طالب العلم والمناظرات العلميّة
أرجو من سماحتكم أن تبينوا لي كيف ينبغي لي العمل في المناظرات العلمية مع العلم أنّني طالب علم؟
باسمه تعالى:وصيتي لكم أن تهتم اولًا بدروسك وتصقل نفسك من الناحية العلمية والأخلاقية وتنميها ولا تخرج عن جادة الإنصاف والاعتدال في المجادلات العلمية، واجعل المنطق والدليل عمدتك دائماً في مباحثاتك ومناظراتك توفق باذن الله. واجهد أن لا يصدر منك ما يوجب التفرقة والاختلاف بين المسلمين من جهة، ومن جهة اخرى احرص على الدفاع عن مسلمات مذهب التشيع ولا تضعف أمامهم فانك مسؤول. وفقك الله[1].
[1]للمناظرة سهم وافر في إظهار الحقّ وإبطال الباطل.
قال الشهيد رحمه الله في ذلك:« اعلم أنّ المناظرة في أحكام الدين من الدين ولكن لها شروط ومحل و وقت، فمن اشتغل بها على وجهها وقام بشروطها فقد قام بحدودها واقتدى بالسلف فيها فإنّهم تناظروا في مسائل وما تناظروا إلّاللَّهولطلب ما هو حقّ عند اللَّه تعالى. ولمن يناظر للَّهوفي اللَّه علامات بها تتبيّن الشروط والآداب، الأولى: أن يقصد بها إصابة الحقّ وطلب ظهوره كيف اتّفق لا ظهور صوابه وغزارة علمه وصحّة نظره فإنّ ذلك مراء» ثمّ قال:« ومن آيات هذا القصد أن لا يوقعها إلّامع رجاء التأثير فأمّا إذا علم عدم قبول المناظر للحق وأنّه لا يرجع عن رأيه وإن تبيّن له خطاؤه فمناظرته غير جائزة لترتب الآفات ... وعدم حصول الغاية المطلوبة منها. الثانية: أن لا يكون ثمّ ما هو أهمّ من المناظرة فإنّ المناظرة إذا وقعت على وجهها الشرعي وكانت في واجب فهي من فروض الكفايات فإذا كان ثمّ واجب عيني أو كفائي هو أهمّ منها لم يكن الاشتغال بها سائغا. ومن جملة الفروض التي لا قائم بها- في هذا الزمان- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وقد يكون المناظر في مجلس مناظرته مصاحباً لعدة مناكير كما لا يخفى على من سبر الأحوال المفروضة والمحرمة. ثم هو يناظر فيما لا يتفق أو يتفق نادراً من الدقائق العلميّة والفروع الشرعيّة بل يجري منه ومن غيره في مجلس المناظرة من الإيحاش والإفحاش والإيذاء والتقصير فيما يجب رعايته من النصيحة للمسلمين والمحبّة والموادة ما يعصي به القائل والمستمع ولا يلتفت قلبه إلى شيء من ذلك ثم يزعم أنّه يناظر للَّهتعالى».[ منية المريد، ص 168]
الحسد في طلب العلم
بعض الأوقات يدخلني الحسد تجاه الطلاب الآخرين، فما هو العلاج من ذلك؟
باسمه تعالى:بنيّ! احترس من أن تدخلك هذه الخصلة التي تبعدك عن نيل التوفيق[1]ويجب أن تنظر إلى ما تملكه من استعدادٍ لكي تواصل
[1]من مهلكات في طلب العلم الحسد بالنسبة إلى الغير.
قال الشهيد رحمه الله في ذلك:« وأمّا ما جاء في ذم الحسد والوعيد عليه فهو خارج عن حد الحصر وكفاك في ذمّه أنّ جميع ما وقع من الذنوب والفساد في الأرض من أوّل الدهر إلى آخره كان من الحسد لمّا حسد إبليس آدم فصار أمره إلى أن طرده اللَّه ولعنه وأعدّ له عذاب جهنّم خالداً فيها وتسلّط بعد ذلك على بني آدم وجرى فيهم مجرى الدم والروح في أبدانهم وصار سبب الفساد على الآباء وهو أوّل خطيئة وقعت بعد خلق آدم وهو الذي أوجب قتل ابن آدم أخاه كما حكاه اللَّه تعالى عنهما في كتابه الكريم. و قد قرن اللَّه تعالى الحاسد بالشيطان والساحر فقال:« وَمِنْ شَرِّ غاسِق إِذا وَقَبَ وَ مِنْ شَرِّ النَّفّاثاتِ فِي الْعُقَدِ وَمِنْ شَرِّ حاسِد إِذا حَسَدَ» وقال صلى الله عليه و آله:( الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب)».[ منية المريد، ص 176]
تحصيلك العلمي طِبْقَه، حيث يمكن أن يكون لبعض الطلبة استعداد متفاوت معك نوعاً وكمّاً، فلذا عليك بطلب العلم للَّهوأن يكون توكلك عليه لكي تطرد هذه الخصلة غير الصالحة، وإلّا فإنّ هذه الخصلة- والعياذ باللَّه- تجرّ صاحبها إلى العداوة والبغضاء، وهي آفة العلم حيث تمنع من الوصول الى الغاية الأسمى[1]، فلذلك عليك دائماً أن تنظر الى الطلاب الآخرين بنظرة تبعث على أن يكونوا في خير وعافية، وابعد عنك المسائل التي
[1]لابدّ لطالب العلم من الاحتراز عن الحسد في طلب العلم.
قال الشهيد رحمه الله في ذلك:« ربّما يلبس عليهم الشيطان مع ذلك ويقول لهم غرضكم نشر دين اللَّه والنضال عن الشرع الذي شرعه رسول اللَّه؛ صلى الله عليه و آله والمظهر لهذه المقاصد يتبيّن عند ظهور أحدٍ من الأقران أكثر علماً منه وأحسن حالًا بحيث يصرف الناس عنه فلينظر حينئذٍ فإن كان حاله مع الموقّر له والمعتقد لفضله أحسن وهو له أكثر احتراماً وبلقائه أشد استبشاراً ممّن يميل إلى غيره مع كون ذلك الغير مستحقّاً للموالاة فهو مغرور وعن دينه مخدوع وهو لا يدري كيف وربّما انتهى الأمر بأهل العلم إلى أن يتغايروا تغاير النساء فيشقّ على أحدهم أن يختلف بعض تلامذته إلى غيره وإن كان يعلم أنه منتفع بغيره ومستفيد منه في دينه. وهذا رشح الصفات المهلكة المستكنّة في سرّ القلب التي يظنّ العالم النجاة منها وهو مغرور في ذلك وإنّما ينكشف بهذه العلامات ونحوها».[ منية المريد، ص 46]
لا تؤدي إلى الموفقية[1].
العمل للنجاة يوم القيامة
ماذا علينا أن نعمل حتى نكون من الناجين يوم القيامة؟
باسمه تعالى:اشكروا الله تعالى الذي وفقكم لاتباع أسباب النجاة، وعليكم بالسعي لكسب رضا أهل البيت عليهم السلام عن طريق التمسك بحبلهم والتوسل بهم، لأن رضاهم رضا الله، ولاتغفلوا عن تهذيب النفس بالاستلهام من تعاليم أهل البيت عليهم السلام، وتخلقوا بالأخلاق الحسنة، وأدّوا واجباتكم الشرعية بحدودها وعليكم بالقناعة في كماليات الحياة، والله المسدد.
[1]ينبغي لطالب العلم أن يفرح بوجود نظراءَ له في العلم ويشكر اللَّه تعالى.
قال الشهيد رحمه الله في ذلك:« ولو كان الباعث له على العلم هو الدين لكان إذا ظهر غيره شريكاً أو مستبدّاً أو معيناً على التعليم لشكر اللَّه تعالى إذ كفاه وأعانه على هذا المهمّ بغيره وكثّر أوتاد الأرض ومرشدي الخلق ومعلّميهم دين اللَّه تعالى ومحيي سنن المرسلين. وربّما لبس الشيطان على بعض العالمين ويقول: إنّما غمك لانقطاع الثواب عنك لا لانصراف وجوه الناس إلى غيرك إذ لو رجعوا إليك أو اتّعظوا بقولك وأخذوا عنك لكنت أنت المثاب واغتمامك لفوات الثواب محمود ولا يدري المسكين أنّ انقياده للحقّ وتسليمه الأمر الأفضل أجزل ثواباً وأعود عليه في الآخرة من انفراده. وليعلم أن أتباع الأنبياء والأئمة لو اغتموا من حيث فوات هذه المرتبة لهم واختصاص أهلها بها لكانوا مذمومين في الغاية بل انقيادهم إلى الحقّ وتسليم الأمر إلى أهله أفضل الأعمال بالنسبة إليهم وأعود عليهم في الدين. وهذا كلّه من غرور الشيطان وخدعه».[ منية المريد، ص 46]
حالة الغرور في الطلبة
إذا اراد طالب العلم ان يكسر حالة الغرور في نفسه فماذا عليه أن يفعل؟
باسمه تعالى:من الامور المؤثّرة زيارة القبور فانها تذكر الانسان بالموت وتكون سبباً للابتعاد عن المعصية[1].
[1]ينبغي لطالب العلم أن لا يفتخر على غيره ولا يحتقره.
قال الشهيد رحمه الله في ذلك:« يجب على من علم منهم بنوع من العلم وضرب من الكمال أن يرشد رفقته ويرغّبهم في الاجتماع والتذاكر والتحصيل ويهوّن عليهم مؤونته ويذكر لهم ما استفاده من الفوائد والقواعد والغرائب على جهة النصيحة والمذاكرة فبإرشادهم يبارك اللَّه له في علمه ويستنير قلبه وتتأكّد المسائل عنده مع ما فيه من جزيل ثواب اللَّه تعالى وجميل نظره وعطفه. ومن بخل عليهم بشيء من ذلك كان بضدّ ما ذكر ولم يثبت علمه وإن ثبت لم يثمر ولم يبارك اللَّه له فيه وقد جرب ذلك لجماعة من السلف والخلف. ولا يحسد أحداً منهم ولا يحتقره ولا يفتخر عليه ولا يعجب بفهم نفسه وسبقه لهم فقد كان مثلهم ثمّ من اللَّه تعالى عليه فليحمد اللَّه تعالى على ذلك ويستزيده منه بدوام الشكر فإذا امتثل ذلك وتكاملت أهليّته واشتهرت فضيلته ارتقى إلى ما بعده من المراتب».[ منية المريد، ص 139]
الحافظة القويّة
ما هو العمل لكي تكون حافظتي قويّة ولا يعرض عليّ النسيان؟
باسمه تعالى:إنّ طالب العلم لأجل أن يحفظ المعلومات ولا يعرض عليه النسيان يجب أن يجعل له برنامجاً دقيقاً لحفظ المعلومات[1]ولا ييأس عندما يبطأ عليه ذلك بعض المرّات. حيث الاستعدادات عند الأفراد تتفاوت من فرد لآخر، فيجب عليه أن يسعى بقدر استعداده فإنّ العجلة آفة الحفظ وتؤدي الى أن لا يستطيع أن يكوّن له برنامج. ولكي لا تقعوا في الاشتباه واظبوا على كسب التوفيق في الحفظ عَبْرَ القرآن[2]
[1]ينبغي لطالب العلم الاهتمام بحفظ درسه وتكراره والمواظبة عليه.
قال الشهيد رحمه الله في ذلك عند ذكر آداب المتعلّم في درسه:« أن يعتني بتصحيح درسه الذي يحفظه قبل حفظه تصحيحاً متقناً على الشيخ أو على غيره ممّن يعينه ثم يحفظه حفظاً محكما ثم يكرّره بعد حفظه تكراراً جيّداً ثم يتعاهده في أوقات يقرّرها لمواظبته ليرسخ رسوخاً متأكّداً ويراعيه بحيث لا يزال محفوظاً جيّداً. ولا يحفظ ابتداء من الكتب استقلالًا من غير تصحيح لأدائه إلى التصحيف والتحريف وقد تقدّم أنّ العلم لا يؤخذ من الكتب فإنّه من أضرّ المفاسد سيّما الفقه».[ منية المريد، ص 131]
[2]ينبغي لطالب العلم المواظبة على قراءة القرآن وحفظه.
قال الشهيد رحمه الله في ذلك عند عدّ آداب المتعلّم في درسه:« أن يبتدئ أوّلًا بحفظ كتاب اللَّه تعالى العزيز حفظاً متقناً فهو أصل العلوم وأهمّها وكان السلف لا يعلّمون الحديث والفقه إلّالمن حفظ القرآن، وإذا حفظه فليحذر من الاشتغال عنه بغيره اشتغالًا يؤدّي إلى نسيان شيء منه أو تعريضه للنسيان بل يتعهّد دراسته وملازمة وردٍ منه كلّ يوم ثم أيّام ثم جمعة دائماً أبداً».[ منية المريد، ص 130]
ولا تغفلوا عن كثرة الذكر والصلوات على محمد وآله، وكذلك عليك لأجل تقوية الحفظ أن تطالع الكتب المعتبرة التي تعرضت لذلك للاستفادة منها.
تحمّل الصعوبات والمشاكل
أنا طالب علم واجهتني بعض الصعوبات والمشاكل بحيث جعلت من استمراري في الدراسة امراً حرجياً فهل يجوز لي ترك الدراسة؟
باسمه تعالى:ان طلب العلم غير ممكن بدون تحمل الصعاب والمشاكل وقلما تجد طالب علم لا يعاني من ضغوط الحياة، نعم هناك بعض الافراد الذين يعتمدون على آبائهم او مصادر مالية معينة يعيشون في بحبوحة وراحة لكن اغلب من رأيناهم يعانون الضيق والمشاكل.
إن تحمل بعض ضغوطات الحياة أمر صعب. فاذا كان طلب العلم بهذه الوضعية حرجاً عليكم وتشعر بعدم امكانية ذلك حقيقة وواقعاً فان بامكانك ترك طلب العلم، وعلى أيحال ان تكون عالما بدون عروض المصاعب والمشقات فهذا غير ممكن وإن امكنك الصبر والتحمّل فإن الله سيُفرّجُ عنك ويلطف بك ولا يمكن لهذه المشاكل والصعاب أن تستمر لأنه:
«ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب»فاذا تحملت هذه المشكلات لله فانه سيفرج عنك وتنال الأجر والمقامات الأخروية.
كتب المقدمات
اريد الشروع بالدراسة الحوزوية بحول الله وقوته فماذا تنصحوني ان أقرا من الكتب؟
باسمه تعالى:ولدي العزيز! بعد تمنياتي لك بالتوفيق في دراستك عليك بقراءة الكتب الحوزوية التقليدية، وابتعد عن الوساوس التي تشاع هنا وهناك من تغيير الكتب الدراسية وما شاكل فقد بلغ علماؤنا الاعلام ما بلغوه من الدرجات العلمية العالية عبر تلك الكتب الحوزوية التقليدية المعروفة، فابدأ بحول الله وقوته بكتاب: جامع المقدمات الذي ينقسم بدوره إلى عدة كتب مختلفة[1]وادرسه عند استاذ متدين ومجرب، وإلى
[1]إنّ لتحصيل العلوم المختلفة ترتيباً لابدّ لطالب العلم من مراعاته.
قال الشهيد رحمه الله في ذلك:« اعلم أنّ لكلّ علم من هذه العلوم مرتبة من التعلم لابدّ لطالبه من مراعاتها لئلّا يضيع سعيه أو يعسر عليه طلبه وليصل إلى بغيته بسرعة وكم قد رأينا طلاباً للعلم سنين كثيرة لم يحصلوا منه إلا على القليل وآخرين حصلوا منه كثيراً في مدة قليلة بسبب مراعاة ترتيبه وعدمه». ثمّ قال:« فمن كان تعلّمه في ابتداء أمره وريعان شبيبته وهو قابل للترقي إلى مراتب العلوم والتأهل للتفقه في الدين بطريق الاستدلال والبراهين فينبغي أن يشتغل في أول أمره بحفظ كتاب اللَّه تعالى وتجويده على الوجه المعتبر ليكون مفتاحاً صالحاً ومعينا ناجحاً وليستنير القلب به ويستعد بسببه إلى درك باقي العلوم. فإذا فرغ منه اشتغل بتعلم العلوم العربية فإنها أول آلات الفهم وأعظم أسباب العلم الشرعي فيقرأ أولًا علم التصريف ويتدرج في كتبه من الأسهل إلى الأصعب والأصغر إلى الأكبر حتى يتقنه ويحيط به علماً. ثم ينتقل إلى النحو فيشتغل فيه على هذا النهج ويزيد فيه بالجد والحفظ فإن له أثراً عظيماً في فهم المعاني ومدخلًا جليلًا في إتقان الكتاب والسنة لأنهما عربيان. ثمّ ينتقل منه إلى بقية العلوم العربية ...».[ منية المريد، ص 223]