(--- أبي منصور أنّه قال: القصاص في الجراح مأخوذ من هذا، إذا اقتصّ منه له بجرحه مثل جرحه إيّاه أو قتله به.[1]
وعلى كلّ تقدير فالمراد به هنا القَوَد.
القصاص في الكتاب العزيز
ثمّ إنّ القصاص ورد في العديد من الآيات الكريمة، نظير قوله تعالى:
1. قال سبحانه:«وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ»[2]، وذيل الآية تعليل لتشريع القصاص، فإنّه يسبّب المنع من التوغّل في الدماء حيث يرى أنّ القصاص وراء عمله. فمعنى قوله:«لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ»: أي لعلّكم تحترزون عمّا يوجب القصاص.
فعلى هذا ففي القصاص حياة المجتمع، فهو في الظاهر إماتة ولكّنه في الواقع إحياء للجماعة.
وكانت العرب قبل الإسلام يقولون: «القتل أنفى للقتل»، فجاءت هذه الآية مكان قولهم هذا، ولكن بأفصح الجمل وأبلغ المعاني، كما هو مذكور في محلّه.
2. قال سبحانه:«يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَ الْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَ الأُنْثىَ بِالأُنْثىَ فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى---)
[1]. لسان العرب: 7/ 73، مادة« قصّ».
[2]. البقرة: 179.
(--- بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ»[1].
ومعنى الآية: فرض عليكم القصاص في القتلى، أي يفعل بالقاتل مثل ما فعله بالمقتول، فيقتل الحر بالحر، والعبدُ بالعبد، والأُنثى بالأُنثى.«فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ»المراد من الموصول هو القاتل، والضمير في «له» يرجع إليه، والمعنى: إن ترك أخوه- أعني: ولي الدم- القصاص ورضي بالدية، فالواجب على ذلك الأخ العافي هو طلب الدية بلا عنف كما يقول«فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ»، أي لا يلحّ في الطلب، وينظره إن كان معسراً، ولا يطالبه بالزيادة على حقّه؛ وأمّا وظيفة المعفوّ له فقد أشار إليها بقوله:«وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ»، أي الدفع إليه عند الإمكان من غير مَطْل.
ثمّ إنّ تشريع القصاص والدية لأجل أنّ ذلك«تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ»بشرط رعاية العدل«وَرَحْمَةٌ»فلم يوجب القصاص فقط، بل جوّز تبديله بالدية.
«فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ»: أي تجاوز الحدّ بعد ما بُيّن له الحكم الإلهي«فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ»في الآخرة.[2]
وقد تجلّت في الآية عظمة التشريع الإسلامي حيث يصف ولي الدم، أخاً للقاتل، مشعراً بأنّ القتل لم يقطع صلة الأُخوة بينهما؛ ثم إنّه يوصي العافي باتّباع المعروف والمعفو له بأداء إليه بإحسان، وينهاهما عن الاعتداء.
3. قال سبحانه:«الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِاْلشَّهَرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ---)
[1]. البقرة: 178.
[2]. مجمع البيان: 1/ 265.
(--- فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَ اتَّقُوا اللهَ وَ اعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ».[1]
المراد من الشهر الحرام ما يحرم فيه ما يحل في غيره من القتال، وهي الأشهر الأربعة: ذو القعدة الحرام، وذوالحجّة الحرام، ومحرم الحرام، ورجب المرجّب.
والحرمات: جمع حُرمة، وهي ما يجب حفظه ويحرم هتكه، وإنّما جمع الحرمات؛ لأنّه أراد حرمة الشهر، وحرمة البلد، وحرمة الإحرام، بل كلّ الحرمات.
وقوله في ذيل الآية:«فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ»: أي ظلمكم، فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم، أي جازوه بمثله، وسمّاه اعتداءً من باب المشاكلة.
إلى هنا تبيّنت معاني مفردات الآية، بقي الكلام في المراد من الجملتين التاليتين:
أ.«الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِاْلشَّهَرِ الْحَرَامِ».
ب.«وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ».
أمّا الأُولىفالمراد بها: أنّ مَن استحلّ دمكم أيّها المسلمون في هذا الشهر، فاستحلّوا دمه فيه.
وأمّا الثانيةفالمراد بها: أنّ مَن ينتهك حرمات اللَّه يقتص منه---)
[1]. البقرة: 194.
(--- ويعامل بمثل فعله، وهذا أصل عام يقطع عذر كل مَن ينتهك الحرمات، وعلى هذا فيمكن أن يراد من الحرمات أعم ممّا ذكرنا، كما مرّ، فتشمل دماء الناس وأموالهم وأعراضهم.[1]
4. قال تعالى:«وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَ الأَنْفَ بِالأَنْفِ وَ الأُذُنَ بِالأُذُنِ وَ السِّنَّ بِالْسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ».[2]
أي فرضنا على اليهود في التوراة أنّ النفس بالنفس، أي إذا قتلت نفس نفساً أُخرى فإنّه يستحق عليها القَوَد.
وأمّا قوله:«وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَ الأَنْفَ بِالأَنْفِ وَ الأُذُنَ بِالأُذُنِ وَ السِّنَّ بِالْسِّنِّ»قال العلماء: كلّ شخصين جرى القصاص بينهما في النفس جرى القصاص بينهما في العين والأنف والأُذن والسنّ، وجميع الأطراف، وإذا امتنع القصاص في النفس امتنع أيضاً في الأطراف.
وقوله:«وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ»هذا عام في كلّ ما يمكن أن يقتص فيه، مثل الشفتين واليدين والرجلين، وتقتص الجراحات بمثلها؛ وخرج عن تحت القاعدة«المأمومة»و«الجائفة»فإنّه لا قصاص فيهما، والأُولى هي التي تبلغ أُمّ الرأس، والثانية هي التي تبلغ الجوف في البدن[3]؛ لأنّ في القصاص فيهما تغرير بالنفس، وكلّ جراحة يخاف منها التلف ففيها أُروش مقدّرة.---)
[1]. لاحظ: مجمع البيان: 2/ 286؛ تفسير الكاشف، لمغنية: 1/ 301.
[2]. المائدة: 45.
[3]. مجمع البيان: 3/ 199.
(---«فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ»: أي مَن تصدّق بالقصاص الّذي وجب له بالعفو، فهو كفّارة للمتصدّق الّذي هو المجروح أو ولي الدم؛ وفي الوقت الّذي يجوّز القصاص وأخذ الدية، يحثّ على ترك المجازاة، وأنّ ذلك عند اللَّه كفّارة للذنوب.
«وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ»كاليهود«فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ».
هذه هي الآيات التي ورد فيها القصاص بلفظه، وهناك آيات تدلّ على القصاص بمعناه، نظير:
1. قال سبحانه:«وَ لَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالْحَقِّ».[1]
2. قال سبحانه:«وَ مَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ».[2]
3. قال سبحانه:«وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَ أَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ».[3]
وقوله تعالى:«سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا»من باب المشاكلة وإلّا فالقصاص ليس سيئة.
4. قال سبحانه:«وَ إِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَ لَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ».[4]
بقيت هنا أُمور، هي:---)
[1]. الأنعام: 151.
[2]. الإسراء: 33.
[3]. الشورى: 40.
[4]. النحل: 126.
(---الأوّل:
خلود قاتل المؤمن في النار
يستفاد من بعض الآيات أنّ من قتل مؤمناً متعمّداً يُخلّد في النار، قال سبحانه:«وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَ غَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ وَ لَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيًما».[1]
وقال سبحانه في وصف عباد الرحمن«... وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ التي حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَ لَا يَزْنُونَ وَ مَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا^ يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَ يَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا».[2]
وقد عقد صاحب الوسائل باباً في كتاب القصاص باسم:باب تحريم القتل ظلماً، وروى فيه عشرين رواية يستفاد من بعضها خلود قاتل المؤمن في النار.
ومقتضى إطلاق الآيات والروايات أنّ قاتل المؤمن يخلّد في النار، سواء كان القاتل كافراً، أو مؤمناً، مات غير تائب أو تائباً ودافعاً للدية، أو لا مع أنّ الخلود في القسم الأخير مشكل.
أمّا الجواب فبوجهين:
1. اختصاص الخلود الوارد في الآية بالقاتل الكافر أو المؤمن الّذي مات بلا توبة ودفع الدية، وأمّا إذا تاب ودفع الدية إلى ورثة المقتول فهو خارج عن مدلول الآية؛ لقوله سبحانه:«إِنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَ يَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ».[3]وتوهّم أنّ الآية ناظرة إلى حقوق اللَّه ولا تعم حقوق الناس---)
[1]. النساء: 93.
[2]. الفرقان: 68- 69.
[3]. النساء: 48 و 116.
(--- خلاف إطلاقها.
2. اختصاص الخلود بمن قتل المؤمن لإيمانه.
ويشهد على ذلك تعليق الحكم بالمؤمن«وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا»وأنّ قتله لأجل إيمانه، ومثل هذا يخلد في النار. ويشهد على ذلك الروايات الدالّة على أنّ التخليد لمن قتله لإيمانه:
1. صحيحة عبد اللَّه بن سنان وابن بكير عن أبي عبد اللَّه عليه السلام قال: سُئل عن المؤمن يقتل المؤمن متعمّداً، هل له توبة؟ فقال عليه السلام: «إن كان قتله لإيمانه فلا توبة له، وإن كان قتله لغضب أو لسبب من أمر الدنيا فإنّ توبته أن يُقاد منه».[1]
2. موثّقة سماعة عن أبي عبد اللَّه عليه السلام قال: سألته عن قول اللَّه عزّ وجل«وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ»؟ قال: «من قتل مؤمناً على دينه فذاك المتعمّد الذي قال اللَّه عزّ وجل:«وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيًما»»[2].
الثاني:
لزوم المعادلة بين الجرم والعقاب
من السنن العقلية المقرّرة رعاية المعادلة بين الجرم والعقوبة، وهذه المعادلة منتفية في العذاب المخلّد، فإنّ الذنب كان مؤقّتاً منقطعاً، فكيف يكون العذاب دائماً باقياً؟والجواب:أنّ الإشكال يتوجّه لو كان الجزاء الأُخروي من قبيل العقوبات الدنيوية حيث لا صلة بين الجرم والعقوبة إلّاالاعتبار---)
[1]. الوسائل: 19، الباب 9 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 1.
[2]. الوسائل: 19، الباب 9 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 2.
(--- والجعل التشريعي، فعندئذٍ تجب الموازنة بين الأمرين، وأمّا إذا كانت العقوبة الأُخروية أمراً تكوينياً ملازماً لوجود الجرم وكان الجزاء تجسيماً للذنب المختلق أو الجرم المرتكب، فعندئذٍ تنتفي الموازنة المذكورة؛ لأنّ الجرم يورث في نفس المجرم هيئة لا تفارقه أبداً، وتكون العقوبة نتيجة تلك الظلمة، فبما أنّ الظلمة دائمة في النفس تكون نتيجتها كذلك.
الثالث:
قتل نفس واحدة بمنزلة قتل الناس جميعاً
يدلّ بعض الآيات على أنّ قتل نفس واحدة يعادل قتل الناس جميعاً، يقول سبحانه:«مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا».[1]
وحول هذه الآية يثار سؤال وهو: كيف يمكن أن يجعل قتل إنسان واحد، مكان قتل الناس جميعاً، وإحيائه إحياء للجميع؟
والجواب:هو أنّ قتل نفس بغير نفس أو بغير فساد في الأرض يعدّ عدواناً على الإنسانية التي تتمثّل بهذا الفرد، كما أنّ الإحسان إليه إحسان إلى الناس جميعاً.
وبعبارة أُخرى: أنّ هذا الفرد الذي يقتل نفساً بلا سبب هو عدو الإنسانية، ولذلك قيّد اللَّه سبحانه عملَه:«بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ»، ولذلك لو استطاع أن يقتل الناس عامّة لقام بذلك؛ لأنّه قتل نفساً بلا جُرم ولا سبب، وهذا الملاك موجود في سائر الناس، فيكون قتل الفرد بمنزلة---)
[1]. المائدة: 32.