بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 7

المقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم‌

والصلاة والسلام على خاتم النبيين محمد وآله الطيبين الطاهرين‌

وبعد:

لا يخفى على المتتبع لتاريخ الطائفة الإمامية أن الله (عز وجل) قد أنعم عليها طيلة عصر الغيبة بالعلماء الداعين إليه والدالين عليه والذابين عن دينه، والمنقذين لضعفاء عباد الله من شباك إبليس ومَرَدته، ومن فخاخ النواصب الذين يمسكون أزمّة قلوب ضعفاء الشيعة كما يمسك صاحب السفينة سكانها، كما ذكره الإمام الهادي عليه السلام في روايته المعروفة:

«لولا من يبقى بعد غيبة قائمكم من العلماء الداعين اليه، والدالّين عليه، والذابين عن دينه بحجج الله، والمنقذين للضعفاء من عباد الله من شباك إبليس ومردته، لما بقى أحد إلا ارتد عن دين الله. ولكنهم يمسكون أزمة قلوب ضعفاء الشيعة كما يمسك صاحب السفينة سكانها، اولئك هم الأفضلون عند الله عزوجل»[1].

وإن الميرزا التبريزي قدس سره كان المصداق البارز لقوله تعالى في الآية 95 من سورة مريم:«إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا».

[1]بحارالانوار، ج 51، ص 156.


صفحه 8

لقد كان الميرزا التبريزي قدس سره محبوباً لقلوب جميع من عرفه، والسبب يعود إلى أخلاقه وسماته الرفيعة التي تميّز بها، فقد كان الشيخ يتحلّى بصفات خاصة يقتدي بها المتدينون ويلوذون بوجوده المبارك، علاوةً على علميته وفقاهته حيث عرف بقطب الحوزة العلمية.

لقد أفاض الباري عز وجل على المرجع الفقيد عزةً وجلالًا كشفت عنها الجموع المليونية التي مشت في تشييع جنازته، فقد كان شديد الحماس والولاء لأهل البيت عليهم السلام إضافة إلى سعيه الحثيث في نشر معارفهم وعلومهم عليهم السلام، وما أن يسمع بشبهة إلا ويبادر للرد عليها على الفور مفوّتاً الفرصة على المشككين.

وقد أحدث فقده اليوم خللًا ملحوظاً، حيث لاتزال ذكرى المسيرة الفاطمية بالأقدام الحافية تحت الشمس المحرقة أيام شهادة الزهراء عليهم السلام حيةً خالدةً في الأذهان محتاجة إليه.

كان الميرزا قدس سره بمواقفه الصريحة وبياناته الجريئة الشجاعة من أبرز الشخصيات العلمية المدافعة عن حريم أهل البيت عليهم السلام في زمنه بسعيه الحثيث في نشر معارف أهل البيت عليهم السلام وحرصه الشديد وإخلاصه في محبته لأهل بيت النبوة عليهم السلام. لقد أحدث تحوّلًا كبيراً في أوساط محبي أهل بيت النبوة عليهم السلام في زمن مرجعيته المباركة أجل الله ذكراه وأكثر الماشين على خطاه.

ونحن في هذه السطور نحب أن نرسم جملة من نصايح و سلوك هذا


صفحه 9

المرجع الكبير الراحل قدّس اللَّه نفسه الزكية لأنّ من المفروض علينا أن نُعرّف للعالم وللمؤمنين- وأهل العلم بالخصوص- نصايح علمائنا الأعاظم والصالحين من سلفنا لتكون نبراساً ومنهاجاً لروّاد العلم وعشّاق الحقيقة.

ومن أجل أن يعرف الجميع كم اهتم علماؤنا الصالحون في حياتهم نصيحة المؤمنين واهل العلم حتى تشرفوا بالنيابة عن ولي الله الأعظم عليه السلام ورتّبنا الكتاب بعد ذكر ترجمة له قدس سره على ثلاثة فصول: الفصل الأوّل في نصائحه العامّة لطلبة العلم والثاني في نصائحه جواباً على أسئلة طلبة العلم والثالث في آداب من حياته قدس سره مفيدة لطلبة العلم‌[1]. وما توفيقنا إلا باللَّه عليه نتوكل وإليه ننيب.

دار الصديقة الشهيدة عليها السلام‌

قم المقدسة سنة 1431 ه. ق‌

[1]وأضفنا في الهامش بعض كلمات الشهيد الثاني رحمه الله في كتابه القيّم النافع( منيةالمريد في آداب المفيد والمستفيد) تتميماً للفائدة وتفصيلًا لبعض العبارات المختصرة.


صفحه 10

بسم اللَّه الرحمن الرحيم‌

حمداً لله منزل الكتاب هدى ورحمة، ونفحات من روحه تعالى لعبده و رسوله محمد صلى الله عليه و آله وتحيات معطرة بالولاء والايمان إلى أئمة الهدى وكنوز الحكمة وأوصياء النبي وخلفائه عليهم السلام. وبعد:

فإنّ فقيد الاسلام آية الله العظمى الجواد التبريزي (طيب الله ثراه) كان من عيون مراجع الطائفة، وفي طليعة الفقهاء العظام، قد وهب روحه وفكره لله تعالى، وتفانى في طاعته ونكرانه للذات فاخلص كأعظم ما يكون الاخلاص للاسلام، وسهر على حراسته والذب عن قِيَمِه ونشر معارفه، وتبليغ أحكامه، وقد تميز (قدس الله مثواه) منذ نعومة أظفاره بالجد والاجتهاد والمثابرة في طلب العلم، لم يألف الراحة ولم يخلد إلى السكون حتى في أيام العطل التى اعتاد فيها طلاب العلم على الراحة، وقد نال درجة الاجتهاد بتفوق فى نهاية العقد الثانى من حياته، ولم تقتصر علومه على الفقه والاصول وقواعد الحديث، وانما شملت الفلسفة والحكمة التي برع فيهما، وكان في أيام دراسته في النجف الأشرف ممن يشار إليه باعتزاز في فضله وتقواه، ولما اضطر إلى الهجرة من النجف الأشرف إلى قم المقدسة أقام حوزة علمية فغذاها بتقواه وورعه وعلمه وكان من ألمع المراجع في قم.

وبعد ما منيت الامة بالخسارة العظمى بفقد سماحته اصيبت الحوزة العلمية بخسارة كبرى فقد فقدت الأب الذي كان يحنو عليها ويعطف ....


صفحه 11

وان من الوفاء للفقيد نشر تراثه الذي انفق عليه طيلة حياته، وقد انبرى سماحة العلامة ولده إلى ابراز بعض ما الفه والده فى الفقه والاصول والرجال و ... وهذا من أهم ما يقدم للفقيد من الخدمات لتستفيد الحوزة العلمية من هذا التراث القيم أجزل الله تعالى لولده الأجر وأثابه على ذلك وتغمد الفقيد العظيم بالرحمة والرضوان.

باقر شريف القرشي‌

النجف الاشرف‌

15 رجب سنة 1430 ه


صفحه 12

التبريزي قدس سره قدوة العلماء

ورد عن الرسول صلى الله عليه و آله-إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم فسعوهم بأخلاقكم‌- وورد عنه:أفاضلكم أحسنكم أخلاقاً الموطئون أكنافاً الذين يألفون ويؤلفون‌- لقد كان الأُستاذ الجواد التبريزي قدس سره مثالًا للشمائل المحمدية والأخلاق النبوية، ومن خلال معاشرتنا له اكتسبنا وتعلمنا منه مجموعة من الفضائل والقيم الروحية والتربوية نشير إلى بعض منها:

الف- الحنان الأبوي: لقد كان أباً حقيقياً لتلامذته فهو شديد العناية بالطلبة، كثير الابتسامة وافر الحنان والعطف الأبوي يسأل عن تلامذته إن غابوا، ويشجعهم على السؤال والمناقشة إن حضروا، ويدفعهم لكتابة البحوث والتعليق على آراء الأعلام.

ب- التواضع: لم يكن يعيش الشيخ المقدّس أي تكلّف في حياته فقد كان يستقبل الطلاب في كل وقت، ومن دون مواعيد مسبقه، وتراه عند أول الصباح إذا دخلت عليه المجلس يصنع لنفسه الشاي، ويحضر طعام الفطور ويجلس ليأكل مع من حضر من طلّابه، وعندما أقبلت عليه المرجعية لم تغير من لباسه البسيط ولا من مكان مجلسه، ولا من طريقة حياته فهو يمشي وحده للمسجد الأعظم للتدريس، ويخرج قبل الفجر وحده للحرم المشرف.

ج- نبذ الغرور: كان يوصي طلبته الأذكياء البارزين بعدم العجلة في الإشكال على كلمات الأعلام، وأن عليهم أن يتأملوا في الرأي مراراً


صفحه 13

وتكراراً وعرضه على أهل الدقة والتأمل، فإن لم يجدوا له وجهاً وضعوه موضع التأمل، كما كان يوصي بعدم الاستعجال في دعوى الفقاهة وأهلية الرأي فإنه كما يقول يسي‌ء لسمعة الطالب ويسي‌ء للحوزة العلمية؛ لأنه يوجب الجرأة على المقامات العلمية الخطيرة.

د- اغتنام الفرصة: لم يكن يرضى الأُستاذ بقضاء الوقت في الحديث عن الناس أو عرض القضايا الشخصية، وكان يصرّ على جلسائه باغتنام كل دقيقة من الجلسة في طرح المسائل الفقهية والمعارف العقائدية أو الاشتغال بالذكر، حتى في سفراته أو رحلاته لا يرضى بقضاء الوقت في الترفيه وإنما يشغله دائماً بمذاكرة العلم والمعارف.

ه- احترام الكفاءة العلمية: لم يكن احترام الأُستاذ وتبجيله لأهل العلم على أساس العائلة أو الوجاهة الاجتماعية، وإنما كان على أساس الكفاءة العلمية، فتراه عندما يدخل عليه أحد الطلبة من أهل الفضل والدقة فإنه يحترمه ويقبل عليه، وإن لم يكن معروفاً ولا من عائلة معروفة، في حين لا يعطي هذا الاهتمام الكبير للمعمّم الذي لا ميزة له إلّاأنه ابن العائلة أو صاحب وجاهة اجتماعية ما لم يكن مشغولًا بخدمة المؤمنين وترويج العقيدة، وكم له من الفضائل والمناقب التي يصعب حصرها، نسأل اللَّه تعالى أن يوفقنا للسير على نهجه الخلقي الفاضل.

السيد منير الخباز

جمادى الأُولى سنة 1431 ه. ق‌


صفحه 14

الميرزا التبريزي ثلمة لا يسدها شي‌ء

إذا أردت أن اتحدث عن فضله وعلمه، أو أن تتحدث عن ورعه وتقواه، أو أن تتحدث عن جده واجتهاده، أو أن تتحدث عن صبره ومعاناته، أو أن تتحدث عن صدقه ومصداقيته، أو أن تتحدث عن تبصره وبصيرته، أو أن تتحدث عن سعة اطلاعه وواسع معرفته، أو أن تتحدث عن تحقيقه وتدقيقه، أو أن تتحدث عن تثبته وتتبعه، أو أن تتحدث عن تعقله وحكمته، أو أن تتحدث عن وضوح آرائه وصلابة مواقفه، أو أن تتحدث عن إقدامه وشجاعته، أو أن تتحدث عن تأنيه وحيطته، فأنت في كل ذلك كناقل التمر إلى هجر، أو كالمشير إلى الشمس في رابعة النهار، فشمسه الساطعة اليفة العيون المبصرة، لا يُذهلها عنها إلا انس العادة، ولا يصرفها إلا انشغال الإرادة.

أما اذا أردت الحديث عن شمس وجدانه الكامنة التي تستمد منها شمسُ سلوكه الساطعة، فلابد لك في اكتناه سرها أن تستجلي مجرى النور الذي يصلها بالشمس العظمى التي يجللها السحاب. حيث لا يكون مثله مرجعاً حقاً في حيز من الزمان إلا اذا تجاوزت روحه دائرة الزمان لترتبط بامام الزمان وترتشف النور من صاحب العصر والزمان.

فإلى أي‌مدى يجب أن ترتقيَ النفس، وإلى أي‌افق رحب يجب أن تسمو الروح، لتصبح كل حركة وسكنة تصدر عنها خاشعة لإمام زمانها، مستظلة بظل عنايته ورعايته، منبعثة من نبع رضاه، فما يُحرز فيها