(--- وحقيقة الكلام قبل الخوض في بيان الفروع أنّ ولد الزنا إذا كان الزاني مسلماً محكوم بالإسلام تبعاً، قبل البلوغ، وصف الإسلام أوْ لا، مميّزاً كان أو غير مميّز، كولد الحلال في عامّة المراتب؛ وذلك لأنّه ولد- حقيقي لغوي عرفي- للزاني، ويترتّب عليه كلّ أثر شرعي للأولاد، فيحرم عليه الزواج مع أُخته بنت الرشيدة، كما أنّه يجب على الوالد نفقته، إلى غير ذلك من الآثار.
نعم هو محروم من الإرث ونحوه إخراجاً حكميّاً لا وضعياً، فعلى ما ذكرنا فهو محكوم بالإسلام بالتبعية التكوينية للأب، سواء كان قبل التمييز أو بعده، قبل التوصيف أو بعده.
وبعبارة أُخرى:إنّ الاشتباه حصل بين كونه ولداً تكوينياً عرفياً لغوياً، وبين كونه ولداً شرعياً، تولّد من عقد شرعي أو ملك يمين؛ ولكن نفي الثاني لا يلازم نفي الأوّل، إذ لا شكّ أنّه ولد حقيقي، يحرم على الأب الزواج منها إذا كانت بنتاً ويجوز له النظر إليها، إلى غير ذلك من الأحكام العامّة في الأولاد، إلّا ما خرج بالدليل كالميراث و الإمامة في الصلاة والقضاء.
وبذلك يعلم أنّ ولد الحلال يقتل إذا قتل ولد الحرام حسب القواعد في عامّة الفروع الأربعة، الّتي أُشير إليها في المتن. لقوله سبحانه:«النَّفْسَ بِالنَّفْسِ».[1]
فعلى هذا لو قتله إذا كان بالغاً وأظهر الإسلام، أو قتله قبل البلوغ ولكنّه واصف الإسلام، فلا شكّ في القصاص عند المصنّف وغيره، إنّما---)
[1]. المائدة: 45.
(--- الإشكال عندهم في الصورة الثالثة (ميّز و لم يصف الإسلام) والرابعة (لم يميّز). وجه الاشكال هو عدم وجود التبعية؛ لأنّه ليس ولداً شرعياً يحكم بإسلامه لأجلها، ولذلك تأمّل في المتن واستشكل.
يلاحظ عليه:أنّ ملاك التبعية هو كون المولود ولداً حقيقياً عند العرف والمفروض أنّه كذلك، فولد الزاني المسلم محكوم بالإسلام لأجل التبعية.
ولذلك نرى أنّ العلّامة أفتى بجواز القصاص من دون فرق بين الصور، قال: يقتل ولد الرشدة بولد الزنية مع تساويهما في الإسلام، وعند مَن يرى أنّ ولد الزنا كافر لايقتل به المسلم، والمعتمد ما قلناه.[1]
ثم لو قلنا بعدم التبعية فمع ذلك يجري فيه القصاص؛ وذلك لأنّ الوارد:
«لايقاد المسلم بذمّي».
وإن شئت قلت:لايقاد مسلم بكافر، والمفروض أنّ ولد الزنا في الصورتين الأخيرتين ليس محكوماً بالكفر ولا بالإسلام، فلا يعمّه دليل الاستثناء ...
[1]. تحرير الأحكام: 5/ 459 برقم 7050.
ومن لواحق هذا الباب فروع
منها: لو قطع مسلم يد ذمّي عمداً فأسلم وسرت إلى نفسه، فلا قصاص في الطرف ولا قود في النفس، وعليه دية النفس كاملة، وكذا لو قطع صبي يد بالغ فبلغ ثم سرت جنايته، لا قصاص في الطرف ولا قود في النفس، وعلى عاقلته دية النفس.^
^ في المسألة فرعان:
الفرع الأوّل: لو قطع مسلم يد ذمّي عمداً وسرت جنايته
إذا جنى المسلم جناية على طرف من أطراف ذمّيّ فسرت إلى نفسه لا يقتصّ منه، فالنفس والأطراف في الحكم واحدة.
روى محمد بن قيس عن أبي جعفر عليه السلام قال: «لايقاد مسلم بذمّيّ في القتل ولا في الجراحات».[1]هذا حكم القصاص، وأمّا الدية فهي عليه ما دام المجنيّ عليه كافراً.
كما في نفس الرواية حيث جاء فيها: «ولكن يؤخذ من المسلم جنايته للذمّيّ على قدر دية الذمّيّ ثمانمائة درهم» ولكن لو فرضنا أنّ الذمّيّ أسلم بعد الجناية وسرت الجناية إلى نفسه فقتلته، فلاشكّ في عدم القصاص نفساً وطرفاً؛ لعدم التساوي في الدين عند الجناية، إنّما الكلام في مقدار الدية،---)
[1]. الوسائل: 19، الباب 47 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 5.
(--- فهل يستحق دية الذمّيّ أو دية المسلم؟
الظاهر هو الثاني؛ لأنّ الميزان حال التأدية، والمفروض أنّه مسلم في ذلك الحال.
وبعبارة أُخرى: أنّ الجناية كانت مضمونة حين وقوعها بالدية لا بالقصاص وقد سرت الجناية المضمونة إلى نفسها فيكون المضمون حال تحقّق الجزء الأخير كما هو الحال في عامّة الجنايات.
وإن شئت قلت:إنّه وإن جُرح حال الكفر ولكنّه مات بجرح سرى إلى نفسه فقتله وهو مسلم، فيصح أن يُسند القتل إلى القاتل وأن يقال بأنّه قتل مسلماً ولو نهاية، فيلزم دفع دية المسلم.
الفرع الثاني: لو قطع صبي يد بالغ وسرت جنايته
لو قطع صبيٌّ يد بالغ، ثم بلغ الجاني ثم سرت جنايته، فلاشكّ أنّ الصبي حين الجناية لم يكن محكوماً بالقصاص في الطرف لعدم كونه بالغاً، وقد رفع القلم عن ثلاثة: «الصبي حتى يحتلم» إنّما الكلام إذا سرت جنايته بعد البلوغ وانتهت إلى تلف النفس، فهل يحكم على الصبي البالغ بالقصاص؟ الظاهر: لا؛ لأنّ قصده كلا قصد، فلا عبرة بجنايته حين الصبى، فلو سرت إلى تلف النفس فالسراية نتيجة جناية غير مضمونة على الصبي فلا يحكم بالقصاص، وأمّا الدية فنعم لكن على العاقلة.
ومنها: لو قطع يد حربي أو مرتد فأسلم ثم سرت فلا قود، ولا دية على الأقوى، وقيل بالدية اعتباراً بحال الاستقرار، والأوّل أقوى، ولو رماه فأصابه بعد إسلامه فلا قود ولكن عليه الدية، وربما يحتمل العدم اعتباراً بحال الرمي، وهو ضعيف، وكذا الحال لو رمى ذميّاً فأسلم ثم أصابه فلا قود، وعليه الدية.^
^ في المسألة فروع ثلاثة:
1. لو قطع يد حربي أو مرتد فأسلم ثم سرت إلى النفس.
2. لو رمى الحربي فأصابه بعد إسلامه.
3. لو رمى ذمّياً فأسلم ثم أصابه.
والجامع بين هذه الفروع: أنّ الجناية وقعت في حال كفر المجني عليه، وأمّا ما يتبع الجناية فقد وقع في حال الإسلام، مثلًا:
ففي الأوّل قطع يد الحربي في حال الكفر والسراية إلى النفس في حال الإسلام، وفي الثاني وقع الرمي إلى الحربي في حال الكفر لكن وقعت الإصابة في حال إسلام المرمي.
ومثله الثالث فرمي الذمّي كان في حال الكفر، ولكن الإصابة حصلت في حال الإسلام.
إذا عرفت ذلك فلندرس الفروع:---)
(---
الفرع الأوّل: لو قطع يد حربي أو مرتد فأسلم وسرت الجناية
لو قطع يد حربي أو مرتد فأسلم المقطوع وسرت الجناية إلى نفسه، يقع الكلام في القصاص أوّلًا، وفي الدية ثانياً.
أمّا القصاص، فلا، وذلك لما مرّ من رواية محمد بن قيس: «لا يقاد مسلم بذمّيّ في القتل، ولا في الجراحات»، فإذا كان الحكم في الذمّيّ ثابتاً، ففي الحربي والمرتد بطريق أولى.
وقد عرفت أنّ الميزان في القصاص هو حال الجناية، والمفروض كونه كافراً في حالها وهو لا يعادل مسلماً.
وأمّا الدية فمثل القصاص؛ لأنّ الجناية لم تكن مضمونة حال وقوعها، لأنّ مقطوع اليد هو الحربي أو المرتد، وبهذا يفارق ما مرّ في الملحق الأوّل، أعني: لو قطع مسلم يد ذمّيّ عمداً فأسلم، لأنّ الجناية هناك وقعت على محقون الدم، ولذلك أفتى في المتن بعدم القصاص والدية.
وما ربما يقال من أنّ الميزان في الدية حال الاستقرار- كما أشار إليه في المتن- إنّما يصحّ إذا كانت الجناية على محقون الدم.
الفرع الثاني: لو رمى الحربي فأصابه بعد إسلامه
لو رمى الحربي، ولكن أصابه بعد إسلامه، فقد أفتى المصنّف بعدم القود ولكن عليه الدية، أمّا القود فلما عرفت من أنّ الميزان حال الجناية والمفروض أنّه في تلك الحال كافر مهدور الدم، إنّما الكلام في وجوب الدية، فقد---)
(--- علّله المحقّق بقوله: لأنّ الإصابة صادفت مسلماً محقون الدم[1]، وكأنّ الميزان في كون المجني عليه محقون الدم أو مهدوره هو وقت الإصابة، والمفروض أنّه مسلم حالها.
وبذلك يظهر الفرق بين الفرع الأوّل والثاني، فإنّ الجناية في الأوّل وقعت بعامّة أجزائها حال الكفر، لكن نتيجة الجناية صارت سبباً للقتل وهو مسلم، وهذا بخلاف المقام (الثاني) فإنّ جزءاً من الجناية (أعني: الرمي) وقع في حال الكفر، ولكن الجزء الآخر (أعني: الإصابة) الّذي هو فعل تسبيبي للرامي وقع حال الإسلام، فإذا لم يحكم بالقود فلا بدّ من الدية.
الفرع الثالث: لو رمى ذميّاً فأسلم ثم أصابه
كما إذا رمى بالصاروخ من طريق بعيد قال المصنّف: فلا قود، وعليه الدية.
أمّا القود فلما عرفت من أنّ الميزان حال الجناية، والمفروض أنّ الرمي وقع في حال الكفر، وأمّا الإصابة (أعني: الجزء الآخر) قد وقعت في زمان الإسلام، فالقصاص منتف؛ لأنّ الميزان فيه حال الجناية، وقد تحقّقت وهو مسلم فلا يقتص من الجاني المسلم بكافر ذمّي، وأمّا الدية فلأنّه محقون الدم قبل الرمي وبعده. وعلى كلّ تقدير فالفرعان الأخيران من الفروض النادرة التي لا تتحقّق إلا في نوادر الزمان.
[1]. شرائع الإسلام: 4/ 212.
ومنها: لو قتل مرتد ذمّياً يقتل به، وإن قتله ورجع إلى الإسلام فلا قود، وعليه دية الذمّيّ، ولو قتل ذمّي مرتدّاً- ولو عن فطرة- قتل به، ولو قتله مسلم فلا قود، والظاهر عدم الدية عليه، وللإمام عليه السلام تعزيره.^
^في أحكام المرتد
في المسألة فروع:
1. لو قتل مرتدٌ ذميّاً، وبقي على ارتداده.
2. إن قتل مرتدٌ ذميّاً، وأسلم ثم قتل الذمّي.
3. لو قتل ذميٌّ مرتدّاً ولوعن فطرة.
4. لو قتل مسلمٌ مرتدّاً.
وقبل دراسة الفروع نشير إلى نكتة وهي أنّ المرتدّ في المسألة تارة يفرض كونه مقتولًا، وأُخرى يفرض كونه قاتلًا، فما هو الوجه في تخصيصه بالبحث؟
أقول:إنّ تخصيص المرتد بالبحث لأجل أُمور ثلاثة:
1. أنّ المرتد برزخ بين المسلم والكافر، فلا هو مسلم قطعاً ومع ذلك لايتعامل معه معاملة الكافر، تماماً، حيث يحرم عليه نكاح الذمّية ولا يرثه الكافر ويجب عليه قضاء صلواته إذا أسلم ثانياً، ولذلك عاد موضوعاً للبحث.
وقد أشار إليه في «الشرائع» بقوله:«منشأه تحرّم المرتد بالإسلام»المانع من نكاحه الذمّية، ومن إرث الذمّي له، ومن استرقاقه ووجوب---)