(--- في القتل، قال سبحانه:«وَ مَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا»[1]، ولكنّه ظاهر الضعف:
أمّا أوّلًا:فلأنّ المراد من الإسراف في القتل قتل البريء والمذنب معاً والتمثيل بهما. ويدلّ عليه روايتان:
1. ما ورد في رواية إسحاق بن عمّار قال: قلت لأبي عبدالله عليه السلام: إنّ الله يقول في كتابه:«وَ مَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ»[2]ما هذا الإسراف الذي نهى الله عنه؟ قال: «نهى أن يقتل غير قاتله أو يمثّل بالقاتل»[3].
فكأنّ الآية نهت عمّا ربما كان شائعاً بين القبائل بأنّه إذا قتل منهم واحد يقتلون المذنب والبريء تشفّياً لغيظهم، و أين هذا ممّن شارك في قتل المظلوم بحيث يوصف بكونه قاتلًا كعديله؟
2. يمكن أن يقال: بأنّ الآية ناظرة إلى التمثيل في الجاني، فهذا يُعدّ إسرافاً في القتل؛ فقد روي عن علي عليه السلام بعد أن ضربه عبدالرحمن بن ملجم، قال:
«احبسوا هذا الأسير و أطعموه وأحسنوا إساره، فإن عشت فأنا أولى بما صنع بي، إن شئت استقدت، وإن شئت عفوت، وإن شئت صالحت، وإن متّ فذلك إليكم، فإن بدا لكم أن تقتلوه فلا تمثّلوا به»[4].---)
[1]. الإسراء: 33.
[2]. الإسراء: 33.
[3]. الوسائل: 19، الباب 62 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 2.
[4]. الوسائل: 19، الباب 62 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 4.
(---وثانياً:أنّ المفروض أنّ كلّ واحدٍ من الشخصين أو الأشخاص قد شاركوا في قتله- وسيوافيك معنى المشاركة في القتل في المسألة التالية- وأنّ كلّاً منهم عمل ما عمل بقصد الجناية والقتل فلا يعدّ الإقتصاص منه إسرافاً وتجاوزاً عن الحدّ، يقول المحقّق: وتتحقّق الشركة في القتل بأن يفعل كلّ واحدٍ منهم ما يقتل لوانفرد، أو ما يكون له شركة في السراية مع القصد إلى الجناية.[1]
وأمّا قوله سبحانه:«النَّفْسَ بِالنَّفْسِ»فهو بصدد بيان أنّ نفس الجاني تزهق في مقابل نفس المجنيّ عليه، وأمّا لو كان الجاني واحداً أو أكثر فالآية غير ناظرة إليه.
وثالثاً:أنّه لو لم يفرض القصاص على الجماعة و اكتفي بالدية يلزم اتخاذ ذلك ذريعة إلى سفك الدماء، خصوصاً بين أهل الثراء، والله سبحانه هو العليم الحكيم.
إذا علمت ذلك فاعلم أنّه قد تضافرت الروايات عن أئمة أهل البيت عليهم السلام على جواز قتل الجميع لكن بشروط خاصّة:
1. عن داود بن سرحان، عن أبي عبدالله عليه السلام في رجلين قتلا رجلًا؟ قال:
«إن شاء أولياء المقتول أن يؤدّوا دية ويقتلوهما جميعاً، قتلوهما».[2]
2. عن الحلبي، عن أبي عبد الله عليه السلام، في عشرة اشتركوا في قتل---)
[1]. شرائع الإسلام: 4/ 202.
[2]. الوسائل: 19، الباب 12 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 1.
(--- رجل، قال: «يخيّر أهل المقتول فأيّهم شاءُوا قتلوا، و يرجع أولياؤه على الباقين بتسعة أعشار الدية»[1]، أي يأخذ من كلّ تسعة أعشار الدية.
3. عن عبد الله بن مسكان، عن أبي عبد الله عليه السلام في رجلين قتلا رجلًا، قال: «إن أراد أولياء المقتول قتلهما أدّوا دية كاملة وقتلوهما، وتكون الدية بين أولياء المقتولين، فإن أرادوا قتل أحدهما قتلوه وأدّى المتروك نصف الدية إلى أهل المقتول ..... إلخ».[2]
4. وعن الفضيل بن يسار، قال: قلت لأبي جعفر عليه السلام: عشرة قتلوا رجلًا، قال: «إن شاء أولياؤه قتلوهم جميعاً وغرموا تسع ديات، و إن شاءُوا تخيّروا رجلًا فقتلوه وأدى التسعة الباقون إلى أهل المقتول الأخير، عشر الدية، كل رجل منهم، قال: ثم الوالي بعد يلي أدبهم و حبسهم».[3]
وظاهر الرواية هو التخيير بين قصاص الجميع و قصاص الواحد، ولكنّه من باب المثال، فإذا جاز التخيير في هذه الصورة، ففي غيرها بوجه أولى.
5. عن داود بن سرحان عن أبي عبد الله عليه السلام في رجلين قتلا رجلًا؟ قال:
«يقتلان إن شاء أهل المقتول و يرد- على إهلهما- دية واحدة».[4]
و ينافي ما ذكرنا من الروايات ما يلي:---)
[1]. الوسائل: 19، الباب 12 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 3.
[2]. الوسائل: 19، الباب 12 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 4.
[3]. الوسائل: 19، الباب 12 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 6.
[4]. الوسائل: 19، الباب 12 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 11.
(--- 1. ما رواه القاسم بن عروة عن أبي العباس و غيره عن أبي عبد الله عليه السلام قال: «إذا اجتمع العدّة على قتل رجل واحد حكم الوالي أن يقتل أيّهم شاءُوا، وليس لهم أن يقتلوا أكثر من واحد، إنّ الله عزّ وجلّ يقول:«وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ»».[1]
2. ورواه الحسين بن سعيد عن ابن أبي عمير وزاد: «وإذا قتل ثلاثة واحداً، خيّر الوالي أي الثلاثة شاء أن يقتل، ويضمن الآخران ثلثي الدية لورثة المقتول».[2]
ويظهر من الرواية الثانية أنّ الجميع رواية واحدة، ولكنّها رواية شاذّة قاصرة عن معارضة ما تضافر، فلتحمل على الندب أو التقّية أو القتل بلا ردّ الدية.
وعلى هذا فيعلم حكم الصور التالية المذكورة في المتن:
لو قتله اثنان: واختار الولي القصاص
1. فلو قتلَ الولي الجميعَ، دفع دية كاملة بالمناصفة إلى ورثة كلّ من القاتلين.
2. ولو قتل البعض دون البعض، فقد استوفى بمقدار حقّه من المقتول وهو النصف، ولكن لم يستوف حقّه ممّن بقي حيّاً وهو النصف، فيأخذ---)
[1]. الوسائل: 19، الباب 12 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 7.
[2]. الوسائل: 19، الباب 12 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 8.
(--- نصف الدية منه ويدفعه إلى ورثة المقتول.
ولو قتله ثلاثة: واختار الولي القصاص
3. فلو قتل الجميع، يدفع إلى ورثة كلّ واحد ثلثا الدية؛ وذلك لأنّ كلّ واحد شارك في قتل المقتول بالثلث فيسقط من ديته مقابل ما جناه، وتبقى دية ما لم يجنه و هو الثلثان لكلّ واحد.
4. ولو اختار الولي قتل اثنين منهم، وترك الثالث، فقد استوفى من كلّ حقّه وهو الثلث، فيبقى من كلٍّ ثلثان في ذمّة الولي، فعليه أن يأخذ ممّن لم يقتله ثلث الدية ويضم إليه ثلاثة أثلاث (أي دية كاملة) فيكون المجموع أربعة أثلاث، يدفعها إلى ورثة كلّ من المقتولين بالمناصفة.
وبذلك يعلم حال ما لم نذكر من الفروع.
بقي الكلام في أمرين:
1. هل يجب ردّ ما فضل على أولياء الجاني قبل القصاص، أو يكفي بعده؟
فالظاهر من رواية الفضيل بن يسار عدمه، حين قال: قلت لأبي جعفر عليه السلام: عشرة قتلوا رجلًا؟ قال: «إن شاء أولياؤه قتلوهم جميعاً و غرموا تسع ديات ...»[1].
ولكن الظاهر من صحيحة أبي مريم الأنصاري وجوب التقديم،---)
[1]. الوسائل: 19، الباب 12 من ابواب القصاص في النفس، الحديث 6.
(--- فعن أبي جعفر عليه السلام، في رجلين اجتمعا على قطع يد رجل؟ قال: «إن أحبّ أن يقطعهما أدّى إليهما دية يد»، و قال: «وإن قطع يد أحدهما ردّ الذي لم تقطع يده على الذي قطعت يده ربع الدية»[1]. ومورد الرواية هو قصاص الطرف، والاستدلال رهن وحدة الحكم في قصاص الطرف والنفس، والظاهر مساعدة العرف في فهم وحدة الحكم، ومع ذلك ففي دلالتها على وجوب التقديم نظر، وذلك بملاحظة ذيلها حيث تدلّ على جواز التأخير، فلاحظ.
وبما أنّ المصنّف سيتعرض لهذا الفرع في المسألة (50)، نحيل القارئ إلى هناك.
2. إذا قتله رجلان، وقتل الولي واحداً منهما يجب على الباقي ردّ نصف الدية إلى أولياء المقتول، ولو افترضنا أنّ الباقي لم يدفع نصف الدية عليهم، فهل يجب على الولي دفعها إليهم؟
إنّ مقتضى القواعد، هو الوجوب لأنّه المباشر للقتل وإن كان له حقّ على الآخر، لكن ظاهر صحيح الحلبي[2]رجوع أولياء المقتول إلى الباقين.
وسيوافيك في المسألة (50) أنّ اللازم وجوب تأمين حق أولياء الجاني على القاضي، ثم الحكم بالقصاص.
[1]. الوسائل: 19، الباب 25 من أبواب قصاص الطرف، الحديث 1.
[2]. الوسائل: 19، الباب 12 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 3.
المسألة 45. تتحقّق الشركة في القتل بأن يفعل كلّ منهم ما يقتل لو انفرد، كأن أخذوه جميعاً فألقوه في النار أو البحر أو من شاهق، أو جرحوه بجراحات كلّ واحدة منها قاتلة لو انفردت، وكذا تتحقّق بما يكون له الشركة في السراية مع قصد الجناية؛ فلو اجتمع عليه عدّة، فجرحه كلّ واحد بما لا يقتل منفرداً لكن سرت الجميع فمات، فعليهم القود بنحو ما مرّ. ولا يعتبر التساوي في عدد الجناية، فلو ضربه أحدهم ضربة والآخر ضربات والثالث أكثر وهكذا، فمات بالجميع، فالقصاص عليهم بالسواء، والدية عليهم سواء. وكذا لا يعتبر التساوي في جنس الجناية، فلو جرحه أحدهما جائفة و الآخر موضحة مثلًا، أو جرحه أحدهما وضربه الآخر، يقتصّ منهما سواء، والدية عليهما كذلك بعد كون السراية من فعلهما.^
^ في المسألة فرعان:
الفرع الأوّل: ما هو المراد من الشركة في القتل؟
ذكر المحقّق بأنّ الشركة تتحقّق بأحد أمرين:
1. أن يفعل كلّ واحد منهم ما يقتل لو انفرد.
2. ما يكون له شركة في السراية مع القصد إلى الجناية.
وقد أشار المصنّف في المتن إلى كلا القسمين، أمّا الأوّل فقد مثّل له بقوله: كأن أخذوه جميعاً فألقوه في النار، أو البحر، أو جرحوه بجراحات---)
(--- كلّ واحدة منها قاتلة لو انفردت.
وإلى الثاني بقوله: لو اجتمع عليه عدّة فجرحه كلّ واحد بما لا يقتل منفرداً ولكن سرت الجميع فمات، فعليهم القود بنحو ما مرّ.
ثم إنّ الظاهر من عبارة المحقّق- وهكذا عبارة المصنّف- شرطية قصد الجناية في الصورة الثانية، والمراد به قصد القتل، فخرج ما إذا قصدوا به التأديب غافلين عن أنّ المجموع فعلٌ قتّال، فيكون شبه العمد.
الفرع الثاني: هل يعتبر التساوي في الجناية أو لا؟
لا يعتبر التساوي في عدد الجناية ولا في جنسها؛ أمّا العدد فلو ضربه أحدهم ضربة و الآخر ضربات فمات بالجميع، فالقصاص عليهم بالسواء، وهكذا الدية.
وأمّا الجنس، فلو جرحه أحدهما جائفة و الآخر موضحة أو جرحه أحدهما و ضربه الآخر، يقتصّ منهما سواء.
كلّ ذلك فيما إذا استند الموت إلى كلا الجنايتين المختلفتين عدداً أو جنساً، دون ما إذا أسند إلى الأخير، أو إلى الأقوى فلا تتحقّق الشركة.