بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 135

الاحترام لكتب الفقه والحديث‌

كان الفقيه الكبير المرحوم الميرزا جواد التبريزي قدس سره دقيقاً وحذراً في حمل كتب الفقه والحديث، ولأجل أن يأخذ كتاباً ما فانه كان يرفع أحياناً عدد من الكتب ويضعها على الأرض حتى يصل إلى الكتاب الذي يحتاجه.

وكان يولي احتراماً خاصاً لكتب الفقه والحديث عندما ينقلها من مكان إلى آخر فكان يراعي الدقة والاحترام عند نقلها[1]، ويقول دائماً: «إن هذه الكتب تحتوي على الأحاديث الشريفة لأهل البيت عليهم السلام فانقلوها بدقة واحترام». وكان ينحني بشدة حتى يضع الكتاب على الأرض أو على الطاولة، وأحياناً يقبل الكتب احتراماً لما تحتويه من علوم ومعارف لأهل البيت عليهم السلام، وكان هذا درساً لجلسائه والمحيطين به.

[1]ينبغي لطالب العلم مراعاة الأدب بالنسبة إلى كتبه.

قال الشهيد رحمه الله في ذلك:« ... ويراعي الأدب في وضع الكتب باعتبار علومها وشرفها وشرف مصنّفها فيضع الأشرف أعلى الكلّ ثم يراعي التدريج فإن كان فيها المصحف الكريم جعله أعلى الكل والأولى أن يكون في خريطة ذات عروة في مسمار أو وتد في حائط طاهر نظيف في صدر المجلس ثمّ كتب الحديث الصرف ثم تفسير القرآن ثم تفسير الحديث ثم أصول الدين ثم أصول الفقه ثم الفقه ثم العربية. ولا يضع ذات القطع الكبير فوق ذوات الصغير لئلّا يكثر تساقطها ولا يكثر وضع الردة في أثنائه لئلّا يسرع تكسّرها». ثم قال:« أن لا يجعل الكتاب خزانة للكراريس أو غيرها ولا مخدة ولا مروحة ولا مكنساً ولا مسنداً ولا متكئاً ولا مقتلة للبراغيث وغيرها لا سيّما في الورق ولا يطوي حاشية الورقة أو زاويتها ولا يعلم بعود أو بشي‌ء جاف بل بورقة لطيفة ونحوها وإذا ظفر فلا يكبس ظفره قوياً».[ منية المريد، ص 193 و 194]


صفحه 136

ويقول ابنه: لم أر والدي يوماً يمد رجله اثناء المطالعة وكان يجلس باحترام والكتب تحيط به من كل جانب وأثناء درسه كان يقول: «ان حمل هذه الكتب بهذه الأيدي أمان من نار جهنم لأن فيها أحاديث ومعارف أهل البيت عليهم السلام».

إقامة مجالس العزاء لأهل بيت النبوة عليهم السلام‌

كان فقيه أهل البيت الميرزا جواد التبريزي قدس سره معروفاً بشدة البكاء في مجالس عزاء أهل البيت عليهم السلام الأمر الذي كان له الأثر العجيب على الحاضرين فكان الطلبة لاسيما الشباب منهم يهيمون في النظر إلى وجهه النوراني الذي يجود بزخات الدموع كسحاب مثقل بالمطر.

ولطالما كرر الميرزا قدس سره هذه العبارات على ابنه: «اطلبوا من الخطباء أن يطيلوا في ذكر المصيبة»، فقد كان مولعاً بسماع مصائب أهل البيت عليهم السلام يكفكف دموعه بكامل التواضع بذلك المنديل الأسود الذي أوصى بدفنه معه في القبر، ثم يهيم بحالته الروحانية تلك في محبة أهل البيت عليهم السلام ويذرف غزيز دمعته لمصائبهم، وكان يهدف إلى اضفاء هذه الحالة العزائية على الآخرين إضافةً إلى التزامه بها، فاذا ما رأى أحد الحاضرين غير مكترث بالمصيبة نبّهه بنفسه أو عبر واسطة.

وكان يقيم مأتماً للعزاء في صباح كل خميس في مكتبه ويحضره بنفسه بكل رغبة وشوق متأدباً في مجلس ذكر مقامات أهل البيت عليهم السلام.


صفحه 137

أحاديث أهل البيت وعلوم آل محمد عليهم السلام‌

لقد كان الفقيه المقدس الميرزا التبريزي قدس سره شديد التأنّي في تقليب الكتب و في انتقاء الكتاب الذي يستند عليه وربما حدث أن تناول العديد من الكتب ثم يرجعها إلى مكانها إلى أن ينتخب منها كتاباً، كان يولي الكتب الروائية والفقهية احتراماً خاصاً[1]ويتناولها بكل احترام وعناية ومما ينقل عنه في ذلك قوله دائماً «إنها أحاديث وعلوم ومعارف أهل البيت عليهم السلام الشريفة فانتبهوا في حملها ونقلها».

لم يلحظ على الميرزا التبريزي قدس سره يوماً أنه تناول كتاباً ثم ألقاه إلى‌

[1]إن لعلمي الحديث والفقه شرفاً عظيماً وكذا كتبهما باعتبارهما.

قال الشهيد رحمه الله في ذلك:« وأمّا علم الحديث فهو أجلّ العلوم قدراً وأعلاها رتبةً وأعظمها مثوبةً بعد القرآن وهو ما أضيف إلى النبي صلى الله عليه و آله أو إلى الأئمة المعصومين عليه السلام قولًا أو فعلًا أو تقريراً أو صفةً حتى الحركات والسكنات واليقظة والنوم وهو ضربان رواية ودراية. فالأوّل العلم بما ذكر. والثاني وهو المراد بعلم الحديث عند الإطلاق وهو علم يعرف به معاني ما ذكر ومتنه وطرقه وصحيحه وسقيمه وما يحتاج إليه من شروط الرواية وأصناف المرويّات ليعرف المقبول منه والمردود ليعمل به أو يجتنب. وهو أفضل العلمين فإنّ الغرض الذاتيّ منهما هو العمل والدراية هي السبب القريب له وقد روي عن الصادق عليه السلام أنه قال:( خبر تدريه خير من ألف ترويه)» إلى أن قال:« وأمّا الفقه فأصله- في اللغة- الفهم أو فهم الأشياء الدقيقة- وفي الاصطلاح: علم بحكم شرعي فرعيّ مكتسب من دليل تفصيلي سواء كان من نصه أم استنباطاً منه وفائدته امتثال أوامر اللَّه تعالى واجتناب نواهيه المحصّلان للفوائد الدنيويّة والأخروية. وممّا ورد في فضله وآدابه خبر:( من يرد اللَّه به خيرا فقّهه في الدين) ...».[ منية المريد، ص 212 و 215]


صفحه 138

الأرض؛ بل كان ينحني إلى أن يضعه بيده على الأرض أو على الطاولة، وكان ذلك درساً لكل من كان حوله.

يقول نجله: لم أرَ والدي المرحوم يمد رجليه أثناء المطالعة قط، فكان يجلس جلسة المتربع دائماً وينشغل بمطالعته بين كتبه التي تحيط به من كل جانب، وكان يحمل كتبه الفقهية والروائية بنفسه إذا ما توجه لإعطاء الدرس وكان الميرزا يقول في ذلك: «إن حمل هذه الكتب أمان ليدي من نار جهنم لأنها معارف أهل البيت عليهم السلام وفقه آل محمد صلى الله عليه و آله».


صفحه 139

اقامة مجالس أهل البيت عليهم السلام حفظ للشعائر

لقد كانت اللحظات التي يحضر فيها الفقيه المقدس الميرزا جواد التبريزي قدس سره مجالس عزاء أهل البيت عليهم السلام مفيدة ومؤثرة جداً في الآخرين، فإذا ما حضر مجلساً للعزاء (قبل مرضه) يرفض الوسائد والمساند التي تقدم له، ويفضّل الجلوس بما يتناسب مع مجلس العزاء ويقول: «ينبغي أن لا يكون حضورنا في مجالس العزاء كحضورنا في مجالس الاستراحة، فمجالس أهل البيت عليهم السلام اضافة إلى كونها حفاظاً على الشعائر ويجب على كل فرد المشاركة فيها بأيِّ نحوٍ أمكن هي مجالس تبجيلهم وذكر فضائلهم ومناقبهم عليهم السلام، ومن ثَمّ ينبغي التأدب والتواضع ونكران الذات فيها، ولو كان المشارك فيها مرجعاً للتقليد، لذا لا تخصصوا لي مكاناً في المجلس اعتدّ فيه بنفسي، إنني أحضر في هذه المجالس عملًا بالتكليف وابرازاً للحب والتقدير والتبجيل والعشق لأهل بيت النبوة عليهم السلام، وإني لآمل أن يكون هذا العمل ذخيرة ليوم‌«لا ينفع مال ولا بنون». لقد كان قدس سره من المعزّين الحقيقيين لأهل البيت عليهم السلام، يقيم المآتم لهم في كل مناسبة ويحضر فيها بنفسه، ويذرف دموعه كزخات المطر، وللحقيقة فقد انحصرت مجالس الميرزا بشخصه المبارك، فنظرة واحدة إلى شخصه كانت كافية لاحداث هزّة في عمق الانسان. كان المعلم والمربي المخلص، وبغيابه أحدث فراغاً ملحوظاً في الحوزة العلمية، واحترقت لفقده الكثير من قلوب الفضلاء والطلبة.


صفحه 140

دروس ولائيّة

كان الفقيه المقدس الميرزا جواد التبريزي قدس سره ملتزماً باصطحاب منديل أسود خاص لمسح دموع البكاء على مصائب أهل البيت عليهم السلام، وقلّما ينسى اصطحابه معه، كان يتفق أن يشارك فجأة في مجلس من مجالس العزاء ولايكون معه ذلك المنديل، لكن بالنسبة للمجالس التي عنده علم مسبق بها كان يصطحب معه منديلين يمسح بهما دموع البكاء على مصائب أهل البيت عليهم السلام، وكان ملتزماً بذلك ويقول دائماً: «إنني اريد هذين المنديلين لقبري وقد أوصيت بدفنهما معي ليكونا أماناً لي في قبري ويوم معادي».

وقد وفق أبناء الميرزا قدس سره بحمد الله إلى تنفيذ هذه الوصية فوضع منديل في يده المباركة والآخر على صدره.

وبهذا العمل يكون قد علمنا درساً آخر من دروس الولاء وابراز المحبة لآل البيت عليهم السلام؛ وهو أن نسعى لتحصيل الأمان لأنفسنا من عذاب القبر بالتمسك بهذه الطريقة، فنمسح دموع بكاءنا على أهل البيت عليهم السلام بمنديل خاص ليكون أماناً لنا في القبر وعند المعاد ونوراً يوم القيامة.

لقد كانت تلك المناديل شاهداً على ابراز محبته قدس سره وعواطفه تجاه أهل البيت عليهم السلام، فهنيئاً له فقد عاش سعيداً ومات سعيداً.


صفحه 141

البكاء لمظلوميّة أهل البيت عليهم السلام‌

كان لدى الفقيه المقدس الميرزا التبريزي قدس سره منديلان أسودان يحملهما إذا ما أراد المشاركة في مجالس العزاء فيستخدمهما لمسح دموعه في مصائب أهل البيت عليهم السلام ويحافظ عليهما فإذا ما انتهى من مجلس العزاء وضعهما في مكان خاص وأكد على أولاده في ضمن وصاياه: «أن يجعلوا هذين المنديلين في أكفانه عند رحلته».

وعند عروج روحه المقدسة وقبل تكفينه لم يعثروا على ذينك المنديلين رغم البحث والتفتيش، ولمّا أحضروا الأكفان ليدرجوه فيها فتحوا الكفن وإذا بالمنديلين داخل الكفن، حينها علموا أن الميرزا المرحوم قد جعلهما داخل أكفانه بنفسه قبل توجهه إلى المستشفى (وهو آخر مستشفى يتلقى فيه العلاج وقد توفي فيه)، فوضعوا منديلًا في يده اليمنى والآخر على صدره المبارك، هذا المنديل الذي كان الميرزا يمسح به دموعه لسنوات طويلة، ويقول مرات ومرات: إذا كان هناك من شي‌ء ينفعني في آخرتي فهو هذان المنديلان اللذان مسحت بهما دموع العشق لأهل البيت على مدار أعوام طويلة، وها قد دفنا معه ليكونا شاهدين نافعين له في قبره وعند معاده؛ لأنه كان يمسح بهما دموع عينيه الجارية على مصائب أهل بيت النبوة لسنين متمادية، وبهذا يكون قد أعطانا درساً آخر في الولاء بأن على الجميع أن يبذل جميع ما يمكن لابراز محبته ومشاعره تجاه مظلومية أهل البيت لتكون شافعة نافعة لنا في قبرنا وعند معادنا.


صفحه 142

الحفاظ على شعائر سيّدالشهداء عليه السلام‌

كان الفقيه المقدس الميرزا جواد التبريزي قدس سره يسعى جاهداً للحفاظ على شعائر سيدالشهداء عليه السلام ويقف كالطود الأشم بوجه كل من تسوّل له نفسه ترويج الشبهات، وبعد سقوط النظام في العراق، وشروع الوهابية بالقتل الجماعي للشيعة المظلومين داخل العراق، أخذت الأسئلة تنهال على الشيخ بخصوص اقامة بعض الشعائر الحسينية والسفر لزيارة كربلاء.

(وكان من يسأل تلك الأسئلة يتوقع أن يقوم الشيخ الميرزا بتحريم السفر إلى كربلاء وتحريم اقامة بعض الشعائر الحسينية في ظل تلك الأوضاع) لكن المرحوم الميرزا كان يجيبهم بكل إخلاص وتواضع: «إنني لا أتدخّل في قضايا سيد الشهداء الإمام الحسين عليه السلام، فالتدخّل في مثل تلك القضايا يحتاج إلى جرأة لا أملكها، إذ كل رأي يحتاج إلى جواب غداً أمام الباري عز وجل ولا قدرة لي على الإجابة أمامه تعالى، إنني أعشق الإمام الحسين عليه السلام ومستعد لتقديم كل ما لدي في سبيل الإمام الحسين عليه السلام، وإنني أعتقد أن كل ما يفعلونه سوف لن يقصّر من عزيمة المؤمنين لزيارة الإمام الحسين عليه السلام وابرازهم الشوق والمحبة له؛ بل على العكس تماماً إن ارادة المؤمنين وشوقهم سوف يزداد يوماً عن يوم. إن كل واحد يشخّص تكليفه ووظيفته في هذه المسائل، فما الإشكال في أن يقدّم الإنسان روحه في سبيل زيارة الإمام الحسين عليه السلام؟! وهل نحن أفضل من أهل البيت عليهم السلام؟! فقد تخلّوا عن كل ما لديهم في سبيل الله، حفظ الله هؤلاء الشباب‌