اقامة مجالس أهل البيت عليهم السلام حفظ للشعائر
لقد كانت اللحظات التي يحضر فيها الفقيه المقدس الميرزا جواد التبريزي قدس سره مجالس عزاء أهل البيت عليهم السلام مفيدة ومؤثرة جداً في الآخرين، فإذا ما حضر مجلساً للعزاء (قبل مرضه) يرفض الوسائد والمساند التي تقدم له، ويفضّل الجلوس بما يتناسب مع مجلس العزاء ويقول: «ينبغي أن لا يكون حضورنا في مجالس العزاء كحضورنا في مجالس الاستراحة، فمجالس أهل البيت عليهم السلام اضافة إلى كونها حفاظاً على الشعائر ويجب على كل فرد المشاركة فيها بأيِّ نحوٍ أمكن هي مجالس تبجيلهم وذكر فضائلهم ومناقبهم عليهم السلام، ومن ثَمّ ينبغي التأدب والتواضع ونكران الذات فيها، ولو كان المشارك فيها مرجعاً للتقليد، لذا لا تخصصوا لي مكاناً في المجلس اعتدّ فيه بنفسي، إنني أحضر في هذه المجالس عملًا بالتكليف وابرازاً للحب والتقدير والتبجيل والعشق لأهل بيت النبوة عليهم السلام، وإني لآمل أن يكون هذا العمل ذخيرة ليوم«لا ينفع مال ولا بنون». لقد كان قدس سره من المعزّين الحقيقيين لأهل البيت عليهم السلام، يقيم المآتم لهم في كل مناسبة ويحضر فيها بنفسه، ويذرف دموعه كزخات المطر، وللحقيقة فقد انحصرت مجالس الميرزا بشخصه المبارك، فنظرة واحدة إلى شخصه كانت كافية لاحداث هزّة في عمق الانسان. كان المعلم والمربي المخلص، وبغيابه أحدث فراغاً ملحوظاً في الحوزة العلمية، واحترقت لفقده الكثير من قلوب الفضلاء والطلبة.
دروس ولائيّة
كان الفقيه المقدس الميرزا جواد التبريزي قدس سره ملتزماً باصطحاب منديل أسود خاص لمسح دموع البكاء على مصائب أهل البيت عليهم السلام، وقلّما ينسى اصطحابه معه، كان يتفق أن يشارك فجأة في مجلس من مجالس العزاء ولايكون معه ذلك المنديل، لكن بالنسبة للمجالس التي عنده علم مسبق بها كان يصطحب معه منديلين يمسح بهما دموع البكاء على مصائب أهل البيت عليهم السلام، وكان ملتزماً بذلك ويقول دائماً: «إنني اريد هذين المنديلين لقبري وقد أوصيت بدفنهما معي ليكونا أماناً لي في قبري ويوم معادي».
وقد وفق أبناء الميرزا قدس سره بحمد الله إلى تنفيذ هذه الوصية فوضع منديل في يده المباركة والآخر على صدره.
وبهذا العمل يكون قد علمنا درساً آخر من دروس الولاء وابراز المحبة لآل البيت عليهم السلام؛ وهو أن نسعى لتحصيل الأمان لأنفسنا من عذاب القبر بالتمسك بهذه الطريقة، فنمسح دموع بكاءنا على أهل البيت عليهم السلام بمنديل خاص ليكون أماناً لنا في القبر وعند المعاد ونوراً يوم القيامة.
لقد كانت تلك المناديل شاهداً على ابراز محبته قدس سره وعواطفه تجاه أهل البيت عليهم السلام، فهنيئاً له فقد عاش سعيداً ومات سعيداً.
البكاء لمظلوميّة أهل البيت عليهم السلام
كان لدى الفقيه المقدس الميرزا التبريزي قدس سره منديلان أسودان يحملهما إذا ما أراد المشاركة في مجالس العزاء فيستخدمهما لمسح دموعه في مصائب أهل البيت عليهم السلام ويحافظ عليهما فإذا ما انتهى من مجلس العزاء وضعهما في مكان خاص وأكد على أولاده في ضمن وصاياه: «أن يجعلوا هذين المنديلين في أكفانه عند رحلته».
وعند عروج روحه المقدسة وقبل تكفينه لم يعثروا على ذينك المنديلين رغم البحث والتفتيش، ولمّا أحضروا الأكفان ليدرجوه فيها فتحوا الكفن وإذا بالمنديلين داخل الكفن، حينها علموا أن الميرزا المرحوم قد جعلهما داخل أكفانه بنفسه قبل توجهه إلى المستشفى (وهو آخر مستشفى يتلقى فيه العلاج وقد توفي فيه)، فوضعوا منديلًا في يده اليمنى والآخر على صدره المبارك، هذا المنديل الذي كان الميرزا يمسح به دموعه لسنوات طويلة، ويقول مرات ومرات: إذا كان هناك من شيء ينفعني في آخرتي فهو هذان المنديلان اللذان مسحت بهما دموع العشق لأهل البيت على مدار أعوام طويلة، وها قد دفنا معه ليكونا شاهدين نافعين له في قبره وعند معاده؛ لأنه كان يمسح بهما دموع عينيه الجارية على مصائب أهل بيت النبوة لسنين متمادية، وبهذا يكون قد أعطانا درساً آخر في الولاء بأن على الجميع أن يبذل جميع ما يمكن لابراز محبته ومشاعره تجاه مظلومية أهل البيت لتكون شافعة نافعة لنا في قبرنا وعند معادنا.
الحفاظ على شعائر سيّدالشهداء عليه السلام
كان الفقيه المقدس الميرزا جواد التبريزي قدس سره يسعى جاهداً للحفاظ على شعائر سيدالشهداء عليه السلام ويقف كالطود الأشم بوجه كل من تسوّل له نفسه ترويج الشبهات، وبعد سقوط النظام في العراق، وشروع الوهابية بالقتل الجماعي للشيعة المظلومين داخل العراق، أخذت الأسئلة تنهال على الشيخ بخصوص اقامة بعض الشعائر الحسينية والسفر لزيارة كربلاء.
(وكان من يسأل تلك الأسئلة يتوقع أن يقوم الشيخ الميرزا بتحريم السفر إلى كربلاء وتحريم اقامة بعض الشعائر الحسينية في ظل تلك الأوضاع) لكن المرحوم الميرزا كان يجيبهم بكل إخلاص وتواضع: «إنني لا أتدخّل في قضايا سيد الشهداء الإمام الحسين عليه السلام، فالتدخّل في مثل تلك القضايا يحتاج إلى جرأة لا أملكها، إذ كل رأي يحتاج إلى جواب غداً أمام الباري عز وجل ولا قدرة لي على الإجابة أمامه تعالى، إنني أعشق الإمام الحسين عليه السلام ومستعد لتقديم كل ما لدي في سبيل الإمام الحسين عليه السلام، وإنني أعتقد أن كل ما يفعلونه سوف لن يقصّر من عزيمة المؤمنين لزيارة الإمام الحسين عليه السلام وابرازهم الشوق والمحبة له؛ بل على العكس تماماً إن ارادة المؤمنين وشوقهم سوف يزداد يوماً عن يوم. إن كل واحد يشخّص تكليفه ووظيفته في هذه المسائل، فما الإشكال في أن يقدّم الإنسان روحه في سبيل زيارة الإمام الحسين عليه السلام؟! وهل نحن أفضل من أهل البيت عليهم السلام؟! فقد تخلّوا عن كل ما لديهم في سبيل الله، حفظ الله هؤلاء الشباب
المخلصين الذين أبرزوا شوقهم ومحبتهم لأهل البيت عليهم السلام بكل إخلاص، وإنني أدعو لجميع الأعزّاء الساعين في طريق إحياء الشعائر الحسينية».
إحياء عزاء الإمام الحسين عليه السلام
لقد سُئِلَ الفقيه المقدس الميرزا جواد التبريزي قدس سره مراراً عن كيفية اقامة مراسم عزاء سيد الشهداء عليه السلام فكان يجيب والدموع تنحدر من عينيه: لقد ضحّى الامام الحسين عليه السلام بجميع ما لديه في سبيل الله، وجاد بنفسه ليحفظ هذا الدين المقدس، ودافع عن جهود النبي الأعظم صلى الله عليه و آله وجهاد الصديقة الشهيدة، وجهود أميرالمؤمنين عليه السلام والامام الحسن عليه السلام بدمائه، ولم يدّخر شيئاً يملكه إلا وبذله في سبيل الله حتى أهله وعياله، فوظيفتنا تقديم كل ما نستطيع في عزاء سيد الشهداء عليه السلام لنحفظ هذه الواقعة إلى الأبد إن شاء الله تعالى، ومن أراد أن يحشر سعيداً راضياً بدون حسرة عليه أن يكون حسينياً حقيقياً، وأن يشارك في جميع أحزان أهل البيت عليهم السلام ويساعد على إحيائها بكل ما يستطيع وستكتب له جميع تلك الأعمال في ميزان حسناته بإذنه تعالى.