بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 84

ثم يؤكد القرآن هذا الشرط الصعب في الإنفاق، والذي يحتاج تحقيقه الى ترويض شديد للنفس الأمارة بالسوء، وردع دائم للشهوات الشيطانية فيها، فيقول

قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَآ أَذىً وَاللّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ‌(البقرة/ 263)

فلو لم يدفع الغني ماله للفقراء، ولكنه يجالسهم ويحسب نفسه واحداً منهم ويعتبرهم إخوانه ولم يتسلط عليهم، بل إذا صدرت منهم خطيئة صبر عليها وغفرها لهم؛ هذا أفضل عند الله من أن يدفع ماله بدافع السيطرة عليهم، وتذليل كرامتهم، وتكوين حالة طبقية في الأمة.

ويتابع القرآن الحديث عن ذات الفكرة بكلمة توجيهية للمؤمنين يحذِّر فيها من أنّ صدقاتهم سوف تتبخَّر، بل وتحترق، بمجرد استخدامها في سبيل السيطرة على الفقراء والمحرومين، ولا تعود الصدقات سبباً لنمو المال، ولا لرحمة الله في الآخرة.

ويضرب لنا مثلًا موضِّحاً: أرأيت كيف يبطل الانسان عمل الخير؟. إنه أشبه شي‌ء بأرض جبلية صمّاء، جمع الفلاح حفنة من التراب عليها ليزرع فيها، ولكن سيول المطر ذهبت بتلك الحفنة من التراب، فعادت الأرض كطبيعتها الأولى لا تصلح للزرع، هكذا هو الذي ينفق ماله، ثم يستخدم إنفاقه للسيطرة، كالصحراء لاتصلح لنبات الخير

يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأذَى كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَآءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الاخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ‌


صفحه 85

تُرَابٌ فَاصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْ‌ءٍ مِمَّا كَسَبُواْ وَاللّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ‌(البقرة/ 264)

وهناك مثل آخر، يعاكس هذا المثل تماماً، إنه مثل المؤمنين المخلصين لله في إنفاقهم؛ إنهم سوف يحصلون على ثلاث فوائد: الأولى؛ اكتساب مرضاة الله. والثانية؛ تزكية أنفسهم، وتربيتها على التقوى والعطاء. والثالثة؛ جني ثمار العطاء في شكل ثواب عظيم في الدنيا والآخرة.

وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَآءَ مَرْضَاتِ اللّهِ وَتَثْبِيتَاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَاتَتْ اكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فإِن لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ(البقرة/ 265)

ويضرب الله مثلًا رائعاً لما يصيب الانسان من خيبة أمل بسبب احباط أعماله، يوم يحتاج الى الجزاء، فيكتشف أن لذة الشهرة او السيطرة التي أرادها من عمله فأتبعه بالمن والأذى، قد ذهبت بخيراته وأصبحت هباءً منثوراً، يقول ربنا

أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِن نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِن كُلِّ الَّثمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَآءُ فَاصَابَهَآ إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمُ الاياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ‌(البقرة/ 226)

2/ إنفاق الطيب لا الخبيث‌

يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنْفِقُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّآ أَخْرَجْنَا لَكُم مِنَ الأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُواْ الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُم بِاخِذِيهِ إِلآَّ أَن تُغْمِضُواْ فِيهِ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ(البقرة/ 267)


صفحه 86

فعليكم باختيار أفضل ما عندكم، سواء ما حصلتم عليه بالجهد، كالمال والبناء وما صنعتم بأيديكم، او مالم تصرفوا فيه جهداً، كالزرع والضرع .. المهم أن تختاروا أفضل أموالكم لتقدموه لله، ولا تتوجهوا نحو الخبيث لتختاروه للإنفاق. وفكّروا لو انعكس الأمر، وكنتم أنتم الفقراء، فهل كنتم تقبلون بهذا الخبيث؟.

3/ آثار الإنفاق‌

ثم يحذِّرنا القرآن من الاستجابة لايحاءات الشيطان الذي ينادينا من داخل أنفسنا بأن لاتنفقوا لأنكم سوف تصبحون فقراء لو أنفقتم

الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَآءِ وَاللّهُ يَعِدُكُم مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ* يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَآءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ اوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَمَا يَذَّكَّرُ إِلآَّ اوْلُواْ الأَلْبَابِ‌(البقرة/ 268- 269)

كلا .. إنّ الإنفاق يدوِّر الثروة بين الناس، ويسبّب إنتعاش الإقتصاد، وبالتالي استفادة الجميع، وحتى يدعوكم الله الى العطاء، فإنه يدعوكم الى أفضل منه. ومن جهة أخرى، فإن الشيطان يخوِّفكم من الفقر، فتمسكون أيديكم فيكرهكم الناس، وتنتشر البغضاء، وتتولد منها الفحشاء، أوليس الأفضل هو الإنفاق حتى تنتشر المحبة والوئام بدل الحقد والكراهية.

إن تأثير العطاء في الرخاء الاقتصادي، تأثير فطري ترعاه سنة الله في الحياة، سواءً علم الناس بالعطاء والانفاق أم لا، لأن علم الناس بذلك او جهلهم ليس له أثر في مدى تأثير العطاء والانفاق في نمو الاقتصاد.


صفحه 87

4/ كتمان الإنفاق‌

ويكفي أن الله يعلم بذلك، إذ هو الذي يضاعف الثروة بالإنفاق لا الناس، يقول الله تعالى

وَمَآ أَنْفَقْتُم مِن نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُم مِن نَذْرٍ فَإِنَّ اللّهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ(البقرة/ 270)

وهكذا مهَّدت هذه الآية للحديث عن كتمان الانفاق، فمادام الإنفاق في سبيل الله وليس بهدف الاستعلاء على الناس، فهو عمل صالح ولا يضره علم الناس به، ولكن كتمانه أفضل لأنه يبعد العمل عن هواجس النفس ووساوس الشيطان

إِن تُبْدُواْ الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَآءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُم مِن سَيِّاتِكُم وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ(البقرة/ 271)

ولأن الإنفاق ينبغي أن يكون في سبيل الله، فليست القيادة الاسلامية إلّا قناة للمال المُنفَق توصله الى مستحقيه، وهي ليست مسؤولة عن إنفاق الاغنياء أكثر من ذلك، إنما المسؤول الأول عن أعمال الشخص هو ذاته، لأن فوائده وأضراره تصيبه مباشرة

لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللّهَ يَهْدِي مَن يَشَآءُ وَمَا تُنْفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلَانْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ الَّا ابْتِغَآءَ وَجْهِ اللّهِ وَمَا تُنْفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ‌(البقرة/ 272)

5/ مصارف الإنفاق‌

ويبقى السؤال: أين ننفق الأموال؟. ولمن؟


صفحه 88

تجيب الآية الكريمة على ذلك

لِلْفُقَرَآءِ الَّذِينَ احْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الأرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَآءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لا يَسْالُونَ النَّاسَ إِلْحَافاً وَمَا تُنْفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللّهَ بِهِ عَلِيمٌ‌(البقرة/ 273)

والكلمة الأخيرة هي: أن على الانسان ان لايضع حداً لإنفاقه في سبيل الله، بل عليه ان ينفق كلما وجد ثغرة في المجتمع ويكون مِن

الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِاللَّيلِ وَالنَّهَارِ سِرّاً وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ‌(البقرة/ 274)


صفحه 89

الإنفاق والصدقات في السنة الشريفة

وقد قام الرسول العظيم صلى الله عليه وآله، وأئمة الهدى من بعده بترغيب المسلمين في الإنفاق والتصدق، وقد رويت عنهم أحاديث جمة في هذا المجال نقتطف بعضاً منها وهي التي تبين لنا الخطوط العامة في الإنفاق والصدقات

آثار الصدقة

1- قال رسول الله صلى الله عليه وآله:"

الصدقة تدفع ميتة السوء".[1]

2- وقال ايضاً:"

تصدّقوا فإن الصدقة تزيد في المال كثرة، فتصدّقوا رحمكم الله."[2]

3- وروى زرارة عن الامام الصادق عليه السلام أنه قال في حديث:"

استنزلوا الرزق بالصدقة، من أيقن بالخلف جاد بالعطية، إنّ الله ينزل المعونة على قدر المؤنة."[3]

[1]وسائل الشيعة، ج 6، كتاب الزكاة، أبواب الصدقة، الباب 1، ص 255، ح 2

[2]المصدر، الباب 1، ص 257، ح 8

[3]المصدر، ح 11.


صفحه 90

4- وقال الامام الصادق عليه السلام:"

داووا مرضاكم بالصدقة، وادفعوا البلاء بالدعاء، واستنزلوا الرزق بالصدقة، فإنها تفك من بين لحى سبعمأة شيطان ..."[1]

5- وقال النبي صلى الله عليه وآله:"

خير مال المرء وذخائره الصدقة."[2]

6- وقال صلى الله عليه وآله ايضاً:"

باكروا بالصدقة، فمن باكر بها لم يتخطاها البلاء."[3]

كمال الايمان‌

7- قال المفضّل بن عمر: سمعت أبا عبد الله جعفر بن محمد عليه السلام يقول:"

لا يكمل إيمان العبد حتى يكون فيه اربع خصال: يحسن خلقه، وتسخو نفسه، ويمسك الفضل من قوله، ويخرج الفضل من ماله."[4]

يد الله‌

8- قال رسول الله صلى الله عليه وآله:"

الأيدي ثلاثة فيد الله العلياء، ويد المُعطي التي تليها، ويد السائل السُفلى، فأعط الفضل ولا تعجز نفسك".[5]

ولو بالقليل‌

9- عن الامام الصادق عليه السلام: قال رسول الله صلى الله عليه وآله:"

تصدّقوا ولو بصاع من تمر، ولو ببعض صاع، ولو بقبضة، ولو بتمرة، ولو

[1]وسائل الشيعة، ج 6، كتاب الزكاة، أبواب الصدقة، الباب 3، ص 260، ح 1

[2]المصدر، الباب 1، ص 257، ح 14

[3]المصدر، الباب 1، ص 257، ح 15

[4]المصدر، الباب 1، ص 259، ح 21

[5]المصدر، الباب 5، ص 263، ح 4.


صفحه 91

بشق تمرة، فمن لم يجد فبكلمة طيبة، فإن أحدكم لاقي الله فقائل له: ألم أفعل بك؟. ألم أجعلك سميعاً بصيراً؟. ألم أجعل لك مالًا وولداً؟ فيقول: بلى، فيقول الله تبارك وتعالى: فانظر ما قدمت لنفسك. فينظر قدّامه وخلفه وعن يمينه وعن شماله فلا يجد شيئاً يقي به وجهه من النار.[1]

لقمة بلقمة

10- قال الامام الرضا عليه السلام:"

ظهر في بني اسرائيل قحط شديد سنين متواترة، وكان عند امرأة لقمة من خبز، فوضعته في فمها لتأكله، فنادى السائل: يا أمة الله الجوع، فقالت المرأة: أتصدّق في مثل هذا الزمان، فأخرجتها من فيها ودفعته الى السائل، وكان لها ولد صغير يحتطب في الصحراء فجاء الذئب فحمله، فوقعت الصيحة، فعَدَت الأم في أثر الذئب، فبعث الله عز وجل جبرئيل فأخرج الغلام من فم الذئب فدفعه الى أمه، ثم قال لها: يا أمة الله أرضيت؟. لقمة بلقمة.[2]

الله يتلقفها

11- روي عن ابي عبد الله الصادق عليه السلام: إن الله يقول: ما من شي‌ء إلّا وقد وكّلت به من يقبضه غيري إلّا الصدقة فإني أتلقفها بيدي تلقفاً، حتى أن الرجل يتصدَّق بالتمرة، او بشق تمرة فأربيها له كما يربي‌

الرجل فلوه وفصيله، فيأتي يوم القيامة وهو مثل احُد وأعظم من احُد.[3]

[1]وسائل الشيعة، ج 6، كتاب الزكاة، أبواب الصدقة، الباب 7، ص 264، ح 1

[2]المصدر، الباب 7، ص 264، ح 4

[3]المصدر، ص 265، ح 7.