(بسم الله الرّحمن الرّحيم)
سورة النساء[1]
قوله تعالى:
(وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ)[2]الآية[1]:
يدل على تأكيد الأمر في صلة الرحم، والمنع من قطيعتها، وهي اسم
[1]سميت سورة النساء: لأن ما نزل منها في أحكامهن أكثر مما نزل في غيرها.
وفي سبب نزولها روى العوفي عن ابن عباس: نزلت سورة النساء بالمدينة، وكذا روى ابن مردويه عن عبد الله بن الزبير وزيد بن ثابت.
[2]تساءلون: معناه بعضكم بعضا به مثل: أسألك بالله، وأنشدك الله، والمفاعلة على ظاهرها أو بمعنى تسألون كثيرا.
والأرحام: جمع رحم وهو في الأصل مكان تكون الجنين في بطن أمه، ثم أطلق على القرابة مطلقا.
(وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ) : تكرير للأمر وتذكير ببعض آخر من موجبات الامتثال له، فان سؤال بعضهم بعضا بالله تعالى بأن يقولوا: أسألك بالله، وأنشدك بالله، على سبيل الاستعطاف، يقتضي الاتقاء من مخالفة أوامره ونواهيه، وتعليق الاتقاء بالاسم الجليل لمزيد التأكيد والمبالغة في الحمل على الامتثال بتربية المهابة وإدخال الروعة، ولوقوع التساؤل به لا بغيره من أسمائه تعالى وصفاته.
لكافة الأقارب من غير فرق بين المحرم[1]وغيره، وأبو حنيفة يعتبر الرحم المحرم في منع الرجوع في الهبة، ويجوز الرجوع في حق بني الأعمام، مع أن القطيعة موجودة والقرابة حاصلة، ولذلك تعلق بها الإرث والولاية وغيرهما من الأحكام، فاعتبار المحرم زيادة على نص الكتاب من غير مستند، وهم يرون ذلك نسخا، سيما وفيه إشارة إلى التعليل بالقطيعة، وقد جوزها في حق بني الأعمام وبني الأخوال والخالات.
قوله تعالى: (وَآتُوا[2]الْيَتامى أَمْوالَهُمْ) الآية[2]:
روى عن الحسن أنه قال: لما نزلت هذه الآية في أموال اليتامى كرهوا أن يخالطوهم، فجعل ولي اليتيم يعزل مال اليتيم عن ماله، فشكوا ذلك إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى:
(وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ)[3].
وإنما قال الحسن ذلك لأنه تعالى قال:
(وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ) إلى قوله (وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى)
[1]يقول القرطبي:
«اتفقت الملة على أن صلة الرحم واجبة وأن قطيعتها محرمة، وقد صح أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال لأسماء وقد سألته- أأصل أمي- نعم صلي أمك» ، فأمرها بصلتها وهي كافرة.
فلتأكيدها دخل الفضل في صلة الكافر.
[2]وإيتاء اليتامى أموالهم كما يقول القرطبي- يكون بوجهين:
أحدهما: اجراء الطعام والكسوة ما دامت الولاية، إذ لا يمكن الا ذلك لمن لا يستحق الأخذ الكلي والاستبدد كالصغير والسفيه الكبير.
الثاني: الإيتاء بالتمكن واسلام الملل اليه، وذلك عند الابتلاء والإرشاد.
[3]سورة البقرة آية 220.
(أَمْوالِكُمْ) ، وكل ذلك بعد البلوغ لا يتقرر، والمعنى بقوله:
(وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ) ، أي أموالهم للأكل والشرب واللباس والثياب والمفارش والمساكن، فلما نزل ذلك، عزل أولياء اليتامى طعامهم من طعام اليتامى، وملابسهم من ملابس اليتامى، فجعل يفضل له من طعامه، فيحبس له حتى يأكله أو يفسد، فاشتد ذلك عليهم، فذكروا ذلك لرسول الله صلّى الله عليه وسلم، فنزل قوله تعالى:
(وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ) الآية.
ويجوز أن يكون قول الله تعالى: (وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ) عنى به البالغ، وسمّي يتيما لقرب عهده بالبلوغ، ولذلك قال: (وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ) .
والظاهر منه أنهم يؤتون أموالهم إيتاء لا بمعنى الإطعام والكسوة، ولكنه بمعنى تسليطه عليه، ونهى الولي عن إمساك ماله بعد البلوغ عنه، ولكن لم يشترط الرشد هاهنا، وشرط إيناس الرشد والابتلاء في قوله:
(وَابْتَلُوا الْيَتامى حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ)[1]، فكان ذلك مطلقا وهذا مقيد.
وذكر الرازي في أحكام القرآن: أنه لما لم يقيّد الرشد في موضع، وقيّد في موضع، وجب استعمالهما والجمع بينهما فأقول:
إذا بلغ خمسا وعشرين سنة وهو سفيه لم يؤنس منه الرشد، وجب دفع المال اليه، وإن كان دون ذلك لم يجب عملا بالآيتين، وهذا في غاية البعد، فإنه تعالى قال:
[1]سورة النساء آية 6.
(وَابْتَلُوا الْيَتامى حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ) ، وذلك يقتضي اعتياد إيناس الرشد عقيب بلوغ النكاح من غير تطاول المدة.
وقوله تعالى: (وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ) ، يقتضي مثل ذلك، فإن اسم اليتيم إنما يطلق على قبل البلوغ حقيقة، وعلى قرب العهد بالبلوغ مجازا، فإما أن يقال: إنه يتناول ابن خمس وعشرين سنة فصاعدا إلى مائة، وهو جهل عظيم.
والعجيب أن أبا حنيفة إنما أطلق الحجر، لأنه قال قد بلغ أشده وصار يصلح أن يكون جدا، فإذا صار يصلح أن يكون جدا، فكيف يصح إعطاؤه المال بعلة اليتم، وباسم اليتم، وهل ذلك إلا في غاية البعد[1].
قوله تعالى: (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا[2]فِي الْيَتامى فَانْكِحُوا ما طابَ[3]لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ[4]وَرُباعَ) الآية[3].
واختلفت أقاويل المفسرين في معناه:
[1]انظر روائع البيان ج 1 ص 425.
[2]أي أن لا تعدلوا في النساء.
[3]أي من طبن لنفوسكم من جهة الجمال أو الحسن أو العقل أو الصلاح منهن.
ومعنى الآية: وأن خفتم يا أولياء اليتامى أن لا تعدلوا فيهن إذا نكحتموهن، باساءة العشرة أو بنقص الصداق، فانكحوا غيرهن من الغريبات فإنهن كثير ولم يضيق الله عليكم.
فالآية للتحذير من التورط في الجور عليهن والأمر بالاحتياط، وان في غيرهن متسعا الى الأربع.
[4]ما معنى قوله تعالى: (مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ) ؟.
اتفق العلماء على أن هذه الكلمات من ألفاظ العدد، وتدل كل واحدة منها على المذكور من نوعها، فمثنى تدل على اثنين اثنين، وثلاث تدل على ثلاثة ثلاثة، ورباع تدل على أربعة أربعة، والمعنى: أنكحوا ما اشتهت نفوسكم من النساء ثنتين ثنتين وثلاثا ثلاثا، وأربعا أربعا حسبما تريدون.
انظر: روائع البيان ج 1 ص 426- 427، ومحاسن التأويل ج 5 ص 1109 للقاسمي.
فروى الزهري عن عروة بن الزبير عن عائشة- رضي الله عنها- في قول الله تعالى:
(وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ) قالت:
يا ابن أختي: هي اليتيمة تكون في حجر وليها، تشركه في ماله ويعجبه مالها وجمالها، فيريد وليها أن يتزوجها بغير أن يقسط في صداقها، فيعطيها مثل ما يعطيها غيره، فنهوا عن أن ينكحوهن إلا أن يقسطوا، فأمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء سواهن[1].
قال عروة: قالت عائشة- رضي الله عنها-:
وإن الناس استفتوا رسول الله صلّى الله عليه وسلم بعد هذه الآية، فأنزل الله:
(وَما يُتْلى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ فِي يَتامَى النِّساءِ) .. إلى قوله:
(وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ)[2].
قالت: والذي ذكر الله تعالى أنه يتلى عليكم في الكتاب الآية الأولى التي فيها: (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي)[3]..
وقوله في الآية الأخرى: (وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ) ، رغبة أحدكم عن يتيمته التي هي في حجره حين تكون قليلة المال والجمال، فنهوا[4]أن ينكحوا من رغبوا في مالها وجمالها من يتامى النساء، إلا
[1]رواه البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي.
[2]سورة النساء آية 127. [.....]
[3]وعلى هذا فان الآية: دلت على انه يجب بالنكاح حقوق.
انظر تفسير القاسمي ج 5 ص 1118.
[4]يقول ابن حجر: «نهوا عن نكاح المرغوب فيها لجمالها ومالها لأجل زهدهم فيها إذا كانت قليلة المال والجمال، فينبغي أن يكون نكاح اليتيمتين على السواء في العدل» أهـ.
بالقسط من أجل رغبتهم عنهن، وهذا ما أورده البخاري في صحيحه[1]، وفيه دلالة على أن اليتيمة يجوز تزويجها[2].
وروي عن سعيد بن جبير والضحاك والربيع غير هذا التأويل، وهو أن معنى الآية: «كما خفتم في حق اليتامى فخافوا في حق النساء الذي خفتم في اليتامى ألا تقسطوا[3]فيهن» .
وروي عن مجاهد: (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا) ، أي تحرجتم من أكل أموالهم، فتحرجوا من الزنا وانكحوا نكاحا طيبا مثنى وثلاث ورباع.
والمشكل أن عائشة رضي الله عنها قالت: نزلت هذه الآية في ذلك، وذلك لا يقال بالرأي وإنما يقال توقيفا، ولا يمكن أن يحمل على الجد، لأنه لا يجوز له نكاحها، فعلم أن المراد له ابن العم ومن هو أبعد منه من سائر الأولياء.
ويمكن أن يحمل على البالغة لأن عائشة رضي الله عنها قالت:
ثم إن الناس استفتوا رسول الله صلّى الله عليه وسلم بعد هذه الآية فأنزل الله تعالى:
(وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ- إلى قوله- فِي يَتامَى النِّساءِ)[4].
[1]انظر فتح الباري للبخاري ج 9 ص 309.
[2]وفي الحديث أيضا: اعتبار مهر المثل في المحجورات، وأن غيرهن يجوز نكاحها بدون ذلك.
وفيه: أن للولي أن يتزوج من هي تحت حجره لكن يكون العاقد غيره.
وفيه جواز تزويج اليتامى قبل البلوغ لأنهن بعد البلوغ لا يقال لهن يتيمات الا أن يكون أطلق استصحابا لحالهن» أهـ.
قاله ابن حجر في الفتح:
[3]ومعنى تأويل سعيد بن جبير هو: أن الآية نزلت في الغنية والمعدمة» انظر فتح الباري ج 9 ص 309.
[4]والحديث أخرجه الامام مسلم في صحيحه والاسماعيلي. والنسائي في سننه.
والصغار لا يسمين نساء[1].
فإن قيل: قوله: (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى) حقيقة في الصغيرة بدليل عليه السلام: «لا يتم بعد حلم»[2]، واسم النساء يتناول الصغيرة في قوله:
(فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ)[3].
(وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ)[4].
(وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ)[5].
ويقال في الجواب عنه:
إن اسم النساء في قبيل الإناث، كاسم الرجال في قبيل الذكور، واسم الرجل لا يتناول الصغير، فاسم النساء والمرأة لا يتناول الصغيرة والصغائر، وفي الإناث التي وقع الاستشهاد بها، يمكن أن يكون اللفظ لغير الصغيرة، ولكن يثبت مثل ذلك الحكم في الصغيرة بدلالة الإجماع.
وقول القائل: اسم اليتيم لا يتناول ما بعد البلوغ، فهو مسلم من حيث الحقيقة، غير أنه يطلق مجازا، بدليل أنه ذكر النساء، ولا يمكن تعطيل لفظ النساء الذي هو حقيقة في البالغات[6].
[1]انظر القرطبي ج 5 ص 13.
[2]هذه الرواية أخرجها البزار، وأخرجه أبو داود في سننه عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
[3]سورة النساء آية 3.
[4]سورة النساء آية 22.
[5]سورة النساء آية 23.
[6]انظر الجصاص ج 2 ص 343.
فإن قيل: فالبالغة يجوز التزوج بها بدون مهر المثل برضاها، فأي معنى لذلك الجواب؟
يقال إن معناه أن يستضعفها الولي ويستولى على مالها، وهي لا تقدر على مقاومته، ولذلك قال:
(إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ)[1].
ولما ثبت أن المراد باليتيمة البالغة، ولم يكن في كتاب الله دلالة على جواز تزويج الصغيرة، لا جرم صار ابن شبرمة إلى أن تزويج الآباء للصغار لا يجوز، وهو مذهب الأصم، لأن نكاح الصغيرة يتخير[2]بتفويت من غير تعجيل مصلحة، على ما قررناه في تصانيفنا في مسائل الخلاف، وإذا ثبت ذلك فلا يجوز ذلك تلقيا من القياس ولا توقيفا.
وقد قال قائلون: بل في كتاب الله ما يدل على جواز تزويج الصغيرة، فإن الله تعالى يقول:
(وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ)[3].
[1]سورة النساء الآية 98.
[2]أي يختار، والمراد يتم ويتحقق، إذا أخترنا القول بصحته بتفويت حقها في الاختيار عن رضا واقتناع بعد البلوغ، وفي المبسوط بسط لرأي ابن شبرمة والأصم، أنه لا يزوج الصغير والصغيرة حتى يبلغا ببيان السبب فيه، وهو قوله تعالى: (حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ) ، فلو جاز التزويج قبل البلوغ لم يكن لهذا فائدة، ولأن ثبوت الولاية على الصغير لحاجة المولى عليه، حتى ان فيما لا تتحقق فيه الحاجة لا تثبت الولاية كالتبرعات، ولا حاجة بهما الى النكاح، لأن مقصود النكاح طبعا هو قضاء الشهوة، وشرعا النسل، والصغر ينافيهما، ثم هذا العقد يعقد للعمر وتلزمهما أحكامه بعد البلوغ. [.....]
[3]سورة الطلاق الآية 4.