الفصل الأوّل
نصائحه قدس سره العامّة لطلبة العلم
السعادة الاخرويّة
إحدى الأسئلة التي كانت توجه إلى الفقيه المقدس الميرزا التبريزي قدس سره لا سيما من قبل الطلبة[1]الشباب هي: كيف نصنع لنكون من الموفقين في
[1]لطلب العلم شرافة عظيمة ولكن لابدّ له من مراعاة آداب خاصّة.
قال الشهيد رحمه الله في ذلك:« فإنّ كمال الإنسان إنّما هو بالعلم الذي يضاهئ به ملائكة السماء ويستحقّ به رفيع الدرجات في العقبى مع جميل الثناء في الدنيا ويتفضّل مداده على دماء الشهداء وتضع الملائكة أجنحتها تحت رجليه إذا مشى ويستغفر له الطير في الهواء والحيتان في الماء ويفضل نومة ليلة من لياليه على عبادة العابد سبعين سنة وناهيك بذلك جلالةً وعظماً. لكن ليس جميع العلم يوجب الزلفى ولا تحصيله كيف اتّفق يثمر الرضا بل لتحصيله شرائط ولترتيبه ضوابط، وللمتلبّس به آداب ووظائف ولطلبه أوضاع ومعارف، لابدّ لمن أراد شيئاً منه من الوقوف عليها والرجوع في مطلوبه إليها لئلّا يضيع سعيه ولا يخمد جدّه، وكم رأينا بغاة هذا العلم الشريف دأبوا في تحصيله واجهدوا نفوسهم في طلبه ونيله ثمّ بعضهم لم يجد لذلك الطلب ثمرةً ولا حصل منه على غاية معتبرة. وبعضهم شيئاً منه في مدّة مديدة طويلة كان يمكنه تحصيل أضعافه في برهة يسيرة قليلة وبعضهم لم يزده العلم إلّابعداً عن اللَّه سبحانه- وهو أصدق القائلين-:« إنّما يخشى اللَّه من عباده العلماء» وما كان سبب ذلك وغيره- من القواطع الصادّة لهم من بلوغ الكمال- إلّاإخلالهم بمراعاة الامور المعتبرة فيه من الشرائط والآداب وغيرها من الأحوال».[ منية المريد، ص 7]
حياتنا فنستغل هذه الدنيا ونستفيد منها كامل الاستفادة، وتكون جميع حركاتنا وسكناتنا في رضا الله وأهل البيت عليهم السلام؟
وبالرجوع الى أجوبة الفقيه الراحل عن تلك الاسئلة يمكننا الاشارة إلى بعض النكات المستفادة منها وهي كالتالي:
1- الاهتمام بالتكليف الشرعي:فعلى الإنسان ابتداء اعطاء اهمية خاصة لواجباته فيؤدي فروضه على النحو الأحسن، ولا يتهاون في أدائها وهي الخطوة الاولى لكسب التوفيق والارتباط الغيبي.
2- التورع عن المعاصي:بحيث يجعل من تقوى الله ميزاناً له في أعماله وأقواله، فلا يرتكب المعصية لأجل حطام هذه الدنيا، فربما يقنع الانسان نفسه باقتراف الذنب على أمل الاستغفار والتوبة فيلتجأ إلى الكذب مثلًا والعياذ بالله في حين أن نفس تلك المعصية تسلبه التوفيق وتؤخر تقدمه نحو المكاسب المعنوية، فإن الشيطان في مكمن لكم يحاول أن يعطيكم التبريرات عبر وساوسه حتى يجركم إلى المعصية، فعلى الإنسان أن يطيع أوامر الله بكل اخلاص و لايقدم المكاسب واللذائذ
الدنيوية على طاعته.[1]
3- المحبة الحقيقية لأهل البيت عليهم السلام:يقول تعالى«وَ ابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ»وأهل البيت مصداقها البارز، فهم سفن النجاة، نجا وفاز كل من تعلق بحبلهم وتوسل بهم في الدنيا والآخرة، وكل من أراد أن يكون موفقاً في اموره (لاسيما الطلاب) فعليه أن يغرس في قلبه المحبة الحقيقية لأهل بيت النبي صلى الله عليه و آله ويقف بوجه الذين يلقون بالشبهات من هنا وهناك ليضللوا عوام المؤمنين ويثبت ايمانه واخلاصه ومحبته لهم ليكون قدوة للآخرين يعتبر منه كل من يراه.
4- الابتعاد عن ظلم الآخرين:على الانسان أن يجتنب إلحاق الظلم
[1]لابدّ لطالب العلم من التوجّه الخاص إلى أعماله وأفعاله.
قال الشهيد قدس سره في ذلك:« إعلم أنّ العلم بمنزلة الشجرة والعمل بمنزلة الثمرة والغرض من الشجرة المثمرة ليس إلّاثمرتها» ثم قال:« وحينئذٍ فنقول المحكم للعلوم الشرعية ونحوها إذا أهمل تفقّد جوارحه وحفظها عن المعاصي وإلزامها الطاعات وترقّيها من الفرائض إلى النوافل ومن الواجبات إلى السنن اتّكالًا على اتّصافه بالعلم وأنّه في نفسه هو المقصود، مغرور في نفسه مخدوع عن دينه ملبّس عليه عاقبة أمره وإنّما مثله مثل مريض به علّة لا يزيلها إلّادواء مركّب من أخلاط كثيرة لا يعرفها إلا حذّاق الأطبّاء فسعى في طلب الطبيب بعد أن هاجر عن وطنه حتّى عثر على طبيب حاذق فعلّمه الدواء وفصّل له الأخلاط وأنواعها ومقاديرها ومعادنها التي منها تجلب وعلّمه كيفية دقّ كلّ واحد منها وكيفيّة خلطها وعجنها فتعلّم ذلك منه وكتب منه نسخةً حسنة بحسن خطّ ورجع إلى بيته وهو يكرّرها ويقرأها ويعلمها المرضى ولم يشتغل بشربها واستعمالها أفترى أن ذلك يغني عنه من مرضه شيئاً؟!».[ منية المريد، ص 51]
بالآخرين فإن الامتناع عن ظلم الآخرين له دور رئيسي في نيل التوفيق والكمالات، إن الله يغلق أبواب الرحمة أمام من يظلم الآخرين، ويسلبه التوفيق، وللظلم مراتب؛ فأحياناً يكون من ايحاءات الشيطان بأن هذا ليس ذنباً مهماً فلا يترك أثراً في حين أن نفس هذا العمل له أثره الوضعي ويجر الانسان نحو الهلاك، فإذا أراد الانسان اكتساب التوفيق عليه أن يترك الامور التي يشعر بأن فيها ظلم للآخرين.
والخلاصة:ليشتغل بتربية نفسه ولا يتدخل بشؤون الآخرين.
5- الجدّ في التحصيل:أن يكون الدرس كل همه ولا يغفل عن تقوى الله، على الطالب أن يجدّ في دروسه حتى يكون مؤثراً، إن قيادة المجتمع وهدايته في أيدي طلاب العلم فإن قصّروا في تلقي العلم فإنه اضافة إلى أنهم مسؤولون عن ذلك أمام الله تعالى لن يكون لهم تلك الخدمات المؤثرة في المجتمع، وعليه أن تكون دراسته بحيث كلما انتهى من درس يستطيع إلقاءه، فإذا ما جد في دروسه والتزم التقوى وصل إلى درجة عظيمة يقيناً وسيوفق لخدمة الدين والمذهب.
إن المثابرة في الدرس والجدّ في تلقي العلم والتزام التقوى إلى جانبهم نور إلى سعادة الدنيا والآخرة، والله يزيد من توفيقات عبده المطيع الذي لا قصد له سوى خدمة الدين المجد في دراسته وتهذيب نفسه.[1]
[1]ينبغي لطالب العلم أن يكون جادّاً في التحصيل.
قال الشهيد رحمه الله في ذلك حين عدّه آداب الطلبة:« أن يكون عالي الهمة فلا يرضى باليسير مع إمكان الكثير ولا يسوّف في اشتغاله ولا يؤخر تحصيل فائدة- وإن قلّت- تمكّن منها وإن أمن فوات حصولها بعد ساعة لأنّ للتأخير آفات ولأنّه في الزمن التالي يحصل غيرها حتّى لو عرض له مانع عن الدرس فليشتغل بالمطالعة والحفظ بجهده ولا يربط شيئاً بشيء. وليعلم أنّه إن أراد التأخير إلى زمن يكمل فيه الفراغ فهذا زمن لم يخلقه اللَّه تعالى بعد بل لابدّ في كل وقت من موانع وعوائق وقواطع فقاطع ما أمكنك منها قبل أن يقطعك كلّها».[ منية المريد، ص 107]
6- الجليس الصالح:من الامور التي لها دور أساسي في البناء الذاتي الجليس الصالح لاسيما لطلاب العلم الذين يريدون أن يكونوا مبلغين لدين الله ومعارف أهل البيت عليهم السلام، فالإنسان يفقد روحيته ومعنوياته مع مرور الزمان بمجالسته لرفيق السوء وتزول منه النورانية تدريجاً ثم لا تساعده الفرصة للاستدراك لاقدر الله، لذا عليه أن يشاور المعروفين بتحصيلهم وتدينهم في أموره من بداية مشروعه الدراسي، إن لم يكن بنفسه من أهل التشخيص فعليه أن يستعين بأهل الفضل، وأن يكون له رفيق من عمره في مباحثته وبقية اموره، فالإنسان بحاجة إلى رفقاء يمكنهم إفادته علمياً إضافة إلى إفادته في بذل المشورة والنصيحة ومجالسته لهم أوقات فراغه، وعليه الحذر من صرف أوقاته لا قدر الله في أشياء هامشية لاطائل من ورائها، واجتناب الامور التي تعتّم قلب الانسان، وكثرةُ المزاح ككثرة الملح في الطعام، على الطالب أن يكون كلامه متقناً وموزوناً فلا يتكلم بكل ما يخطر بباله؛ بل عليه أن لا يتكلم إلا بعد تفكير وانتقاء للكلمات الصالحة،
فإذا كان مراقباً لأعماله ملتزماً جانب التقوى فقد ضمن سعادته.[1]
7- اغتنام الفرص:إن رمز موفقية الإنسان تكمن في اغتنام الفرص، فإذا ما أراد الانسان لاسيما طالب العلم أن يكون له مستقبل موفق عليه ان يستغل جميع الفرص ويستفيد منها «فاغتنموا الفرص فإنها تمرُّ مرَّ السحاب».
8- الارتباط الروحي:إذا أراد الانسان أن يكون موفقاً في عمله عليه بداية أن يتقن أداء تكاليفه الشرعية ولا يغفل عن الدعاء والذكر. ليقرأ الأدعية المعروفة ولا يتخلف عن قراءة الأذكار التي من جملتها الصلوات والاستغفار.
وعليه أن يقوم ببعض الأعمال لتقوية ارتباطه الروحي كصلاة الليل، لكن بشكل تدريجي وذلك حتى لايشعر بالملل والتعب في هذه الأعمال
[1]ينبغي لطالب العلم أن يجالس من يفيده أو يستفيد منه.
قال الشهيد رحمه الله في ذلك حين عدّ آداب الطلبة:« أن يترك العشرة مع من يشغله عن مطلوبه فإن تركها من أهمّ ما ينبغي لطالب العلم ولا سيّما لغير الجنس وخصوصاً لمن قلّت فكرته وكثر تعبه وبطالته فإنّ الطبع سرّاق. وأعظم آفات العشرة ضياع العمر بغير فائدة وذهاب العرض والدين إذا كانت لغير أهل. والذي ينبغي لطالب العلم أن لا يخالط إلّالمن يفيده أو يستفيد منه فإن احتاج إلى صاحب فليختر الصاحب الصالح الدين التقيّ الذكيّ الذي إن نسي ذكّره وإن ذكر أعانه وإن احتاج واساه وإن ضجر صبّره فيستفيد من خلقه ملكة صالحة فإن لم يتّفق مثل هذا فالوحدة ولا قرين السوء».[ منية المريد، ص 106]
المستحبة التي عليه أن يأتي بها بنشاط وهمة عالية، فاذا ما تدرج بالعمل ولو كان قليلًا فإنه سوف يستمر عليه، بينما الإكثار من المستحبات والعجلة فيها يمكن أن تتعب البعض وربما سلبته توفيق الاستمرار على ذلك العمل، فالشاب إذا تدرج في العمل المستحب فانه يكتسب نورانية خاصة، البعض يفرط في أداء المستحبات وقد أثبتت التجربة أنهم لا يوفقون للاستمرار في ذلك وسرعان ما يتعبون منها ويتركونها.[1]
9- التوكل:من الامور المهمة المؤثرة في رقي الانسان وتقدمه مسألة التوكل، فإذا ما كان العمل خالصاً لوجه الله مقترنا بالتوكل عليه تعالى كان ذلك موجباً لسعادة الدنيا والآخرة، فالإنسان المؤمن المتدين اضافة إلى اخلاصه بالعمل لله عليه أن يطلب أجره منه تعالى وسيتلطف الله به وإن
[1]ينبغي لطالب العلم أن يلازم آداب الإسلام والأعمال الصالحة.
قال الشهيد رحمه الله في ذلك حين عدّ آداب المتعلّم والمعلّم:« أن يحافظ على القيام بشعائر الإسلام وظواهر الأحكام كإقامة الصلوات في مساجد الجماعات محافظاً على شريف الأوقات وإفشاء السلام للخاصّ والعامّ مبتدئاً ومجيباً والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والصبر على الأذى بسبب ذلك صادعاً بالحقّ باذلًا نفسه للَّهلا يخاف لومة لائم متأسياً في ذلك بالنبي صلى الله عليه و آله وغيره من الأنبياء متذكّراً ما نزل بهم من المحن عند القيام بأوامر اللَّه تعالى. ولا يرضى من أفعاله الظاهرة والباطنة بالجائز بل يأخذ نفسه بأحسنها وأكملها فإن العلماء هم القدوة وإليهم المرجع وهم حجة اللَّه تعالى على العوامّ وقد يراقبهم للأخذ منهم من لا ينظرون إليه ويقتدى بهم من لا يعلمون به وإذا لم ينتفع العالم بعلمه فغيره أبعد عن الانتفاع به ولهذا عظمت زلة العالم لما يترتّب عليها من المفاسد».[ منية المريد، ص 63]
التوكل أفضل غنيمة تعين الإنسان وتوفقه لاكتساب الروحانية وارتقاء الدرجات.[1]
10- التخلق بالأخلاق الحميدة:الابتعاد عن الغرور والتخلق بالأخلاق الحميدة كالتواضع، فعلى الانسان الابتعاد عن الغرور والكبر في جميع مراحل حياته وأن يطلب من الله تعالى بالتوسل بأهل البيت عليهم السلام أن لا يقع في فخوخ الشيطان تلك، وأن يجعله من عباده الصالحين الحائزين على رضا امام الزمان عليه السلام ببركة التواضع وتقوى الله تعالى، لاسيما الطلاب عليهم أن لا يغتروا بمعرفتهم لعدة مصطلحات علمية بل عليهم أن يجعلوا التقوى نصب أعينهم، ويطلبوا من الله تعالى أن لا يكلهم إلى انفسهم طرفة
[1]ينبغي لطالب العلم ومعلّمه التوكّل على اللَّه والإعتماد عليه.
قال الشهيد رحمه الله في ذلك:« ممّا يلزم كلّ واحد منهما توجيه نفسه إلى اللَّه تعالى والاعتماد عليه في أُموره وتلقّي الفيض الإلهي من عنده فإنّ العلم كما تقدم من كلام الصادق عليه السلام ليس بكثرة التعلم وإنّما هو نور من اللَّه تعالى ينزله على من يريد أن يهديه. وأن يتوكّل عليه ويفوّض أمره إليه ولا يعتمد على الأسباب فيوكّل إليها وتكون وبالًا عليه ولا على أحدٍ من خلق اللَّه تعالى بل يلقي مقاليد أمره إلى اللَّه تعالى في أمره ورزقه وغيرهما يظهر عليه حينئذٍ من نفحات قدسه ولحظات أنسه ما يقوم به أوده ويحصل مطلبه ويصلح به أمره وقد ورد في الحديث عن النّبي صلى الله عليه و آله: أنّ اللَّه تعالى قد تكفّل لطالب العلم برزقه خاصةً عمّا ضمنه لغيره بمعنى أنّ غيره يحتاج إلى السعي على الرزق حتى يحصل غالباً وطالب العلم لا يكلفه بذلك بل بالطلب وكفاه مؤونة الرزق إن أحسن النية وأخلص العزيمة».[ منية المريد، ص 59]