نبذة من حياة استاد الفقهاء والمجتهدين الميرزا جواد التبريزي قدس سره
هو أحد أعيان ومفاخر فقهاء الشيعة المعروفين وأكابر المتبحرين في العلوم الإسلامية وأساطين الفقهاء والمجتهدين في الفقه الإسلامي بما له من آثار قيّمة وبركات جليّة، نعم هو المرحوم الفقيه المقدس الميرزا جواد التبريزي، كان كثير العبادة والزهد، وأهل الخشوع والتهجد، الذي لم ينقطع عن نشر العلم والمعرفة قط، بحيث نهل من فيضه كثيرون، من الموالين والمحبين لأهل البيت عليهم السلام، والفضلاء من طلبة الحوزة العلمية لأنه أحدث تحوّلًا عظيماً في علوم أهل البيت عليهم السلام وولائهم.
وكلما جئنا لنتعرف عليه أكثر رأيناه مطلعاً على كل فن من فنون العلوم الإسلامية حيث عجزت الكلمات عن تعريفه أو مدحه وثنائه، حتى تمثل العلم والأدب والفضل والكمال فيه.
فهو فقيه محدث ثقة جليل القدر وعين التواضع والفضيلة، له تأليفات مفيدة، فلم يتزود منه طلبة العلم علماً بحتاً فقط بل تعلموا منه كذلك كيفية الارتقاء المعنوي وتحصيل درجات الكمال، فكان يطوي المراحل العلمية بشكل سريع وأسرع من ذلك طيّه للمراتب المعنوية حتى كان المصداق الواقعي للعالم الرباني، ويتجلى ذلك بالاطلاع على سجاياه الأخلاقية التي منها:
- ذكر الله تعالى: إذ لم يغفل المرحوم الميرزا قدس سره عن ذكر الله تعالى أبداً
حيث كانت جلّ أعماله قربة لله تعالى.
- الزيارة والدعاء: كان قدس سره يولي أهمية فائقة لزيارة أئمة الهدى عليهم السلام، فكان لايدع فرصة تأتي إلا وتوجه إلى زيارتهم عليهم السلام، والدعاء عندهم.
- الزهد: كان من أهم صفاته قدس سره الزهد حيث العيش البسيط على الرغم من تمكنه من العيش المرفه.
- التواضع: ومن صفاته البارزة التواضع، إذ لم يكن همه الموقع الاجتماعي المتقدم والمتميز، وبهذه الصفات الروحية والكمالات المعنوية ومع علوّ علمه ومعرفته صنعت في نفسه الشخصية الملائكية الاستثنائية.
- سعة الصدر: وبفهمه الجيد وذوقه الحسن، وانتظام برنامجه الدراسي، ودقة طبعه، ترك آثاراً علمية لايشوبها النقص.
لقد تخلق قدس سره بالأخلاق الإلهية وسعى إلى التقرب إلى الله تعالى، وخدم الدين بعلمه وتعليمه، فكان دقيقاً في بيان الموضوعات، وتميّز بالعمق الفكري وحسن السلوك الذي منه تزايد عدد الوافدين إلى درسه للورود من منهله العذب.
كان اعجوبة زمانه في مختلف العلوم: فتراه فقيهاً واصولياً ومتكلماً ورجالياً و ... تاركاً بذلك آثاراً علمية قيّمة، فعشرات الكتب الخطية تحكي نبوغ هذا الفقيه الفقيد وعلميته، ومؤلفاته في مختلف العلوم الإسلامية كل واحد منها كنز لاينفد، وبمرور الأيام تزداد أهمية وقيمة تلك الآثار وتحتل مكاناً مهمّاً في صدر المكتبات وفي صدور الفقهاء والعلماء وهي كالآتي:
1- إرشاد الطالب في شرح المكاسب (سبع مجلّدات)؛ 2- تنقيح مباني العروة (طهارة) سبع مجلّدات؛ 3- تنقيح مباني العروة والمناسك (الحج) ثلاث مجلّدات؛ 4- أُسس القضاء والشهادات؛ 5- أُسس الحدود والتعزيرات؛ 6- كتاب القصاص؛ 7- كتاب الديات؛ 8- طبقات الرجال؛ 9- الدروس في علم الاصول (دورة أصولية كاملة)؛ 10- تنقيح مباني العروة (الصلاة)؛ 11- تنقيح مباني العروة (كتاب الصوم)؛ 12- تنقيح مباني العروة (كتاب الزكاة والخمس)؛ 13- صراط النجاة اثنا عشر مجلّد؛ 14- كتاب ظلامات فاطمة الزهراء عليها السلام؛ 15- كتاب أميرالمؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام؛ 16- فدك؛ 17- الشعائر الحسينية؛ 18- زيارت عاشوراء فراتر از يك شبهه؛ 19- زيارة عاشوراء فوق الشبهات؛ 20- نفي السهو عن النبي صلى الله عليه و آله؛ 21- النصوص الصحيحة على الأئمة عليهم السلام؛ 22- الأنوار الإلهية في المسائل العقائدية؛ 23- النكات الرجالية (مخطوط)؛ 24- ما استفدت من الروايات في استنباط الأحكام الشرعية (وسائل الشيعة مخطوط)؛ 25- النصائح؛ 26- تنقيح مباني العروة (كتاب الإجارة)؛ 27- تنقيح مباني العروة (كتاب النكاح) و ....
ولد شيخنا الاستاذ الأعظم آية الله العظمى الميرزا جواد التبريزي قدس سره بسنة (1345 ه. ق) في مدينة تبريز وفي نفس مركزها، وهي من المدن المهمة في إيران. وقد برز منها الكثير من علمائنا الأبرار قدس الله أنفس الماضين وحفظ الباقين منهم، في اسرةٍ كريمة عُرفت بالولاء لمحمدٍ وآله
عليه وعليهم الصلاة والسلام، وكان والده الحاج علي من كُبار التجار في مدينة تبريز ومن المعروفين بالصلاح والتقوى.
فالتحق بالحوزة العلمية في تبريز وكانت حوزةً عامرة آنذاك، وأخذ حجرة في مدرسة الطالبية وكان معه في الحجرة المرحوم العلامة الشيخ محمد تقي الجعفري والذي كان يكبره بأربع سنين تقريباً فشرع في قراءة الشرائع واللمعة والمعالم والقوانين والمطوّل وأتمّ السطوح عند علماء وفضلاء تبريز.
لقد كان الفقيه المقدس الميرزا التبريزي قدس سره معروفاً بالفضل والعلم منذ كان في المدرسة الطالبية في تبريز وكان الجميع يحبونه ويستفيدون منه.
وبعد أن أكمل السطح بجدٍّ وتفهُّم، رأى قدس سره أن الحوزة الموجودة في تبريز لا تروي عطشه للعلم، فتاقت نفسه للرحيل إلى قم المقدسة والتي كانت تحتضن عدة من الفحول وعلى رأسهم مؤسس الحوزة الثاني السيد البروجردي قدس سره، الذي كان قد نزلها قبل وقت قصير، وبعد عامٍ على التحديد.
وكان وصوله إلى قُم في أوائل سنة 1364 ه. ق وكان عمره الشريف وقتها 19 سنة، ولما استقر به المقام، شرع في مواصلة تحصيله العلمي، فحضر أولًا عند آية الله العظمى المرحوم السيد محمد الحجة الكوه كمري قدس سره فقهاً واصولًا، ولمدة أربع سنين، وحضر عند الفقيه آية الله آغا رضي الزنوزي التبريزي قدس سره أربع سنين أيضاً في الفقه الذي كان من تلامذة المرحوم الخراساني رحمه الله.
وقد لازم من حين وصوله إلى قم درس المرجع الكبير السيد البروجردي رحمه الله فقهاً واصولًا ولمدة سبع سنين، وهي مدة إقامته في قم المقدسة. وبدأ خلال هذه المدة بتدريس المقدمات وكتاب اللمعة والمعالم والقوانين.
هاجر الى النجف الاشرف وبعد الوصول، توجه فوراً إلى زيارة أمير المؤمنين عليه السلام، ثم نزل ضيفاً في مدرسة (الخليلي)، ثم تهيأت له غرفة في مدرسة (القوام) الواقعة خلف مسجد (الطوسي)، وكانت هجرته من قم إلى النجف في حدود سنة 1371 ه. ق.
وبعد وصوله ذهب إلى درس السيد الخوئي رحمه الله.
ثم إن الاستاذ قدس سره بقي مواصلًا للبحث في النجف وأخذ اسمه يزداد شُهرةً بالفضل، وأخذت حلقة درسه تتسع وهو مع ذلك ملازم لدرس السيد الخوئي رحمه الله فقهاً واصولًا حتى طلب السيد رحمه الله منه حضور جلسة الاستفتاء التي لا يحضرها أحد إلا بإذن خاص من السيد رحمه الله.
وحتى سنة 1393 ه قرر الاستاذ العودة إلى إيران، وذلك للمضايقات من قبل حكومة العراق لأهل العلم، وقد طلب منه بعض علماء النجف المعروفين البقاء وعدم الذهاب من النجف بمن فيهم السيد الخوئي رحمه الله، ولكنه قد ضاق صدره بما يراه من منكراتٍ وظلمٍ للمؤمنين على يد الظلمة في العراق، فودع النجف مأسوفاً عليه، ونزل قم المقدسة واحتف به طلابها فشرع فى درسه خارج المكاسب والاصول.
ومن حضر بحثه وجده مشتملًا على مطالب عميقة وشواهد كثيرة وكليات عريضة يطبقها على صغرياتها باستدلالٍ رصين وشاهدٍ متين وجمعٍ عرفي للروايات واطلاع واسع وتحقيق دقيق في علم الرجال وحال الرواة.
فكان قدس سره مجتهداً جامعاً للشرائط وكان اسلوبه في الدرس بحيث يعدّ الطالب ويعلمه الاسلوب الصحيح، إذ تفتخر الحوزة العلمية في قم بتلامذته الفضلاء والمتدينين الذين قلّ نظيرهم.
فكانت مؤلفاته قدس سره لؤلؤة تلمع في ناصية الزمان، حيث إنّ مؤلفات الشيخ الفقيه تبلغ أكثر من ثلاثين مؤلف جواهر غالية صفت في أسطر تلك الصفحات، ولقد دأب كل من يريد أن يتكلم عن الفقيد قدس سره على الشكر والمدح والثناء، وشهدت له كلمات الأعلام بأنه قدس سره تبحّر في مختلف العلوم في الفقه والأُصول والكلام والرجال و ...
إن العلماء الإلهيين لاينقطع ذكرهم بالرحيل من هذه الدنيا بل يبقون أحياء في أذهان الأجيال الآتية، وبركاتهم كذلك ليست مقتصرة على أيام حياتهم بل تمتد من خلال مؤلفاتهم وتلامذتهم ... لذلك ورد «العلماء باقون ما بقي الدهر».
لقد ترك المرحوم الميرزا بعد وفاته خدمات كثيرة، تتجلى من بعده بواسطة تلامذته وأبنائه الذين استمروا على هذا الطريق، ولكن الفراغ الذي يتركه العالم الحكيم لايمكن أن يسدّه أحد غيره.
لقد ودع المرحوم الدنيا بعد (82) سنة في ليلة (27) شوال سنة (1427 ه) بمدينة قم المقدسة، وحرم العالم من فيض وجوده الغالي، ودفن في مسجد (بالاسر) بحرم السيدة فاطمة بنت موسى بن جعفر عليهم السلام إلى جنب كبار ومفاخر فقهاء المذهب، أدام الله تعالى ذكرهم وكثر الله تعالى أتباعهم.
دار الصدّيقة الشهيدة عليها السلام
قم المقدسة- سنة 1431 ه. ق
وصية استاذ الفقهاء ومحيي الفاطمية آية الله العظمى الميرزا جواد التبريزي قدس سره
بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صل على محمد وآل محمد وعجل فرجهم وأهلك أعداءهم
أنا في حال تشييع جنازتي ونقل جثماني إلى قبري على أيدي تلامذتي الأعزاء الذين تعبت في تربيتهم، ولم أعرف التعطيل يوماً، ولم أترك النصيحة لهم أبداً، ولم أنصح نصيحة قبل أن أعمل بها.
نصيحتي اليوم لجميع المؤمنين الغيارى هي الدفاع عن مسلّمات المذهب الحق، وأن لايعطوا لأحد مجالًا للتشكيك وإلقاء الشبهات في أذهان العوام خصوصاً في قضية الشعائر الحسينية، فإن حفظ المذهب في هذا العصر يتوقف على حفظ الشعائر الحسينية.
أنصحهم أيضاً بالمثابرة على تحصيل العلوم الدينية مقارناً لطلب رضا الله والتقيد بالتقوى.
ولقد كنت طالب علم طول عمري وصرفت كل أوقاتي وخصوصاً زهرة شبابي في الدرس والتدريس وخدمة الحوزة العلمية من أجل أن تبقى آثار خدماتي العلمية في تلامذتي.
أيها الطلبة الأعزاء إنّ لواء هداية الناس بأيديكم، فلا تتوانوا عن طريق الهداية، ولا تقوموا بأي عمل يؤذي صاحب العصر والزمان عليه السلام فإنه ناظر لأعمالنا ومحاسب عليها.