ولو كان في يد الغاصب مال غيره وسعك أن تبيعه، ويقتله إن لم يقف، وكذلك في السارق إذا أخذ المتاع فيجوز ابتياعه، والسارق الذي ينقب البيوت كمثل، حتى قال العلماء: لو فرضنا قوما من أصحاب المكوس والضرائب والأموال الذين في أيديهم أموال الناس، وهم ممتنعون من إيصالها إلى الملاك، ولا ينفعهم الردع بالكلام والملام والتخويف بالله، فيجوز قتلهم من غير إنذار، لأنهم لا يقبلون ذلك من أحد لقوله تعالى:
(لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ) يعني: لم يقبل منكم ولا يقدر على منعه من الظلم، فعليك نفسك.
وقال تعالى في ذكر أصحاب السبت[1].
(أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا)[2].
فدل ذلك على أن من لم ينه عن الظلم، جعل راضيا به حتى وجب تعذيبه، وقد نسب قتل الأنبياء المتقدمين، إلى من كان في عصر النبي صلّى الله عليه وسلم من اليهود، الذين كانوا موالين لأسلافهم القاتلين لأنبيائهم.
وبنى الشافعي عليه: أن فعل الفاعل، إذا كان في نفسه قبيحا ومفسدة فيجوز دفع الفاعل عنه لما يأتي على نفسه، ولا ضمان على قاتله، مثل أن يصول مجنون أو بهيمة على مال لرجل أو نفسه، فيجوز للمصول عليه ولغيره قتله، ولا ضمان عليه، وهو من قبيل النهي عن المنكر، وليس معنى النهي تكليف الفعل، ولكنه دفع الفاعل عن الفعل القبيح والظلم والتشنيع.
[1]واصحاب السبت هم جماعة من اليهود خالفوا امر ربهم، ففجأتهم نقمته سبحانه على صنيعهم واعتدائهم واحتيالهم في المخالفة.
[2]الآية: 165 من سورة الأعراف.
وأبو حنيفة يخالف في ذلك، لأنه يرى أن القاتل ليس ظالما بفعله، ويقال له إنه ليس ظالما بفعله، إلا لأن الفعل غير قبيح ولا مفسدة، ولكن لجهل الفاعل، ولو علمه كان به ظالما ولحقه الذم واللوم والسفه، وهذا بين.
ومن جملة ذلك: أنه إذا كان في بلد الإسلام من يضلل الناس بشبهة وبدعة، فإنه يجب إزالته بما أمكن، لأنه نهي عن المنكر، ومن لم يكن داعيا للناس إلى ذلك، وإنما يذعن إلى الحق، فإقامة الدلائل على صحة قول أهل الحق وتبيين فساد شبهه، ما لم يخرج على أهل الحق بسيفه، ويكون له أصحاب يمتنع بهم عن الإمام، فإن خرج داعيا إلى مقالته مقاتلا عليها، فهذا الباغي الذي أمر الله تعالى بقتاله حتى يفيء إلى أمر الله
قوله تعالى: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً[1]مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ[2]خَبالًا) (الآية 118) :
فيه دلالة، على أنه لا يجوز الاستعانة بأهل الذمة في شيء من أمور المسلمين من العمالات والكتابة.
ولما استكتب أبو موسى رجلا من أهل الذمة، كتب اليه عمر يعنفه ويلومه ويتلو عليه هذه الآية.
وقيل لعمر: إن هاهنا رجل من أهل الحيرة لم ير رجل أحفظ منه ولا أخط بقلم، فإن رأيت أن تتخذه كاتبا، قال:
[1]أي أصحابا يستبطنون أمركم من دون أبناء جنسكم وهم المسلمون.
قال الزمخشري: «بطانة الرجل ووليجته خصيصه وصفيه الذي يفضي اليه بشعورة ثقة به» .
[2]يقول الزمخشري: ألا في الأمر يألو: إذا قصر فيه.
«قد اتخذت إذا بطانة من دون المؤمنين»[1].
قوله تعالى: (وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ)[2](159) :
يدل على جواز الاجتهاد[3]في الأمور، والأخذ بالمظنون مع إمكان الوحي، فإن الله تعالى أذن لرسول صلّى الله عليه وسلم في ذلك.
قوله تعالى: (وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ)[4]، ومن يغلل يأت
[1]رواه ابن أبي حاتم، وعمر هو ابن الخطاب رضي الله عنه.
ويقول الرازي:
«فقد جعل عمر رضي الله عنه هذه الآية دليلا على النهي عن اتخاذ النصراني بطانة» .
[2]أي أمر الحرب وغيره توددا إليهم، وتطييبا لنفوسهم، واستظهارا بآرائهم وتمهيدا لسنة المشاورة في الامة.
يقول القرطبي:
«والشورى مبنية على اختلاف الآراء، والمستشير ينظر في ذلك الخلاف، وينظر أقربها قولا الى الكتاب والسنة أن أمكنته، فإذا أرشده الله تعالى الى ما شاء منه عزم عليه وأنفذه متوكلا عليه، إذ هذه غاية الاجتهاد المطلوب، وبهذا امر الله تعالى نبيه في هذه الآية» اهـ.
[3]قال الخفاجي: «في الآية ارشاد الى الاجتهاد وجوازه بحضرته صلّى الله عليه وسلم» .
وقال الرازي: «دلت الآية على انه صلى الله عليه وسلم كان مأمورا بالاجتهاد إذا لم ينزل عليه وحي، والاجتهاد يتقوى بالمناظرة والمباحثة، فلهذا كان مأمورا بالمشاورة» اهـ.
وقال بعض المفسرين:
«ثمرة الآية: وجوب التمسك بمكارم الأخلاق وخصوصا لمن يدعو الى الله تعالى ويأمر بالمعروف» .
[4]قرئ بالبناء للمعلوم، أي ما صح وما تأتي لنبي من الأنبياء أن يخون في المغنم، بعد مقام النبوة وعصمة الأنبياء عن جميع الرذائل، وعن تأثير دواعي النفس والشيطان فيهم.
وبالبناء للمجهول: أي ما صح أن ينسب الى الغلول ويخون. [.....]
(بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ)[1]الآية (161) :
وفيها دليل على أن الغلول[2]فيما قلّ وكثر، من أصناف الأموال، وأن الأموال الواصلة إلينا من الكفار مشتركا فيما بين الغانمين، إلا فيما استثنى من الأطعمة لأخبار اختصت بها.
[1]يقول صاحب محاسن التأويل:
أشار الى وعيد الغلول بقوله: (وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ) أي بعينه، حاملا له على ظهره ليفتضح في المحشر.
وعن عبادة بن الصامت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان- كما أخرجه الامام أحمد في مسنده- يأخذ الوبرة من جنب البعير من الغنم فيقول:
«مالي فيه الا مثل ما لأحدكم منه، إياكم والغلول، فان الغلول خزي على صاحبه احمد في مسنده- يأخذ الوبرة من جنب البعير من الغنم فيقول:
«ما لي فيه الا مثل ما لأحدكم منه، إياكم والغلول، فان الغلول خزي على صاحبه يوم القيامة، أدوا الخيط والمخيط وما فوق ذلك، وجاهدوا في سبيل الله التريب والبعيد في الحضر والسفر، فان الجهاد باب من أبواب الجنة، انه لينجي الله تبارك وتعالى به من الهم والغم، واقيموا حدود الله في القريب والبعيد، ولا تأخذكم في الله لومة لائم» .
[2]أخرج أبو داود والنسائي عن زيد بن خالد الجهني أن رجلا من أصحاب النبي صلّى الله عليه وسلم توفي يوم خيبر، فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال:
«صلوا على صاحبكم، فتغيرت وجوه الناس لذلك، فقال: أن صاحبكم غل في سبيل الله، ففتشنا متاعه، فوجدنا خرزا من خرز يهود لا يساوي درهمين» .
(بسم الله الرّحمن الرّحيم)
سورة النساء[1]
قوله تعالى:
(وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ)[2]الآية[1]:
يدل على تأكيد الأمر في صلة الرحم، والمنع من قطيعتها، وهي اسم
[1]سميت سورة النساء: لأن ما نزل منها في أحكامهن أكثر مما نزل في غيرها.
وفي سبب نزولها روى العوفي عن ابن عباس: نزلت سورة النساء بالمدينة، وكذا روى ابن مردويه عن عبد الله بن الزبير وزيد بن ثابت.
[2]تساءلون: معناه بعضكم بعضا به مثل: أسألك بالله، وأنشدك الله، والمفاعلة على ظاهرها أو بمعنى تسألون كثيرا.
والأرحام: جمع رحم وهو في الأصل مكان تكون الجنين في بطن أمه، ثم أطلق على القرابة مطلقا.
(وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ) : تكرير للأمر وتذكير ببعض آخر من موجبات الامتثال له، فان سؤال بعضهم بعضا بالله تعالى بأن يقولوا: أسألك بالله، وأنشدك بالله، على سبيل الاستعطاف، يقتضي الاتقاء من مخالفة أوامره ونواهيه، وتعليق الاتقاء بالاسم الجليل لمزيد التأكيد والمبالغة في الحمل على الامتثال بتربية المهابة وإدخال الروعة، ولوقوع التساؤل به لا بغيره من أسمائه تعالى وصفاته.
لكافة الأقارب من غير فرق بين المحرم[1]وغيره، وأبو حنيفة يعتبر الرحم المحرم في منع الرجوع في الهبة، ويجوز الرجوع في حق بني الأعمام، مع أن القطيعة موجودة والقرابة حاصلة، ولذلك تعلق بها الإرث والولاية وغيرهما من الأحكام، فاعتبار المحرم زيادة على نص الكتاب من غير مستند، وهم يرون ذلك نسخا، سيما وفيه إشارة إلى التعليل بالقطيعة، وقد جوزها في حق بني الأعمام وبني الأخوال والخالات.
قوله تعالى: (وَآتُوا[2]الْيَتامى أَمْوالَهُمْ) الآية[2]:
روى عن الحسن أنه قال: لما نزلت هذه الآية في أموال اليتامى كرهوا أن يخالطوهم، فجعل ولي اليتيم يعزل مال اليتيم عن ماله، فشكوا ذلك إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى:
(وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ)[3].
وإنما قال الحسن ذلك لأنه تعالى قال:
(وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ) إلى قوله (وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى)
[1]يقول القرطبي:
«اتفقت الملة على أن صلة الرحم واجبة وأن قطيعتها محرمة، وقد صح أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال لأسماء وقد سألته- أأصل أمي- نعم صلي أمك» ، فأمرها بصلتها وهي كافرة.
فلتأكيدها دخل الفضل في صلة الكافر.
[2]وإيتاء اليتامى أموالهم كما يقول القرطبي- يكون بوجهين:
أحدهما: اجراء الطعام والكسوة ما دامت الولاية، إذ لا يمكن الا ذلك لمن لا يستحق الأخذ الكلي والاستبدد كالصغير والسفيه الكبير.
الثاني: الإيتاء بالتمكن واسلام الملل اليه، وذلك عند الابتلاء والإرشاد.
[3]سورة البقرة آية 220.
(أَمْوالِكُمْ) ، وكل ذلك بعد البلوغ لا يتقرر، والمعنى بقوله:
(وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ) ، أي أموالهم للأكل والشرب واللباس والثياب والمفارش والمساكن، فلما نزل ذلك، عزل أولياء اليتامى طعامهم من طعام اليتامى، وملابسهم من ملابس اليتامى، فجعل يفضل له من طعامه، فيحبس له حتى يأكله أو يفسد، فاشتد ذلك عليهم، فذكروا ذلك لرسول الله صلّى الله عليه وسلم، فنزل قوله تعالى:
(وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ) الآية.
ويجوز أن يكون قول الله تعالى: (وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ) عنى به البالغ، وسمّي يتيما لقرب عهده بالبلوغ، ولذلك قال: (وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ) .
والظاهر منه أنهم يؤتون أموالهم إيتاء لا بمعنى الإطعام والكسوة، ولكنه بمعنى تسليطه عليه، ونهى الولي عن إمساك ماله بعد البلوغ عنه، ولكن لم يشترط الرشد هاهنا، وشرط إيناس الرشد والابتلاء في قوله:
(وَابْتَلُوا الْيَتامى حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ)[1]، فكان ذلك مطلقا وهذا مقيد.
وذكر الرازي في أحكام القرآن: أنه لما لم يقيّد الرشد في موضع، وقيّد في موضع، وجب استعمالهما والجمع بينهما فأقول:
إذا بلغ خمسا وعشرين سنة وهو سفيه لم يؤنس منه الرشد، وجب دفع المال اليه، وإن كان دون ذلك لم يجب عملا بالآيتين، وهذا في غاية البعد، فإنه تعالى قال:
[1]سورة النساء آية 6.
(وَابْتَلُوا الْيَتامى حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ) ، وذلك يقتضي اعتياد إيناس الرشد عقيب بلوغ النكاح من غير تطاول المدة.
وقوله تعالى: (وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ) ، يقتضي مثل ذلك، فإن اسم اليتيم إنما يطلق على قبل البلوغ حقيقة، وعلى قرب العهد بالبلوغ مجازا، فإما أن يقال: إنه يتناول ابن خمس وعشرين سنة فصاعدا إلى مائة، وهو جهل عظيم.
والعجيب أن أبا حنيفة إنما أطلق الحجر، لأنه قال قد بلغ أشده وصار يصلح أن يكون جدا، فإذا صار يصلح أن يكون جدا، فكيف يصح إعطاؤه المال بعلة اليتم، وباسم اليتم، وهل ذلك إلا في غاية البعد[1].
قوله تعالى: (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا[2]فِي الْيَتامى فَانْكِحُوا ما طابَ[3]لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ[4]وَرُباعَ) الآية[3].
واختلفت أقاويل المفسرين في معناه:
[1]انظر روائع البيان ج 1 ص 425.
[2]أي أن لا تعدلوا في النساء.
[3]أي من طبن لنفوسكم من جهة الجمال أو الحسن أو العقل أو الصلاح منهن.
ومعنى الآية: وأن خفتم يا أولياء اليتامى أن لا تعدلوا فيهن إذا نكحتموهن، باساءة العشرة أو بنقص الصداق، فانكحوا غيرهن من الغريبات فإنهن كثير ولم يضيق الله عليكم.
فالآية للتحذير من التورط في الجور عليهن والأمر بالاحتياط، وان في غيرهن متسعا الى الأربع.
[4]ما معنى قوله تعالى: (مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ) ؟.
اتفق العلماء على أن هذه الكلمات من ألفاظ العدد، وتدل كل واحدة منها على المذكور من نوعها، فمثنى تدل على اثنين اثنين، وثلاث تدل على ثلاثة ثلاثة، ورباع تدل على أربعة أربعة، والمعنى: أنكحوا ما اشتهت نفوسكم من النساء ثنتين ثنتين وثلاثا ثلاثا، وأربعا أربعا حسبما تريدون.
انظر: روائع البيان ج 1 ص 426- 427، ومحاسن التأويل ج 5 ص 1109 للقاسمي.