجب السعي على كلّ مكلّف بها يمكنه تحصيل شرائطها كفاية فإنّ أخلّوا جميعاً بالسعي اشتركوا جميعاً في الإثم والفسق ولا يسقط هذا الوجوب عن البعض باشتغال البعض بل بوصوله إلى المرتبة لجواز أن لا يصل المشتغل إليها لموت وغيره ولا يكفي في سقوط الوجوب ظنّ الوصول».[ منية المريد، ص 151]


صفحه 131

آداب قبل شروع الدرس‌

من سمات الفقيه المقدس الميرزا التبريزي قدس سره سعيه الحثيث إلى إيصال رسالته للآخرين لاسيما تلامذته بكل حركة من حركاته وسكناته، فكانت أعماله هادفة ولايصدر منه فعل أو قول أمام الناس إلا عن دقة وحساب فائقين غالباً[1]، فإذا ما دخل المسجد الأعظم لإلقاء دروسه صلى ركعتين ثم رفع يديه إلى السماء للدعاء ثم يرتقي المنبر لإلقاء دروسه، وكان لهذا العمل الأثر البالغ في روحية الطلبة؛ حيث كانوا يشاهدون بأعينهم هذا المرجع بهذه المرتبة العظيمة وبهذا العلم الغزير يجثو قبل إلقاء درسه في ساحة القدس الإلهي ليطلب المدد والعون، وهذا بحدّ ذاته رسالة إلى جميع‌

[1]لابدّ للمعلّم أن يهتمّ بظاهر أعماله وأفعاله أيضاً.

قال الشهيد رحمه الله في ذلك:« أن يحترز من مخالفة أفعاله لأقواله وإن كانت على الوجه الشرعي مثل أن يحرّم شيئاً ويفعله أو يوجب شيئاً ويتركه أو يندب إلى فعل شي‌ء ولا يفعله وإن كان فعله ذلك مطابقاً للشرع بحسب حاله فإنّ الأحكام الشرعيّة تختلف باختلاف الأشخاص كما لو أمر بتشييع الجنائز وباقي أحكامهم وأمر بالصيام وقضاء حوائج المؤمنين وأفعال البرّ وزيارة قبور الأنبياء والأئمة ولم يفعل ذلك لاشتغاله بما هو أهمّ منه بحيث ينافي اشتغاله بما يأمر به ما هو فيه والحال أنّه أفضل أو متعين وحينئذ فالواجب عليه مع خوف التباس الأمر أن يبيّن الوجه الموجب للمخالفة دفعاً للوسواس الشيطاني من قلب السامع» إلى أن قال:« وبالجملة فمثل العالم والمتعلّم في انتقاشه بأخلاقه وأفعاله مثل الفصّ والشمع فإنّه لا ينتقش في الشمع إلّاما هو منقوش في الفص وقد شاهدنا هذا عياناً في جماعات من طلبة العلم مع مشايخهم على اختلاف أفعالهم وأخلاقهم».[ منية المريد، ص 77]


صفحه 132

المتصدين للتدريس، لقد أراد القول إن على الانسان المتدين أينما كان ومهما كان عمله أن يلتجأ إلى الله تعالى ويتوسل بأهل البيت عليهم السلام ويطلب منهم العناية والمدد[1].

[1]ينبغي للمعلّم قبل شروع الدرس مراعاة آداب، قال الشهيد رحمه الله في ذلك:« أن يسلّم على من حضر إذا وصل إلى المجلس ويصلّي ركعتين تحيّة المسجد إن كان مسجداً وإلّا نوى‌ بهما الشكر للَّه‌تعالى على توفيقه وتأهيله لذلك أو الحاجة إلى تسديده وتأييده وعصمته من الخطأ أو مطلقتين فإن( الصلاة خير موضوع)». ثم قال:« يدعو بعدهما بالتوفيق والإعانة والعصمة» ثم قال:« أن ينوي قبل شروعه بل حين خروجه من منزله تعليم العلم ونشره وبثّ الفوائد الشرعية وتبليغ الأحكام الدينيّة التي اؤتمن عليها وأمر ببيانها والازدياد في العلم بالمذاكرة وإظهار الصواب والرجوع إلى الحق والاجتماع على ذكر اللَّه تعالى والدعاء للعلماء الماضين والسلف الصالحين وغير ذلك ممّا يحضره من المقاصد. فإنّ بإحضارها بالبال وكثرتها يزيد ثواب العمل فإنّما الأعمال بالنيات».[ منية المريد، ص 91 و 92]


صفحه 133

ضرورة دراسة الكتب التقليدية

ومن النكات التي كان الميرزا التبريزي قدس سره يوصي بها الطلبة الشباب هي ضرورة دراسة الكتب الحوزوية التقليدية وعدم الخروج عن اطارها، فكان مخالفاً لمناهج التدريس الجديدة أشد المخالفة، يقول في ذلك:

«على طالب العلم أن يقتدي بسلفه في طريقة طلب العلم وقراءة الكتب التي كان عليها السلف فإنها تصنع من الانسان عالماً بحق».

كان مخالفاً لتغيير مناهج الدرس الحوزوي والعدول عن الكتب الحوزوية، وكان يرى ضرورة ترك الحرية للطلاب في انتخاب الكتاب الذي يريدون دراسته من الكتب القديمة، حتى يستطيع كل واحد منهم الدراسة بحسب ما لديه من استعداد وقدرة على ذلك‌[1]، وكان مخالفاً لانتقال الدروس إلى المدارس، وقد أعلن عن ذلك مراراً أيام حياته، وكان يعتقد بضرورة ترك الحرية للطالب في انتخاب وقت الدرس بحسب‌

[1]لابدّ لطالب العلم من مراعاة استعداده وفهمه.

قال الشهيد رحمه الله في آداب المتعلّم في درسه:« أن يقتصر من المطالعة على ما يحتمله فهمه وينساق إليه ذهنه ولا يمجّه طبعه وليحذر من الاشتغال بما يبدّد الفكر ويحيّر الذهن من الكتب الكثيرة وتفاريق التصانيف فإنّه يضيّع زمانه ويفرّق ذهنه. وليعط الكتاب الذي يقرؤه والفنّ الذي يأخذه كلّيته حتّى يتقنه حذراً من الخبط والانتقال المؤدّي إلى التضييع وعدم الفلاح ومن هذا الباب الاشتغال بكتب الخلاف في العقليّات ونحوها قبل أن يصحّ فهمه ويستقرّ رأيه على الحق ويحسن ذهنه في فهم الجواب وهذا أمر يختلف باختلاف النفوس والإنسان فيه على نفسه بصيرة.[ منية المريد، ص 135]