(---
الفرع الثاني: دخول قصاص الطرف في قصاص النفس
ذكر المصنّف قدس سره في دخول قصاص الطرف في قصاص النفس احتمالات:
1. دخوله مطلقاً.
2. عدم دخوله كذلك.
3. التفريق بين كون الجنايات بضربة واحدة فيدخل، أو بضربات عديدة فلا يدخل.
4. التفريق بين الجنايات العديدة المتوالية فيدخل، و غير المتوالية فلا يدخل.
ثمّ إنّه قدس سره أذعن بأنّه لا إشكال في عدم التداخل لو كان التفريق بوجه اندمل بعض الجراحات، مثلًا: قطع يد رجل فلم يمت واندملت جراحتها، ثم قطع رجله فاندملت، ثم قتله، ففيه يقتصّ منه ثم يُقتل.
و أمّا كلمات الأصحاب فقد اختلفت في دخول قصاص الطرف و الشجاج في قصاص النفس إذا اجتمعا، على أقوال ثلاثة، و هي كلّها للشيخ:
أحدها:عدم الدخول مطلقاً، وهو خيرة الشيخ في «الخلاف»، قال: إذا قطع يد رجل ثم قتله، كان لولي الدم أن يقطع يده ثم يقتله. وبه قال أبو حنيفة والشافعي، وقال أبو يوسف و محمد: ليس له القصاص في الطرف كما---)
(--- لو سرى إلى النفس.[1]وبه قال في المبسوط[2]، وهو خيرة ابن إدريس.[3]
ثانيها:الدخول مطلقاً هو خيرته أيضاً في موضع آخر من «الخلاف» حيث قال: يدخل قصاص الطرف في قصاص النفس، ودية الطرف تدخل في دية النفس، مثل أن يقطع يده ثم يقتله، أو يقلع عينه ثم يقتله، فليس عليه إلّاقتله أو دية النفس و لا يجمع بينهما، وبه قال أبو حنيفة، و قال الشافعي: لا يدخل قصاص الطرف في قصاص النفس، و تدخل دية الطرف في دية النفس، و قال أبو سعيد الإصطخري: لا تدخل دية الطرف في دية النفس أيضاً مثل القصاص.[4]
و به قال أيضا في موضع من المبسوط.[5]
ثالثها:التفصيل وهو التداخل إن اتّحد الضرب، وعدمه مع تعدده. ونقل المحقّق هذا القول في «الشرائع» عن الشيخ في «النهاية»، قال: ففي «النهاية» يقتص منه إن فرّق ذلك، وإن ضربه ضربة واحدة لم يكن عليه أكثر من القتل.[6]
و بذلك ظهر أنّ للشيخ أقوالًا ثلاثة.---)
[1]. الخلاف: 5/ 210، المسألة 89.
[2]. المبسوط: 7/ 21 و 113.
[3]. السرائر: 3/ 396.
[4]. الخلاف: 5/ 163، المسألة 23.
[5]. المبسوط: 7/ 22.
[6]. شرائع الإسلام: 4/ 201. لاحظ النهاية: 771.
(--- وأقول- أيضاً-: إنّ الموضوع هو ما إذا جنى عليه جنايتين، لا ما إذا جنى عليه جناية واحدة فسرت وقتلته، فقد اتّفقوا في ذلك على وحدة القصاص، وهو القتل.
إذا علمت ذلك فاعلم أنّ محل النزاع في غير الموضعين التاليين:
1. إذا ضربه ضربة واحدة فقطعت يده فمات بالسراية حيث كانت الآلة مسمومة، فلاريب في دخول قصاص الطرف في قصاص النفس، و لا يقتص منه بغير القتل، كما سيوافيك بيانه عند دراسة الروايات. وقد اتّفقت كلمة الأصحاب على التداخل في صورة السراية.
2. إذا كان الجرح و القتل بضربتين متفرقتين زماناً كما لو قطع يده ولم يمت به واندملت ثم قتله فلا شكّ في عدم التداخل، و هذا هوالذي أشار اليه في المتن في آخر المسألة حيث قال: «نعم لا إشكال في عدم التداخل لوكان التفريق بوجه اندمل بعض الجراحات، فمن قطع يد رجل فلم يمت واندملت جراحتها، ثم قطع رجله فاندملت، ثم قتله، يقتص منه ثم يقتل».
ولا يخفى أنّه لا حاجة إلى الاندمالين، بل يكفي اندمال واحد.
إنّما الكلام في الموردين التاليين:
1. إذا كانت الضربتان متواليتين زماناً، كما إذا ضربه ضربة فقطعت يده مثلًا، و ضربه ضربة ثانية فقتلته بحيث يكون القتل منتسباً إلى كلتا الضربتين.
2. إذا كانت الضربتان غير متواليتين زماناً، كما إذا قطع يده ثم قطع---)
(--- رجله بعد زمان، ولكن القتل صار منسوباً إليهما.
فنقول:
يقع الكلام في موضعين:
1. مقتضى القواعد العامّة.
2. مقتضى الروايات.
الأوّل: مقتضى القواعد العامّة
أمّا مقتضى القواعد فقد اتّفقت كلمتهم على عدم التداخل وهو رهن دراسة آيتين، وقد استدلّ بهما كلّ من قال بعدم التداخل.
الآية الأُولى:قال سبحانه:«وَ كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَ الْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَ الأَنْفَ بِالأَنْفِ وَ الأُذُنَ بِالأُذُنِ وَ السِّنَّ بِالْسِّنِّ وَ الْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ»[1]، أي فرضنا على بني إسرائيل في التوراة«أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ»: أي تقتل النفس بالنفس إذا قتلتها«وَ الْعَيْنَ»تفقأ«بِالْعَيْنِ»،«وَالأَنْفَ»يجدع«بِالأَنْفِ»،«والأُذُنَ»تقطع«بِالأُذُنِ»،«وَالسِّنَّ»يقلع«بِالْسِّنِّ»،«وَ الْجُرُوحَ قِصَاصٌ»أي يقتص فيها.
ثم إنّ القصاص مصدر أُريد به المفعول أي: الجروح متقاصّة بعضها من بعض،«فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ»المراد بالموصول هو المجني عليه، أي إذا تصدّق بالقصاص بالعفو عن الجاني فهو كفّارة له؛ وربما يتصوّر أنّ المراد به---)
[1]. المائدة: 45.
(--- هو الجاني، والمراد بالتصدّق تمكين نفسه من القصاص.[1]وهو بعيد، إذ التصدّق ظاهر في العفو، وليس تمكين النفس لإجراء الحدّ، عفواً.
إذا عرفت ذلك فاعلم أنّ الأعلام استظهروا أنّ إطلاق الآية يقتضي عدم تداخل قصاص الطرف في قصاص النفس في عامّة الصور مطلقاً، سوى من مات على وجه السراية.
حيث إنّ مقتضى قوله:«الْعَيْنَ بِالْعَيْنِ»هو الاقتصاص من العين بالعين، سواء أقتله أم لا، وسواء كان القتل بنفس الضربة الواقعة على الطرف- كما لو ضربه ضربة قطع أُذنه أوّلًا ثم عنقه- أم بضربتين، وسواء أكانت الضربتان متواليتين أم متفرّقتين، فالإطلاق في الآية يدلّ على عدم التداخل مطلقاً.
ولكنّ في ثبوت الإطلاق نظراً، و الظاهر أنّ موردها فيما إذا جنى جناية على الطرف فقط، أو على النفس فقط، ففي هذه الصورة يقول:«النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَ الْعَيْنَ بِالْعَيْنِ»، و أمّا إذا اجتمعت الجنايتان في مورد ففقأ العين أو جدع الأنف ثم قتله، فهل هناك قصاصان أو ثلاثة قصاصات أو قصاص واحد يدخل فيه قصاصا الطرف، أعني: العين و الأنف؟ فالآية غير ناظرة إليه، والمتبادر منها هو ما إذا انفصل كلّ واحد عن الآخر بشهادة أنّه قال:«النَّفْسَ بِالنَّفْسِ»إذا قتله، ثم قال:«الْعَيْنَ بِالْعَيْنِ»إذا لم يقتل، وأمّا إذا اجتمعت الجنايتان فالآية ساكتة عن هذه الصورة، ويعلم ذلك بتدقيق النظر في الآية.---)
[1]. تفسير الجلالين: 145.
(--- وبعبارة أُخرى: المراد نفي التجاوز عن حدّ الجناية، فإذا قتل نفساً فلا يجوز لولي المجنيّ عليه أن يقتل نفسين أو أكثر، وإذا فقأ عيناً فليس له أن يفقأ أزيد من عين واحدة، فمصبّ الآية التأكيد على نفي التجاوز، وأين هذا من الإطلاق المدّعى؟!
الآية الثانية:قال سبحانه:«وَ قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ»[1]، ثم قال:«الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِاْلشَّهَرِ الْحَرَامِ وَ الْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَ اتَّقُوا اللهَ وَ اعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ»[2].
ترى أنّ الآيتين وردتا في أمر الجهاد مع المشركين، وكلّ منهما إرشاد إلى حكم العقل و هو رعاية العدل والإنصاف في مقام الاقتصاص وعدم التعدّي عنه، وأمّا كونهما ناظرتين إلى جناية مسلم على مسلم آخر- اجتمعت فيه جنايتان كبرى وصغرى، فيقتص من المعتدي بالصغرى أوّلًا ثم الكبرى، ليكون محقّقاً لقوله:«فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ»- فغير ظاهر؛ لأنّ مورد الآية: المشركون أوّلًا، والمراد بالمماثلة هو كيفية القتل، فلو قتل مسلماً فيقتل القاتل و لا يمثّل به.
فالآية ناظرة إلى عدم العبث بجسد الجاني انتقاماً و تشفّياً، وأين هذا المدلول في الآية من أنّ من جنى جنايتين صغرى وكبرى فمات---)
[1]. البقرة: 190.
[2]. البقرة: 194.
(--- بالجناية الثانية، فعلى أولياء المقتول القصاص بالطرف أوّلًا ثم القصاص بالنفس ثانياً.
هذا ما توصّلنا إليه في دراسة الآيتين و إن كان مخالفاً للرأي المشهور، فلم يثبت لحدّ الآن حسب مقتضى القواعد العامّة، عدم التداخل.
اللّهم إلّاأن يقال: إذا صدرت جناية حكم عليه بالقصاص، وإذا صدرت جناية ثانية نشك في زوال الحكم الأوّل، فيستصحب وتكون النتيجة عدم التداخل فتأمّل.
الثاني: مقتضى الروايات
أمّا الروايات فقد وردت روايات ثلاث كلّها صحاح، أو معتبرة:
1. صحيحة أبي عبيدة الحذّاء
وقد استدلّ بصحيحة أبي عبيدة على التداخل- كما في الجواهر[1]- وهذه الرواية تدلّ على أمرين:
1. دخول دية الطرف في دية النفس (و هذه هي المسألة التي مرّ ذكرها سابقاً).
2. دخول قصاص الطرف في قصاص النفس.
ولأجل ذلك نقطّع الرواية إلى جزأين ليعلم موضع كلّ منهما.
روى أبو عبيدة الحذّاء، قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن رجل ضرب---)
[1]. جواهر الكلام: 42/ 63.
(--- رجلًا بعمود فسطاط على رأسه ضربة واحدة فأجافه حتى وصلت الضربة إلى الدماغ فذهب عقله؟
ثم إنّ جواب الإمام عليه السلام مشتمل على فقرتين:
الفقرة الأُولى من الرواية:
قال عليه السلام: «إن كان المضروب لا يعقل منها أوقات الصلاة، و لا يعقل ما قال و لا ما قيل له، فإنّه ينتظر به سنة، فإن مات فيما بينه و بين السنة أُقيد به ضاربه؛ وإن لم يمت فيما بينه وبين السنة و لم يرجع إليه عقله، أغرم ضاربه الدية في ماله لذهاب عقله» قلت: فما ترى عليه في الشجّة شيئاً؟ قال: «لا، لأنّه إنّما ضرب ضربة واحدة فجنت الضربة جنايتين فألزمتْه أغلظَ الجنايتين وهي الدية.
ولو كان ضربه ضربتين فجنت الضربتان جنايتين لألزمته جناية ما جنتا كائناً ما كان، إلّاأن يكون فيهما الموت بواحدة وتطرح الأُخرى فيقاد به ضاربه».
أقول:هذه الفقرة من الرواية تركّز على أمرين:
1. أنّ قصاص طرف واحد لا يدلّ على قصاص الطرف الآخر.
2. يدلّ على دخول دية الطرف في دية العقل، إلّاأنّ مقتضى عموم التعليل هو دخول دية الطرف في دية النفس أيضاً في مفهوم الكلام.
و إليك الفقرة الثانية من الروايةوالذي هو موضع النظر في هذا الفرع: [قال:] «فإن ضربه ثلاث ضربات واحدة بعد واحدة فجنين ثلاث---)