6- الجليس الصالح:من الامور التي لها دور أساسي في البناء الذاتي الجليس الصالح لاسيما لطلاب العلم الذين يريدون أن يكونوا مبلغين لدين الله ومعارف أهل البيت عليهم السلام، فالإنسان يفقد روحيته ومعنوياته مع مرور الزمان بمجالسته لرفيق السوء وتزول منه النورانية تدريجاً ثم لا تساعده الفرصة للاستدراك لاقدر الله، لذا عليه أن يشاور المعروفين بتحصيلهم وتدينهم في أموره من بداية مشروعه الدراسي، إن لم يكن بنفسه من أهل التشخيص فعليه أن يستعين بأهل الفضل، وأن يكون له رفيق من عمره في مباحثته وبقية اموره، فالإنسان بحاجة إلى رفقاء يمكنهم إفادته علمياً إضافة إلى إفادته في بذل المشورة والنصيحة ومجالسته لهم أوقات فراغه، وعليه الحذر من صرف أوقاته لا قدر الله في أشياء هامشية لاطائل من ورائها، واجتناب الامور التي تعتّم قلب الانسان، وكثرةُ المزاح ككثرة الملح في الطعام، على الطالب أن يكون كلامه متقناً وموزوناً فلا يتكلم بكل ما يخطر بباله؛ بل عليه أن لا يتكلم إلا بعد تفكير وانتقاء للكلمات الصالحة،
فإذا كان مراقباً لأعماله ملتزماً جانب التقوى فقد ضمن سعادته.[1]
7- اغتنام الفرص:إن رمز موفقية الإنسان تكمن في اغتنام الفرص، فإذا ما أراد الانسان لاسيما طالب العلم أن يكون له مستقبل موفق عليه ان يستغل جميع الفرص ويستفيد منها «فاغتنموا الفرص فإنها تمرُّ مرَّ السحاب».
8- الارتباط الروحي:إذا أراد الانسان أن يكون موفقاً في عمله عليه بداية أن يتقن أداء تكاليفه الشرعية ولا يغفل عن الدعاء والذكر. ليقرأ الأدعية المعروفة ولا يتخلف عن قراءة الأذكار التي من جملتها الصلوات والاستغفار.
وعليه أن يقوم ببعض الأعمال لتقوية ارتباطه الروحي كصلاة الليل، لكن بشكل تدريجي وذلك حتى لايشعر بالملل والتعب في هذه الأعمال
[1]ينبغي لطالب العلم أن يجالس من يفيده أو يستفيد منه.
قال الشهيد رحمه الله في ذلك حين عدّ آداب الطلبة:« أن يترك العشرة مع من يشغله عن مطلوبه فإن تركها من أهمّ ما ينبغي لطالب العلم ولا سيّما لغير الجنس وخصوصاً لمن قلّت فكرته وكثر تعبه وبطالته فإنّ الطبع سرّاق. وأعظم آفات العشرة ضياع العمر بغير فائدة وذهاب العرض والدين إذا كانت لغير أهل. والذي ينبغي لطالب العلم أن لا يخالط إلّالمن يفيده أو يستفيد منه فإن احتاج إلى صاحب فليختر الصاحب الصالح الدين التقيّ الذكيّ الذي إن نسي ذكّره وإن ذكر أعانه وإن احتاج واساه وإن ضجر صبّره فيستفيد من خلقه ملكة صالحة فإن لم يتّفق مثل هذا فالوحدة ولا قرين السوء».[ منية المريد، ص 106]
المستحبة التي عليه أن يأتي بها بنشاط وهمة عالية، فاذا ما تدرج بالعمل ولو كان قليلًا فإنه سوف يستمر عليه، بينما الإكثار من المستحبات والعجلة فيها يمكن أن تتعب البعض وربما سلبته توفيق الاستمرار على ذلك العمل، فالشاب إذا تدرج في العمل المستحب فانه يكتسب نورانية خاصة، البعض يفرط في أداء المستحبات وقد أثبتت التجربة أنهم لا يوفقون للاستمرار في ذلك وسرعان ما يتعبون منها ويتركونها.[1]
9- التوكل:من الامور المهمة المؤثرة في رقي الانسان وتقدمه مسألة التوكل، فإذا ما كان العمل خالصاً لوجه الله مقترنا بالتوكل عليه تعالى كان ذلك موجباً لسعادة الدنيا والآخرة، فالإنسان المؤمن المتدين اضافة إلى اخلاصه بالعمل لله عليه أن يطلب أجره منه تعالى وسيتلطف الله به وإن
[1]ينبغي لطالب العلم أن يلازم آداب الإسلام والأعمال الصالحة.
قال الشهيد رحمه الله في ذلك حين عدّ آداب المتعلّم والمعلّم:« أن يحافظ على القيام بشعائر الإسلام وظواهر الأحكام كإقامة الصلوات في مساجد الجماعات محافظاً على شريف الأوقات وإفشاء السلام للخاصّ والعامّ مبتدئاً ومجيباً والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والصبر على الأذى بسبب ذلك صادعاً بالحقّ باذلًا نفسه للَّهلا يخاف لومة لائم متأسياً في ذلك بالنبي صلى الله عليه و آله وغيره من الأنبياء متذكّراً ما نزل بهم من المحن عند القيام بأوامر اللَّه تعالى. ولا يرضى من أفعاله الظاهرة والباطنة بالجائز بل يأخذ نفسه بأحسنها وأكملها فإن العلماء هم القدوة وإليهم المرجع وهم حجة اللَّه تعالى على العوامّ وقد يراقبهم للأخذ منهم من لا ينظرون إليه ويقتدى بهم من لا يعلمون به وإذا لم ينتفع العالم بعلمه فغيره أبعد عن الانتفاع به ولهذا عظمت زلة العالم لما يترتّب عليها من المفاسد».[ منية المريد، ص 63]
التوكل أفضل غنيمة تعين الإنسان وتوفقه لاكتساب الروحانية وارتقاء الدرجات.[1]
10- التخلق بالأخلاق الحميدة:الابتعاد عن الغرور والتخلق بالأخلاق الحميدة كالتواضع، فعلى الانسان الابتعاد عن الغرور والكبر في جميع مراحل حياته وأن يطلب من الله تعالى بالتوسل بأهل البيت عليهم السلام أن لا يقع في فخوخ الشيطان تلك، وأن يجعله من عباده الصالحين الحائزين على رضا امام الزمان عليه السلام ببركة التواضع وتقوى الله تعالى، لاسيما الطلاب عليهم أن لا يغتروا بمعرفتهم لعدة مصطلحات علمية بل عليهم أن يجعلوا التقوى نصب أعينهم، ويطلبوا من الله تعالى أن لا يكلهم إلى انفسهم طرفة
[1]ينبغي لطالب العلم ومعلّمه التوكّل على اللَّه والإعتماد عليه.
قال الشهيد رحمه الله في ذلك:« ممّا يلزم كلّ واحد منهما توجيه نفسه إلى اللَّه تعالى والاعتماد عليه في أُموره وتلقّي الفيض الإلهي من عنده فإنّ العلم كما تقدم من كلام الصادق عليه السلام ليس بكثرة التعلم وإنّما هو نور من اللَّه تعالى ينزله على من يريد أن يهديه. وأن يتوكّل عليه ويفوّض أمره إليه ولا يعتمد على الأسباب فيوكّل إليها وتكون وبالًا عليه ولا على أحدٍ من خلق اللَّه تعالى بل يلقي مقاليد أمره إلى اللَّه تعالى في أمره ورزقه وغيرهما يظهر عليه حينئذٍ من نفحات قدسه ولحظات أنسه ما يقوم به أوده ويحصل مطلبه ويصلح به أمره وقد ورد في الحديث عن النّبي صلى الله عليه و آله: أنّ اللَّه تعالى قد تكفّل لطالب العلم برزقه خاصةً عمّا ضمنه لغيره بمعنى أنّ غيره يحتاج إلى السعي على الرزق حتى يحصل غالباً وطالب العلم لا يكلفه بذلك بل بالطلب وكفاه مؤونة الرزق إن أحسن النية وأخلص العزيمة».[ منية المريد، ص 59]
عين ابداً.[1]
[1]ينبغي لطالب العلم التخلّق بالأخلاق الحسنة والتطهّر من الأخلاق الرذيلة.
قال الشهيد رحمه الله في ذلك:« ... ويتخلّق بالمحاسن التي ورد بها الشرع وحثّ عليها والخصال الحميدة والشيم المرضيّة من السخاء والجود وطلاقة الوجه من غير خروج عن الاعتدال وكظم الغيظ وكفّ الأذى واحتماله والصبر والمروّة والتنزّه عن دنيّ الاكتساب والإيثار وترك الاستيثار والإنصاف وترك الاستنصاف وشكر المفضل والسعي في قضاء الحاجات وبذل الجاه والشفاعات والتلطف بالفقراء والتحبّب إلى الجيران والأقرباء والإحسان إلى ما ملكت الأيمان ومجانبة الإكثار من الضحك والمزاح والتزام الخوف والحزن والانكسار والإطراق والصمت بحيث يظهر أثر الخشية على هيأته وسيرته وحركته وسكونه ونطقه وسكوته، لا ينظر إليه ناظر إلّاوكان نظره مذكّراً للَّهتعالى وصورته دليلًا على علمه ...» ثمّ قال رحمه الله:« ويطهّر نفسه من مساوئ الأخلاق وذميم الأوصاف من الحسد والرياء والعجب واحتقار الناس وإن كانوا دونه بدرجات والغلّ والبغي والغضب لغير اللَّه والغش والبخل والخبث والبطر والطمع والفخر والخيلاء والتنافس في الدنيا والمباهاة بها والمداهنة والتزيّن للناس وحب المدح بما لم يفعل والعمى عن عيوب النفس والاشتغال عنها بعيوب الناس والحمية والعصبية لغير اللَّه والرغبة والرهبة لغيره والغيبة والنميمة والبهتان والكذب والفحش في القول ...».[ منية المريد، ص 64]
رضا ولي العصر عليه السلام
غالباً ما كان الطلاب الشباب الذين كانوا يقدمون لزيارة الفقيه المقدس الميرزا التبريزي قدس سره يسألون الميرزا السؤال التالي:
ماذا يتوجب علينا حتى تكون أعمالنا محط رضا ولي العصر عليه السلام؟
لكن الميرزا كان يلاحظ ظاهر هؤلاء الطلبة قبل أيشيء فإذا ما رأى أحدهم لا يتناسب لباسه مع شأنية طالب العلم أو أن شعره كان طويلًا أو أن لحيته من القصر بمكان ابتدأ أولًا وبكل محبة بابداء الملاحظات الظاهرية.
الخطوة الاولى:
فكان مما يقوله قدس سره: «أولًا عليكم اصلاح الشكل الظاهري، فعلى طالب العلم أن يكون تحركه في المجتمع مختلفاً عن تحرك بقية الشباب، الشعر قصير، لحية متعارفة عند أهل العلم، ولباس مناسب لشان الطلبة»[1]. ثم يضيف: «ثم عليه أن يكون دقيقاً في تكاليفه الشاملة للحلال والحرام
[1]ينبغي لطالب العلم المحافظة على النظافة والاهتمام بحسن الشكل الظاهري.
قال الشهيد رحمه الله في ذلك حين عدّ آداب المتعلّم:« ... و زيادة التنظيف بإزالة الأوساخ و قصّ الأظفار و إزالة الشعور المطلوب زوالها واجتناب الروائح الكريهة وتسريح اللحية مجتهداً في الاقتداء بالسنّة الشريفة والأخلاق الحميدة المنيفة» وقال في موضع آخر:« أن لا يحضر مجلس الدرس إلّامتطهراً من الحدث والخبث متنظّفاً متطيّباً في بدنه وثوبه لابساً أحسن ثيابه قاصداً بذلك تعظيم العلم وترويح الحاضرين من الجلساء والملائكة سيّما إن كان في المسجد وجميع ما ورد من الترغيب في ذلك لمطلق الناس فهو في حقّ العالم والمتعلم آكد».[ منية المريد، ص 65]
ويبتعد عن المسائل اللهوية.
الخطوة الثانية:
عليه أن تكون جميع أعماله لله بمعنى أن لا يقدم على عمل إلا لأجل رضا الله تعالى، ولا يشرك في نيته أيداع آخر غير رضا الله تعالى، فإذا ما كان العمل خالصاً لله فانه سوف يكون ذا نتيجة حسنة وسيجزيه الله على ذلك العمل المخلص ويرفع صاحبه إلى مرتبة أعلى[1].
الخطوة الثالثة:
عليه أن يلتزم أهل بيت النبوة عليهم السلام ويخلص لهم الولاء والأدب في ساحتهم القدسية ولا يعمل عملًا إلا ولهم فيه رضا، ويبرز لهم محبته باللسان والجنان، ويقف مدافعاً عن ساحتهم وعن مظلوميتهم ويكون مدافعاً حقيقياً عن الدين والمذهب.
[1]يجب على طالب العلم كما يجب على المعلّم الإخلاص في النيّة.
قال الشهيد رحمه الله في ذلك:« أوّل ما يجب عليهما إخلاص النيّة للَّهتعالى في طلبه وبذله فإنّ مدار الأعمال على النيّات و بسببها يكون العمل تارةً خزفة لا قيمة لها و تارةً جوهرةً لا يعلم قيمتها لعظم قدرها وتارةً وبالًا على صاحبه مكتوباً في ديوان السيئات وإن كان بصورة الواجبات. فيجب على كلّ منهما أن يقصد بعمله وجه اللَّه تعالى وامتثال أمره وإصلاح نفسه وإرشاد عباده إلى معالم دينه ولا يقصد بذلك غرض الدنيا من تحصيل مال أو جاه أو شهرة أو تميّز عن الأشباه أو المفاخرة للأقران أو الترفّع على الإخوان ونحو ذلك من الأغراض الفاسدة التي تثمر الخذلان من اللَّه تعالى وتوجب المقت وتفوّت الدار الآخرة والثواب الدائم فيصير من الأخسرين أعمالًا الذين ضلّ سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنّهم يحسنون صنعاً».[ منية المريد، ص 37]
الخطوة الرابعة:
التي أكد عليها الميرزا قدس سره لهؤلاء الطلبة الشباب هي المواظبة على الدرس، فأوجب على الطلاب صرف جميع أوقاتهم لتحصيل الدروس ليتمكنوا من خدمة الدين والمذهب فإذا لم يواظب الطالب على درسه وأمضى يومه بمسائل هامشية فإنه ليس فقط لن يخدم الدين بل إنه سوف يكون وبالًا على الدين والمذهب[1].
[1]ينبغي للطالب اغتنام الفرص والاهتمام بالتحصيل في جميع الأوقات.
قال الشهيد رحمه الله في ذلك حين عدّه آداب المتعلّم:« أن يغتنم التحصيل في الفراغ والنشاط وحالة الشباب وقوّة البدن ونباهة الخاطر وسلامة الحواس و قلة الشواغل وتراكم العوارض سيّما قبل ارتفاع المنزلة والاتسام بالفضل والعلم فإنه أعظم صادّ عن درك الكمال بل سبب تامّ في النقصان والاختلال ...». ثمّ قال:« وجاء في الخبر( مثل الذي يتعلّم العلم في صغره كالنقش على الحجر و مثل الذي يتعلم العلم في كبره كالذي يكتب على الماء) وعن ابن عباس رضي اللَّه عنه: ما أوتي عالم علماً إلّاوهو شاب وقد نبّه اللَّه تعالى على ذلك بقوله:« وَ آتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا»وهذا باعتبار الغالب وإلّا فمن كبر لا ينبغي له أن يحجم عن الطلب فإنّ الفضل واسع والكرم وافر والجود فائض وأبواب الرحمة والهبات مفتّحة فإذا كان المحلّ قابلًا تمّت النعمة وحصل المطلوب، قال اللَّه تعالى:« وَ اتَّقُوا اللَّهَ وَ يُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ»وقال تعالى:« وَ لَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَ اسْتَوى آتَيْناهُ حُكْماً وَ عِلْماً».وقال تعالى حكاية عن موسى عليه السلام« فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً»إلى غير ذلك. وقد اشتغل جماعة من السلف في حال كبرهم فتفقهوا وصاروا أساطين في الدين وعلماء مصنّفين في الفقه وغيره، فليغتنم العاقل عمره وليحرز شبابه عن التضييع فإنّ بقيّة العمر لا ثمن لها».[ منية المريد، ص 104]