بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 275

الجزء الثاني
للإمام الفقيه عماد الدّين بن محمد الطّبري المعروف بالكيا الهرّاسي المتوفى سنة 504 هجرية الجزء الثاني منشورات محمد علي بيضون لنشر كتب السّنّة والجماعة دار الكتب العلمية بيروت- لبنان


صفحه 276

(بسم الله الرّحمن الرّحيم)


صفحه 277

سورة آل عمران
قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ) .
فجعل الله آيات الكتاب منقسمة إلى المحكم والمتشابه، وسمى المحكمات أم الكتاب، وذلك يقتضي رد المتشابهات إليها، فإن الأم لا يظهر لها معنى هاهنا، سوى أنها الأصل لما سواها[1]، ويفهم منها معاني المتشابهات، وذلك يقتضي كون المتشابه محتملا لمعاني مختلفة، يتعرف مراد الله منها بردها إلى المحكمات، وإن كان كثير منها يستدل بالأدلة العقلية على معرفة المراد منها.
معاني المتشابهات، وذلك يقتضي كون المتشابه محتملا لمعاني مختلفة، يتعرف مراد الله منها بردها إلى المحكمات، وإن كان كثير منها يستدل بالأدلة العقلية على معرفة المراد منها.
ويمكن أن يقال: سميت المحكمات أمّا: لأنها أنفع لعباد الله تعالى، وأفضل من المتشابهات، كما سميت فاتحة الكتاب أم الكتاب، وسميت مكة أم القرى.
ويحتمل أن يقال: سمّي المحكمات أم الكتاب لأنه يلوح معناها،
[1]يقول القاسمي: (هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ) أي أصله المعتمد عليه في الأحكام. (وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ) وهي ما استأثر الله بعلمها لعدم اتضاح حقيقتها التي أخبر عنها، أو ما احتملت أوجها. وجعله كله محكما في قوله: (أُحْكِمَتْ آياتُهُ) بمعنى انه ليس فيه عيب وأنه كلام حق فصيح الألفاظ، صحيح المعاني، ومتشابها في قوله: (كِتاباً مُتَشابِهاً) بمعنى أنه يشبه بعضه بعضا في الحسن، ويصدق بعضه بعضا، أهـ.


صفحه 278

فيستنبط منها الفوائد، ويقاس عليها فسماها أم الكتاب: أي الأم والأصل من الكتاب.
فعلى المحمل الأول، إذا قلنا معنى أم الكتاب أن المتشابهات مردودة إلى المحكمات، ومعتبرة بها، ومقيسة عليها، فالمتشابهات هي التي تحتمل معاني مختلفة، فيتعرف مراد الله منها بالمحكمات.
وإذا لم يقل ذلك، فالمتشابهات يجوز أن يعنى بها ما لم يعلم معناه من آيات الساعة وغيرها، وحروف التهجي التي ظن قوم أنها أودعت معاني لا يعلمها إلا الله، وإن كان ذلك فاسدا عندنا.
والمتعلق بالأحكام أن تأويل ما يتعلق بأحكام الشرع واجب، وما لا يتعلق به فلا يجب ويجوز.
وقد ظن قوم أنه لا يجوز لأنه تعالى قال:
(فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ[1]فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ) (7) .
وقد جعل قوم تمام الكلام عند قوله: (وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ) (7) وجعل الواو في قوله: (وَالرَّاسِخُونَ) للجمع.
ومنهم من جعل تمام للكلام عند قوله: (إِلَّا اللَّهُ) ، وأن معناه (وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ) يعني تأويل المتشابهات، والراسخون في العلم يعلمون بعضه قائلين: (آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا) ، بما نصب من الدلائل في المحكم، ومكن من رده اليه، فإذا علموا تأويل بعضه ولم يعلموا البعض قالوا: آمنا بالجميع، كل من عند ربنا، وما لم يحط علمنا به من الخفايا مما في شرعه المصالح، فعلمنا عند ربنا.
[1]الزيغ: الميل، ومنه زاغت الشمس، وزاغت الأبصار، ويقال: زاغ يزيغ زيغا إذا ترك القصد.


صفحه 279

ومن الناس من حرم تأويل المتشابهات ورأى أن معنى قوله في المحكمات: (هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ) أي فواتح السور، أو هي الأوامر والنواهي ومجامع التكاليف التي هي عماد الدين، كما أن عماد الباب أم الباب، واستدل بقوله: (وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ) .
وقال قوم: (وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ) لا يجوز أن يكون مضموما إلى قوله: (إِلَّا اللَّهُ) ، لأنها لو كانت للجمع لقال: ويقولون آمنا به، ويستأنف ذكر الواو لاستئناف الخبر.
والذين خالفوا هذا الرأي ذكروا أنّ مثل هذا شائع، وقد وجد مثله في القرآن، وهو قوله في شأن قسم الفيء.
(ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ)[1]إلى قوله: (شَدِيدُ الْعِقابِ) .
ثم تلاه بالتفصيل، وتسميه من يستحق هذا الفيء فقال:
(لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ) ، إلى قوله: (وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ)[2].
وهم لا محالة داخلون في استحقاق الفيء كالأولين، والواو فيه للجمع ثم قال: (يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا)[3].
كذلك قوله: (وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ) ، يقولون معناه: والراسخون في العلم يعلمون تأويل ما نصب لهم الدلالة عليه من المتشابه قائلين: «ربنا آمنا» ، فصاروا معطوفين على ما قبله داخلين في خبره.
[1]سورة الحشر آية 7.
[2]سورة الحشر آية 8 و 9 و 10.
[3]سورة الحشر آية 10.


صفحه 280

ولأنهم إذا منعوا تأويل المتشابه، ووجب اتباع الظاهر، تناقضت الظواهر ووقعت الأحكام العقلية والسمعية، وهؤلاء الذين ينظرون إلى هذا الظاهر، أو لا ينظرون إلى ظاهر الواو في دلالته على الجمع المذكور» ولم يحلوا ذلك على الابتداء وقطع المعطوف عليه، وذلك خلاف ظاهر دلالة الواو وهذا بين» .
فأما قوله تعالى: (فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ، ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ) ، فمثل ما روي عن الربيع بن أنس، أن هذه الآية نزلت في وفد[1]نجران لما حاجوا النبي صلّى الله عليه وسلم في المسيح فقالوا:
أليس هو كلمة الله وروح منه؟
فقال: بلى.
فقالوا: حسنا، أي أنا لا نسمع منك بعد هذا قولك إنه عبد الله، بعد أن قلت إنه روح الله، فنزل قوله تعالى:
(فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ)[2].
[1]أخرج ابن أبي حاتم عن الربيع أن النصارى أتوا الى النبي صلّى الله عليه وسلم فخاصموه في عيسى، فأنزل الله: (الم اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ) . الى بضع وثمانين آية منها.
أنظر أيضا أسباب النزول للواحدي/ 90- 91.
[2]أي انما يأخذون منه بالمتشابه الذي يمكنهم أن يحرفوه الى مقاصدهم الفاسدة وينزلوه عليها لاحتمال لفظه لما يصرفونه، فأما المحكم فلا نصيب لهم فيه لأنه دافع لهم وحجة عليهم، ولهذا قال الله تعالى (ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ) أي الإضلال لأتباعم إيهاما لهم أنهم يحتجون على بدعتهم بالقرآن، وهو حجة عليهم لا لهم. (وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ) أي تحريفه على ما يريدون.


صفحه 281

ثم أنزل تعالى: (إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ)[1]، الآية.
وقال: (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ)[2].
معناه: إن كون عيسى عبد الله، محكم على معنى أن التأويل لا يتطرق إلى الآيات الدالة على أن عيسى عبد الله.
وقوله: «كلمة الله» يحتمل أن يكون معناه: أنه الذي بشر به في كتب الأنبياء المتقدمين، ومثله قوله تعالى: (ذلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ)[3]الآية.
فسماه كلمة وقولا من حيث قدم البشارة به.
وسمى روحه، لأنه خلق من غير ذكر، بل أمر جبريل عليه السلام فنفخ في جيب مريم فقال:
(فَنَفَخْنا فِيهِ مِنْ رُوحِنا)[4]، فأضاف الروح إلى نفسه تشريفا له كبيت الله، وأرض الله، وسماء الله.
وقد سمى القرآن روحا، لأنه يحيي به من الضلال، وسمى عيسى روحا، لأنه كان يحيي به الناس في أمور دينهم، فصرف أهل الزيغ ذلك إلى مذاهبهم الفاسدة، وإلى ما يعتقدونه من الكفر والضلال، فهذا مثال المحكم والمتشابه، الذي يجب أن يرد معناه إلى معنى المحكم.
[1]سورة آل عمران آية 59، والمعنى أي كآدم خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ (كُنْ فَيَكُونُ) .
[2]سورة آل عمران آية 7.
[3]سورة مريم آية 34.
[4]سورة التحريم آية 12. [.....]


صفحه 282

قوله تعالى: (وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ)[1]الآية (21) ، يدل على جواز الأمر بالمعروف مع خوف القتل[2].
قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُدْعَوْنَ إِلى كِتابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ)[3]الآية (23) .
فيه دلالة على أن من دعا خصمه إلى الحكم لزمته إجابته، لأنه دعا إلى كتاب الله تعالى[4].
قوله تعالى: (لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ)[5]الآية (28) .
[1]وهم اليهود، قتلوا زكريا وابنه يحيى عليهما السلام، وقتلوا حزقيل عليه السلام، قتله قاض يهودي لما نهاه عن منكر فعله، وزعموا أنهم قتلوا عيسى بن مريم عليهما السلام، ولما كان المخاطبون راضين بصنيع أسلافهم صحت هذه الاضافة إليهم، أهـ. انظر محاسن التأويل.
[2]ويقول القرطبي: «دلت هذه الآية على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كان واجبا في الأمم المتقدمة، وهو فائدة الرسالة وخلافة النبوة» ج 4 ص 47.
[3]الآية اشارة الى قصة تحاكم اليهود الى النبي صلّى الله عليه وسلم لما زنى منهم اثنان، فحكم عليهما بالرجم فأبوا وقالوا: لا نجد في كتابنا الا التحميم، فجيء بالتوراة فوجد فيها الرجم.
فرجما فغضبوا فشنع عليهم بهذه الآية.
[4]يقول القرطبي: «في هذه الآية دليل على وجوب ارتفاع المدعو الى الحاكم لأنه دعى الى كتاب الله، فان لم يفعل كان مخالفا يتعين عليه الزجر بالأدب على قدر المخالف، وهذا الحكم الذي ذكرناه مبين في النزيل في قوله تعالى: (وَإِذا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ) . الى قوله تعالى: (بَلْ أُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) .
وقال بن خويز منداد المالكي:
«واجب على كل من دعى الى مجلس الحاكم ان يجيب ما لم يعلم أن الحاكم فاسق، أو يعلم عداؤه من المدعي والمدعى عليه» .
[5]الأولياء: جمع ولي، ومعانيه كثيرة، منها: المحب، والصديق، والنصير. وقال الزمخشري: نهوا أن يوالوا الكافرين لقرابة بينهم، أو صداقة قبل الإسلام، أو غير ذلك من الأسباب التي يتصادق بها ويتعاشر.
ويقول القاسمي: قال بعض مفسري الزيدية: ثمرة الآية الكريمة تحريم موالاة الكفار، لأن الله تعالى نهى عنها بقوله:
(وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ) ، أي ومن يوال الكفرة فليس من ولاية الله في شيء يقع عليه اسم الولاية.
ويقول ل الجصاص:
«وفي الآية ونظائرها دلالة على أن لا ولاية للكافر على المسلم في شيء.
ويعقب الصابوني على ذلك فيقول:
«ومما يؤيد هذا الرأي ويرجحه قوله تعالى: (وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا) ثم يقول: ما ترشد اليه الآية الكريمة:
1- موالاة الكافرين، ومحبتهم، والتودد إليهم محرمة في شريعة الله.
2- التقية عند الخوف على النفس أو المال أو التعرض للأذى الشديد.
3- الإكراه يبيح للإنسان التلفظ بكلمة الكفر بشرط أن يبقى القلب مطمئنا بالإيمان.
4- لا صلة بين المؤمن والكافر بولاية أو نصرة أو توارث، لأن الايمان يناقض الكفر.
5- الله تعالى مطلع على خفايا النفوس لا تخفى عليه خافية من أمور عباده أهـ.
أنظر تفصيل القول في تفسير القاسمي ج 4 ص 824.