ولا يعني هذا التقليل من أهمية الاستفادة من المنابر الحسينية الشريفة في إيصال معارف المعصومين عليهم السلام لشيعتهم، ضرورةَ أنَّ الاستفادة من آلية المنبر الشريف في نشر المعارف الإلهية، هو الآخر من مصاديق إحياء أمر أهل البيت عليهم السلام، حيث ورد عن الهروي أنه قال: «سمعت الإمام الرضا عليه السلام يقول: رحم اللَّه عبداً أحيى أمرنا، قلتُ: وكيف يحيي أمركم؟ قال: يتعلم علومنا ويعلمها الناس».
فالاستفادة من المنبر الحسيني في نشر معارف الأئمّة عليهم السلام لا ريب في رجحانها، لاندراجها ضمن عمومات الإحياء، غير أنه ليس هو الهدف الأساسيّ الذي تكمن وراءه قيمة المنبر الحسيني وخطبائه، بل القيمة كلها كامنة في مدى إثارة المنبر الحسيني لمظلومية المعصومين عليهم السلام ونشر مصائبهم المفجعة، وهذا هو ما كان يؤكد عليه الشيخ التبريزي (طيب اللَّه ثراه) في تعامله مع خطباء الدمعة الحسينية.
3- اللمحةُ الثالثة: بذلُ النفس في تحصيل العلم:
كانت هنالك خصوصية يتمتع بها الشيخ التبريزي قدس سره لم ألحظها عند غيره من معاصريه، وهي خصوصية (قوة الاستحضار) بحيث كان ذهنه الشريف أشبه شيء بجهاز الحاسب الالكتروني، فما كنتَ تطرح عليه فرعاً من الفروع الفقهية، إلا وكان ينحدر كأنه السيل، فكانَ في أغلب الأحيان يستعرض متون الروايات المرتبطة بذلك الفرع، بل ويستحضر حتى
أسانيد الأخبار، إلى جانب استحضاره لسائر الكبريات الاصولية المرتبطة بصغرياتها، وكأنكَ قد ضغطتَ- بسؤالكَ له- على زرٍ من أزرار جهاز الحاسوب، ليوافيك بجميع المعلومات المتعلقة بسؤالك بكل تفصيل ودقة.
وقد أثارت قوةُ استحضارهِ هذه روحَ الفضول عندي ذاتَ مرة، فسألته وقلتُ له: مولانا، كيف يستطيع الطالب أن يجعل قوة الاستحضار لديه بهذه المثابة؟ فأجابني قائلًا: أيها السيد، إنَّ هذا يحتاج إلى جهد كبير.
والأمر كما أفاده (عطر اللَّه مثواه) إذ أن التوفر على قوة الاستحضار، كما يتوقف من ناحية على نضج قوة الذاكرة لدى الطالب، كذلك يحتاج إلى بذل الجهد المضاعف في تحصيل العلمين العظيمين: الفقه والاصول، وما يرتبط بهما من معارف رجالية وحكمية وكلامية و ....
وإنَّ المستوى الشامخ الذي كان عليه شيخنا التبريزي قدس سره في قوة الاستحضار، لمؤشر واضح على مدى الجهد الشديد الذي قد بذله (طابت في أعلى الجنة نفسه) في طريق تحصيل معارف المعصومين عليهم السلام حتى أصبح في طليعة فقهاء الطائفة المحقة في المرحلة المتأخرة.
وفي الختام: أجد نفسي متحيراً أمام شخصية هذا العلَم العملاق، لذلك فإنني أستحث الخطى من أجل إنهاء هذه السطور بشكل عاجل، وإنه ليطيب لي أن أختمها بذكر نفحة من نفحات شيخنا المقدس في أواخر أيام حياته، حيثُ كانَ في ظل الضعف والمرض وهو على سرير الموت لايترنم لسانه المبارك بشيء من الكلام، إلا بكلمة واحدة، وهي كلمة: (يا زهراء) إذ
أنَّ هذا الاسم المقدّس قد انتقشت حروفه على صفحات قلبه وبذلك جرى على لسانه، فصار لا ينتشي ولا يطرب ولا يلتذ إلا بذكر اسم السيدة الشهيدة الزهراء (أرواحُ جميع ما خلقَ اللَّهُ لها الفداء) لأنه ذاب عشقاً فيها، وولاءً لها، والعاشق لا يلتذ إلا بذكر معشوقه، فكانت حياته مع الزهراء، ومماته مع الزهراء، وسنراه إن شاء اللَّه تعالى يوم القيامة، وهو يحمل أكبر راية كُتبَ عليها: (يا لثارات الزهراء).
وإنا لله وإنا إليه راجعون
السيد ضياء عدنان الخباز
قم المقدسة: 1427/ 11/ 3 ه
نبذة من حياة استاد الفقهاء والمجتهدين الميرزا جواد التبريزي قدس سره
هو أحد أعيان ومفاخر فقهاء الشيعة المعروفين وأكابر المتبحرين في العلوم الإسلامية وأساطين الفقهاء والمجتهدين في الفقه الإسلامي بما له من آثار قيّمة وبركات جليّة، نعم هو المرحوم الفقيه المقدس الميرزا جواد التبريزي، كان كثير العبادة والزهد، وأهل الخشوع والتهجد، الذي لم ينقطع عن نشر العلم والمعرفة قط، بحيث نهل من فيضه كثيرون، من الموالين والمحبين لأهل البيت عليهم السلام، والفضلاء من طلبة الحوزة العلمية لأنه أحدث تحوّلًا عظيماً في علوم أهل البيت عليهم السلام وولائهم.
وكلما جئنا لنتعرف عليه أكثر رأيناه مطلعاً على كل فن من فنون العلوم الإسلامية حيث عجزت الكلمات عن تعريفه أو مدحه وثنائه، حتى تمثل العلم والأدب والفضل والكمال فيه.
فهو فقيه محدث ثقة جليل القدر وعين التواضع والفضيلة، له تأليفات مفيدة، فلم يتزود منه طلبة العلم علماً بحتاً فقط بل تعلموا منه كذلك كيفية الارتقاء المعنوي وتحصيل درجات الكمال، فكان يطوي المراحل العلمية بشكل سريع وأسرع من ذلك طيّه للمراتب المعنوية حتى كان المصداق الواقعي للعالم الرباني، ويتجلى ذلك بالاطلاع على سجاياه الأخلاقية التي منها:
- ذكر الله تعالى: إذ لم يغفل المرحوم الميرزا قدس سره عن ذكر الله تعالى أبداً
حيث كانت جلّ أعماله قربة لله تعالى.
- الزيارة والدعاء: كان قدس سره يولي أهمية فائقة لزيارة أئمة الهدى عليهم السلام، فكان لايدع فرصة تأتي إلا وتوجه إلى زيارتهم عليهم السلام، والدعاء عندهم.
- الزهد: كان من أهم صفاته قدس سره الزهد حيث العيش البسيط على الرغم من تمكنه من العيش المرفه.
- التواضع: ومن صفاته البارزة التواضع، إذ لم يكن همه الموقع الاجتماعي المتقدم والمتميز، وبهذه الصفات الروحية والكمالات المعنوية ومع علوّ علمه ومعرفته صنعت في نفسه الشخصية الملائكية الاستثنائية.
- سعة الصدر: وبفهمه الجيد وذوقه الحسن، وانتظام برنامجه الدراسي، ودقة طبعه، ترك آثاراً علمية لايشوبها النقص.
لقد تخلق قدس سره بالأخلاق الإلهية وسعى إلى التقرب إلى الله تعالى، وخدم الدين بعلمه وتعليمه، فكان دقيقاً في بيان الموضوعات، وتميّز بالعمق الفكري وحسن السلوك الذي منه تزايد عدد الوافدين إلى درسه للورود من منهله العذب.
كان اعجوبة زمانه في مختلف العلوم: فتراه فقيهاً واصولياً ومتكلماً ورجالياً و ... تاركاً بذلك آثاراً علمية قيّمة، فعشرات الكتب الخطية تحكي نبوغ هذا الفقيه الفقيد وعلميته، ومؤلفاته في مختلف العلوم الإسلامية كل واحد منها كنز لاينفد، وبمرور الأيام تزداد أهمية وقيمة تلك الآثار وتحتل مكاناً مهمّاً في صدر المكتبات وفي صدور الفقهاء والعلماء وهي كالآتي:
1- إرشاد الطالب في شرح المكاسب (سبع مجلّدات)؛ 2- تنقيح مباني العروة (طهارة) سبع مجلّدات؛ 3- تنقيح مباني العروة والمناسك (الحج) ثلاث مجلّدات؛ 4- أُسس القضاء والشهادات؛ 5- أُسس الحدود والتعزيرات؛ 6- كتاب القصاص؛ 7- كتاب الديات؛ 8- طبقات الرجال؛ 9- الدروس في علم الاصول (دورة أصولية كاملة)؛ 10- تنقيح مباني العروة (الصلاة)؛ 11- تنقيح مباني العروة (كتاب الصوم)؛ 12- تنقيح مباني العروة (كتاب الزكاة والخمس)؛ 13- صراط النجاة اثنا عشر مجلّد؛ 14- كتاب ظلامات فاطمة الزهراء عليها السلام؛ 15- كتاب أميرالمؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام؛ 16- فدك؛ 17- الشعائر الحسينية؛ 18- زيارت عاشوراء فراتر از يك شبهه؛ 19- زيارة عاشوراء فوق الشبهات؛ 20- نفي السهو عن النبي صلى الله عليه و آله؛ 21- النصوص الصحيحة على الأئمة عليهم السلام؛ 22- الأنوار الإلهية في المسائل العقائدية؛ 23- النكات الرجالية (مخطوط)؛ 24- ما استفدت من الروايات في استنباط الأحكام الشرعية (وسائل الشيعة مخطوط)؛ 25- النصائح؛ 26- تنقيح مباني العروة (كتاب الإجارة)؛ 27- تنقيح مباني العروة (كتاب النكاح) و ....
ولد شيخنا الاستاذ الأعظم آية الله العظمى الميرزا جواد التبريزي قدس سره بسنة (1345 ه. ق) في مدينة تبريز وفي نفس مركزها، وهي من المدن المهمة في إيران. وقد برز منها الكثير من علمائنا الأبرار قدس الله أنفس الماضين وحفظ الباقين منهم، في اسرةٍ كريمة عُرفت بالولاء لمحمدٍ وآله
عليه وعليهم الصلاة والسلام، وكان والده الحاج علي من كُبار التجار في مدينة تبريز ومن المعروفين بالصلاح والتقوى.
فالتحق بالحوزة العلمية في تبريز وكانت حوزةً عامرة آنذاك، وأخذ حجرة في مدرسة الطالبية وكان معه في الحجرة المرحوم العلامة الشيخ محمد تقي الجعفري والذي كان يكبره بأربع سنين تقريباً فشرع في قراءة الشرائع واللمعة والمعالم والقوانين والمطوّل وأتمّ السطوح عند علماء وفضلاء تبريز.
لقد كان الفقيه المقدس الميرزا التبريزي قدس سره معروفاً بالفضل والعلم منذ كان في المدرسة الطالبية في تبريز وكان الجميع يحبونه ويستفيدون منه.
وبعد أن أكمل السطح بجدٍّ وتفهُّم، رأى قدس سره أن الحوزة الموجودة في تبريز لا تروي عطشه للعلم، فتاقت نفسه للرحيل إلى قم المقدسة والتي كانت تحتضن عدة من الفحول وعلى رأسهم مؤسس الحوزة الثاني السيد البروجردي قدس سره، الذي كان قد نزلها قبل وقت قصير، وبعد عامٍ على التحديد.
وكان وصوله إلى قُم في أوائل سنة 1364 ه. ق وكان عمره الشريف وقتها 19 سنة، ولما استقر به المقام، شرع في مواصلة تحصيله العلمي، فحضر أولًا عند آية الله العظمى المرحوم السيد محمد الحجة الكوه كمري قدس سره فقهاً واصولًا، ولمدة أربع سنين، وحضر عند الفقيه آية الله آغا رضي الزنوزي التبريزي قدس سره أربع سنين أيضاً في الفقه الذي كان من تلامذة المرحوم الخراساني رحمه الله.
وقد لازم من حين وصوله إلى قم درس المرجع الكبير السيد البروجردي رحمه الله فقهاً واصولًا ولمدة سبع سنين، وهي مدة إقامته في قم المقدسة. وبدأ خلال هذه المدة بتدريس المقدمات وكتاب اللمعة والمعالم والقوانين.
هاجر الى النجف الاشرف وبعد الوصول، توجه فوراً إلى زيارة أمير المؤمنين عليه السلام، ثم نزل ضيفاً في مدرسة (الخليلي)، ثم تهيأت له غرفة في مدرسة (القوام) الواقعة خلف مسجد (الطوسي)، وكانت هجرته من قم إلى النجف في حدود سنة 1371 ه. ق.
وبعد وصوله ذهب إلى درس السيد الخوئي رحمه الله.
ثم إن الاستاذ قدس سره بقي مواصلًا للبحث في النجف وأخذ اسمه يزداد شُهرةً بالفضل، وأخذت حلقة درسه تتسع وهو مع ذلك ملازم لدرس السيد الخوئي رحمه الله فقهاً واصولًا حتى طلب السيد رحمه الله منه حضور جلسة الاستفتاء التي لا يحضرها أحد إلا بإذن خاص من السيد رحمه الله.
وحتى سنة 1393 ه قرر الاستاذ العودة إلى إيران، وذلك للمضايقات من قبل حكومة العراق لأهل العلم، وقد طلب منه بعض علماء النجف المعروفين البقاء وعدم الذهاب من النجف بمن فيهم السيد الخوئي رحمه الله، ولكنه قد ضاق صدره بما يراه من منكراتٍ وظلمٍ للمؤمنين على يد الظلمة في العراق، فودع النجف مأسوفاً عليه، ونزل قم المقدسة واحتف به طلابها فشرع فى درسه خارج المكاسب والاصول.