(--- فهل يستحق دية الذمّيّ أو دية المسلم؟
الظاهر هو الثاني؛ لأنّ الميزان حال التأدية، والمفروض أنّه مسلم في ذلك الحال.
وبعبارة أُخرى: أنّ الجناية كانت مضمونة حين وقوعها بالدية لا بالقصاص وقد سرت الجناية المضمونة إلى نفسها فيكون المضمون حال تحقّق الجزء الأخير كما هو الحال في عامّة الجنايات.
وإن شئت قلت:إنّه وإن جُرح حال الكفر ولكنّه مات بجرح سرى إلى نفسه فقتله وهو مسلم، فيصح أن يُسند القتل إلى القاتل وأن يقال بأنّه قتل مسلماً ولو نهاية، فيلزم دفع دية المسلم.
الفرع الثاني: لو قطع صبي يد بالغ وسرت جنايته
لو قطع صبيٌّ يد بالغ، ثم بلغ الجاني ثم سرت جنايته، فلاشكّ أنّ الصبي حين الجناية لم يكن محكوماً بالقصاص في الطرف لعدم كونه بالغاً، وقد رفع القلم عن ثلاثة: «الصبي حتى يحتلم» إنّما الكلام إذا سرت جنايته بعد البلوغ وانتهت إلى تلف النفس، فهل يحكم على الصبي البالغ بالقصاص؟ الظاهر: لا؛ لأنّ قصده كلا قصد، فلا عبرة بجنايته حين الصبى، فلو سرت إلى تلف النفس فالسراية نتيجة جناية غير مضمونة على الصبي فلا يحكم بالقصاص، وأمّا الدية فنعم لكن على العاقلة.
ومنها: لو قطع يد حربي أو مرتد فأسلم ثم سرت فلا قود، ولا دية على الأقوى، وقيل بالدية اعتباراً بحال الاستقرار، والأوّل أقوى، ولو رماه فأصابه بعد إسلامه فلا قود ولكن عليه الدية، وربما يحتمل العدم اعتباراً بحال الرمي، وهو ضعيف، وكذا الحال لو رمى ذميّاً فأسلم ثم أصابه فلا قود، وعليه الدية.^
^ في المسألة فروع ثلاثة:
1. لو قطع يد حربي أو مرتد فأسلم ثم سرت إلى النفس.
2. لو رمى الحربي فأصابه بعد إسلامه.
3. لو رمى ذمّياً فأسلم ثم أصابه.
والجامع بين هذه الفروع: أنّ الجناية وقعت في حال كفر المجني عليه، وأمّا ما يتبع الجناية فقد وقع في حال الإسلام، مثلًا:
ففي الأوّل قطع يد الحربي في حال الكفر والسراية إلى النفس في حال الإسلام، وفي الثاني وقع الرمي إلى الحربي في حال الكفر لكن وقعت الإصابة في حال إسلام المرمي.
ومثله الثالث فرمي الذمّي كان في حال الكفر، ولكن الإصابة حصلت في حال الإسلام.
إذا عرفت ذلك فلندرس الفروع:---)
(---
الفرع الأوّل: لو قطع يد حربي أو مرتد فأسلم وسرت الجناية
لو قطع يد حربي أو مرتد فأسلم المقطوع وسرت الجناية إلى نفسه، يقع الكلام في القصاص أوّلًا، وفي الدية ثانياً.
أمّا القصاص، فلا، وذلك لما مرّ من رواية محمد بن قيس: «لا يقاد مسلم بذمّيّ في القتل، ولا في الجراحات»، فإذا كان الحكم في الذمّيّ ثابتاً، ففي الحربي والمرتد بطريق أولى.
وقد عرفت أنّ الميزان في القصاص هو حال الجناية، والمفروض كونه كافراً في حالها وهو لا يعادل مسلماً.
وأمّا الدية فمثل القصاص؛ لأنّ الجناية لم تكن مضمونة حال وقوعها، لأنّ مقطوع اليد هو الحربي أو المرتد، وبهذا يفارق ما مرّ في الملحق الأوّل، أعني: لو قطع مسلم يد ذمّيّ عمداً فأسلم، لأنّ الجناية هناك وقعت على محقون الدم، ولذلك أفتى في المتن بعدم القصاص والدية.
وما ربما يقال من أنّ الميزان في الدية حال الاستقرار- كما أشار إليه في المتن- إنّما يصحّ إذا كانت الجناية على محقون الدم.
الفرع الثاني: لو رمى الحربي فأصابه بعد إسلامه
لو رمى الحربي، ولكن أصابه بعد إسلامه، فقد أفتى المصنّف بعدم القود ولكن عليه الدية، أمّا القود فلما عرفت من أنّ الميزان حال الجناية والمفروض أنّه في تلك الحال كافر مهدور الدم، إنّما الكلام في وجوب الدية، فقد---)
(--- علّله المحقّق بقوله: لأنّ الإصابة صادفت مسلماً محقون الدم[1]، وكأنّ الميزان في كون المجني عليه محقون الدم أو مهدوره هو وقت الإصابة، والمفروض أنّه مسلم حالها.
وبذلك يظهر الفرق بين الفرع الأوّل والثاني، فإنّ الجناية في الأوّل وقعت بعامّة أجزائها حال الكفر، لكن نتيجة الجناية صارت سبباً للقتل وهو مسلم، وهذا بخلاف المقام (الثاني) فإنّ جزءاً من الجناية (أعني: الرمي) وقع في حال الكفر، ولكن الجزء الآخر (أعني: الإصابة) الّذي هو فعل تسبيبي للرامي وقع حال الإسلام، فإذا لم يحكم بالقود فلا بدّ من الدية.
الفرع الثالث: لو رمى ذميّاً فأسلم ثم أصابه
كما إذا رمى بالصاروخ من طريق بعيد قال المصنّف: فلا قود، وعليه الدية.
أمّا القود فلما عرفت من أنّ الميزان حال الجناية، والمفروض أنّ الرمي وقع في حال الكفر، وأمّا الإصابة (أعني: الجزء الآخر) قد وقعت في زمان الإسلام، فالقصاص منتف؛ لأنّ الميزان فيه حال الجناية، وقد تحقّقت وهو مسلم فلا يقتص من الجاني المسلم بكافر ذمّي، وأمّا الدية فلأنّه محقون الدم قبل الرمي وبعده. وعلى كلّ تقدير فالفرعان الأخيران من الفروض النادرة التي لا تتحقّق إلا في نوادر الزمان.
[1]. شرائع الإسلام: 4/ 212.
ومنها: لو قتل مرتد ذمّياً يقتل به، وإن قتله ورجع إلى الإسلام فلا قود، وعليه دية الذمّيّ، ولو قتل ذمّي مرتدّاً- ولو عن فطرة- قتل به، ولو قتله مسلم فلا قود، والظاهر عدم الدية عليه، وللإمام عليه السلام تعزيره.^
^في أحكام المرتد
في المسألة فروع:
1. لو قتل مرتدٌ ذميّاً، وبقي على ارتداده.
2. إن قتل مرتدٌ ذميّاً، وأسلم ثم قتل الذمّي.
3. لو قتل ذميٌّ مرتدّاً ولوعن فطرة.
4. لو قتل مسلمٌ مرتدّاً.
وقبل دراسة الفروع نشير إلى نكتة وهي أنّ المرتدّ في المسألة تارة يفرض كونه مقتولًا، وأُخرى يفرض كونه قاتلًا، فما هو الوجه في تخصيصه بالبحث؟
أقول:إنّ تخصيص المرتد بالبحث لأجل أُمور ثلاثة:
1. أنّ المرتد برزخ بين المسلم والكافر، فلا هو مسلم قطعاً ومع ذلك لايتعامل معه معاملة الكافر، تماماً، حيث يحرم عليه نكاح الذمّية ولا يرثه الكافر ويجب عليه قضاء صلواته إذا أسلم ثانياً، ولذلك عاد موضوعاً للبحث.
وقد أشار إليه في «الشرائع» بقوله:«منشأه تحرّم المرتد بالإسلام»المانع من نكاحه الذمّية، ومن إرث الذمّي له، ومن استرقاقه ووجوب---)
(--- قضاء الصلاة عليه لو تاب فأسلم، كل ذلك صار سبباً لا بتعاده عن الكفر واقترابه إلى الاسلام.
2. يظهر من بعض أحكام المرتد أنّه أسوأ حالًا من الذمّيّ كوجوب قتله مع عدم قبول توبته، إجماعاً وعدم حل ذبيحته، وعدم إقراره بالجزية.
3. هل المرتد مهدور الدم مطلقاً أو مهدور بالنسبة إلى الإمام والمسلمين أو هو مهدور الدم بالنسبة إلى خصوص الإمام الحاكم بارتداده.
فكل ذلك- كما أشار إليه في الجواهر[1]- صار سبباً للتردد في الحكم، ولذلك قال المحقّق: إذا قتل مرتد ذميّاً، ففي قتله تردد منشأه تحرّم قتل المرتد بالاسلام.[2]
إذا عرفت ذلك فلنرجع إلى دراسة الفروع:
الفرع الأوّل: لو قتل المرتد ذميّاً وبقي على ارتداده
الأقوى جواز قتله، لإطلاق أدلّة القصاص- أعني قوله:«النَّفْسَ بِالنَّفْسِ»- فخرج عنها قتل المسلم بالذمّي، أو الكافر، وبقي الباقي تحت إطلاق الآية. وما مرّ من اشتراط التساوي في الدين فهو حاصل في المقام، لأن الكفر كالملّة الواحدة فيقتل النصراني باليهودي وبالعكس، ويقتل المرتدّ بالذمّي.
إلّا أن يقال بتحرّم المرتد حال الجناية بالإسلام، فيصير مانعاً---)
[1]. جواهر الكلام: 42/ 163- 164.
[2]. شرائع الإسلام: 4/ 213.
(--- من القصاص كما هو الحال في الفرع التالي.
الفرع الثاني: لو قتل المرتد ذميّاً ثم عاد إلى الإسلام
مقتضى القاعدة هو القود لتساوي القاتل والمقتول في الدين أي الكفر في حال الجناية وقد عرفت أنّ الميزان هو تلك الحالة، لكن الحكم بعدم القود في المتن لأجل تحرّم المرتد حال الجناية بالإسلام فصار مانعاً من القود وإلّا فالإسلام المتأخر لا يمنع من القود الثابت. وما يقال من أنّ الميزان هو حال القصاص لا الجناية ينافي ما سبق من أنّ الملاك حال الجناية فلاحظ، نعم عليه الدية لأن الذمّيّ محقون الدم، وكل مورد يمتنع القصاص تتعيّن الدية، على تأمّل في كليّة القاعدة.
الفرع الثالث: لو قتل ذميٌّ مرتدّاً ولو عن فطرة
قال الشيخ: إذا قتل نصرانيٌّ مرتدّاً وجب عليه القود، وليس للشافعي فيه نصٌّ، ولأصحابه فيه ثلاثة أوجه: قال أبو إسحاق: لا قود له ولادية، ومنهم من قال: عليه القود فإن عفا فعليه الدية، وقال أبو الطيب ابن سلمة: عليه القود، فإن عفا فلا دية له[1].
ثم إن الداعي لعنوان هذه المسألة كما مرّ هو تحديد قولهم: «المرتد مهدور الدم» فهل هو مهدور الدم لخصوص الإمام أو للمسلمين أو لأعم منهم ومن غيرهم، فصار ذلك سبباً لعنوان المسألة، وبما أن المرتد ليس مهدور---)
[1]. الخلاف: 5/ 172، المسألة 34.
(--- الدم بالنسبة إلى الكافر الذمّيّ فيقتل الذمّيّ به، وأمّا كونه مهدور الدم بالنسبة إلى خصوص الإمام أو عموم المسلمين فيترك بحثه إلى موضعه.
وبالجملة كون الإنسان مهدور الدم لايلازم جواز قتله لغير الحاكم، فإنّ الزاني المحصن مهدور الدم لكن بالنسبة إلى الإمام لاغيره.
قال المحقّق: لو قتل ذمّيٌّ مرتدّاً قُتل به، لأنّه محقون الدم بالنسبة للذمّيّ[1].
الفرع الرابع: لو قتل المسلم مرتدّاً
فلا قود لعدم الكفاءة، فيشمله قوله: لا يقتل مسلم بكافر، إنّما الكلام في الدية فقد تردّد المحقّق فيه واستقرب أنّه لادية له، ولعلّ وجهه أنّه مباح الدم، ولكنّه مبني على عدم الاحترام بالنسبة للمسلمين، ولا يبعد كونه محقون الدم بالنسبة إلى غير الإمام، فإنّ القول بعدم الدية أشبه بتنزيل المرتد منزلة الحيوانات التي لا احترام لها، وهو بعيد، كيف ولو قتل مسلم ذمّيّاً تجب عليه الدية، فالمرتد لأجل وجود سبق للإسلام في حياته لا يقصر عن الذمّيّ، فالأحوط دفع الدية. إلّاأن يقال: إنّ المرتد أدون من الذمّيّ؛ لأنّه مجاز في البقاء على دينه بخلاف المرتد بل أضرّ من الذميّ كما لا يخفى فصار أدون منه. نعم من قال بعدم الدية- كالمحقّق في الشرائع والمصنّف في المتن- ذكروا أنّ للإمام تعزير القاتل، لأنّه ارتكب أمراً حراماً ....
[1]. شرائع الاسلام: 4/ 213.