ومنها: لو قتل مرتد ذمّياً يقتل به، وإن قتله ورجع إلى الإسلام فلا قود، وعليه دية الذمّيّ، ولو قتل ذمّي مرتدّاً- ولو عن فطرة- قتل به، ولو قتله مسلم فلا قود، والظاهر عدم الدية عليه، وللإمام عليه السلام تعزيره.^
^في أحكام المرتد
في المسألة فروع:
1. لو قتل مرتدٌ ذميّاً، وبقي على ارتداده.
2. إن قتل مرتدٌ ذميّاً، وأسلم ثم قتل الذمّي.
3. لو قتل ذميٌّ مرتدّاً ولوعن فطرة.
4. لو قتل مسلمٌ مرتدّاً.
وقبل دراسة الفروع نشير إلى نكتة وهي أنّ المرتدّ في المسألة تارة يفرض كونه مقتولًا، وأُخرى يفرض كونه قاتلًا، فما هو الوجه في تخصيصه بالبحث؟
أقول:إنّ تخصيص المرتد بالبحث لأجل أُمور ثلاثة:
1. أنّ المرتد برزخ بين المسلم والكافر، فلا هو مسلم قطعاً ومع ذلك لايتعامل معه معاملة الكافر، تماماً، حيث يحرم عليه نكاح الذمّية ولا يرثه الكافر ويجب عليه قضاء صلواته إذا أسلم ثانياً، ولذلك عاد موضوعاً للبحث.
وقد أشار إليه في «الشرائع» بقوله:«منشأه تحرّم المرتد بالإسلام»المانع من نكاحه الذمّية، ومن إرث الذمّي له، ومن استرقاقه ووجوب---)
(--- قضاء الصلاة عليه لو تاب فأسلم، كل ذلك صار سبباً لا بتعاده عن الكفر واقترابه إلى الاسلام.
2. يظهر من بعض أحكام المرتد أنّه أسوأ حالًا من الذمّيّ كوجوب قتله مع عدم قبول توبته، إجماعاً وعدم حل ذبيحته، وعدم إقراره بالجزية.
3. هل المرتد مهدور الدم مطلقاً أو مهدور بالنسبة إلى الإمام والمسلمين أو هو مهدور الدم بالنسبة إلى خصوص الإمام الحاكم بارتداده.
فكل ذلك- كما أشار إليه في الجواهر[1]- صار سبباً للتردد في الحكم، ولذلك قال المحقّق: إذا قتل مرتد ذميّاً، ففي قتله تردد منشأه تحرّم قتل المرتد بالاسلام.[2]
إذا عرفت ذلك فلنرجع إلى دراسة الفروع:
الفرع الأوّل: لو قتل المرتد ذميّاً وبقي على ارتداده
الأقوى جواز قتله، لإطلاق أدلّة القصاص- أعني قوله:«النَّفْسَ بِالنَّفْسِ»- فخرج عنها قتل المسلم بالذمّي، أو الكافر، وبقي الباقي تحت إطلاق الآية. وما مرّ من اشتراط التساوي في الدين فهو حاصل في المقام، لأن الكفر كالملّة الواحدة فيقتل النصراني باليهودي وبالعكس، ويقتل المرتدّ بالذمّي.
إلّا أن يقال بتحرّم المرتد حال الجناية بالإسلام، فيصير مانعاً---)
[1]. جواهر الكلام: 42/ 163- 164.
[2]. شرائع الإسلام: 4/ 213.
(--- من القصاص كما هو الحال في الفرع التالي.
الفرع الثاني: لو قتل المرتد ذميّاً ثم عاد إلى الإسلام
مقتضى القاعدة هو القود لتساوي القاتل والمقتول في الدين أي الكفر في حال الجناية وقد عرفت أنّ الميزان هو تلك الحالة، لكن الحكم بعدم القود في المتن لأجل تحرّم المرتد حال الجناية بالإسلام فصار مانعاً من القود وإلّا فالإسلام المتأخر لا يمنع من القود الثابت. وما يقال من أنّ الميزان هو حال القصاص لا الجناية ينافي ما سبق من أنّ الملاك حال الجناية فلاحظ، نعم عليه الدية لأن الذمّيّ محقون الدم، وكل مورد يمتنع القصاص تتعيّن الدية، على تأمّل في كليّة القاعدة.
الفرع الثالث: لو قتل ذميٌّ مرتدّاً ولو عن فطرة
قال الشيخ: إذا قتل نصرانيٌّ مرتدّاً وجب عليه القود، وليس للشافعي فيه نصٌّ، ولأصحابه فيه ثلاثة أوجه: قال أبو إسحاق: لا قود له ولادية، ومنهم من قال: عليه القود فإن عفا فعليه الدية، وقال أبو الطيب ابن سلمة: عليه القود، فإن عفا فلا دية له[1].
ثم إن الداعي لعنوان هذه المسألة كما مرّ هو تحديد قولهم: «المرتد مهدور الدم» فهل هو مهدور الدم لخصوص الإمام أو للمسلمين أو لأعم منهم ومن غيرهم، فصار ذلك سبباً لعنوان المسألة، وبما أن المرتد ليس مهدور---)
[1]. الخلاف: 5/ 172، المسألة 34.
(--- الدم بالنسبة إلى الكافر الذمّيّ فيقتل الذمّيّ به، وأمّا كونه مهدور الدم بالنسبة إلى خصوص الإمام أو عموم المسلمين فيترك بحثه إلى موضعه.
وبالجملة كون الإنسان مهدور الدم لايلازم جواز قتله لغير الحاكم، فإنّ الزاني المحصن مهدور الدم لكن بالنسبة إلى الإمام لاغيره.
قال المحقّق: لو قتل ذمّيٌّ مرتدّاً قُتل به، لأنّه محقون الدم بالنسبة للذمّيّ[1].
الفرع الرابع: لو قتل المسلم مرتدّاً
فلا قود لعدم الكفاءة، فيشمله قوله: لا يقتل مسلم بكافر، إنّما الكلام في الدية فقد تردّد المحقّق فيه واستقرب أنّه لادية له، ولعلّ وجهه أنّه مباح الدم، ولكنّه مبني على عدم الاحترام بالنسبة للمسلمين، ولا يبعد كونه محقون الدم بالنسبة إلى غير الإمام، فإنّ القول بعدم الدية أشبه بتنزيل المرتد منزلة الحيوانات التي لا احترام لها، وهو بعيد، كيف ولو قتل مسلم ذمّيّاً تجب عليه الدية، فالمرتد لأجل وجود سبق للإسلام في حياته لا يقصر عن الذمّيّ، فالأحوط دفع الدية. إلّاأن يقال: إنّ المرتد أدون من الذمّيّ؛ لأنّه مجاز في البقاء على دينه بخلاف المرتد بل أضرّ من الذميّ كما لا يخفى فصار أدون منه. نعم من قال بعدم الدية- كالمحقّق في الشرائع والمصنّف في المتن- ذكروا أنّ للإمام تعزير القاتل، لأنّه ارتكب أمراً حراماً ....
[1]. شرائع الاسلام: 4/ 213.
ومنها: لو وجب على مسلم قصاص فقتله غير الولي، كان عليه القود؛ ولو وجب قتله بالزنا أو اللواط فقتله غير الإمام، قيل: لا قود عليه ولا دية، وفيه تردّد.^
^لو وجب على مسلم قصاص أو حدّ
في المسألة فرعان:
1. لو وجب على مسلم قصاص فقتله غير الولي.
2. لو وجب قتل إنسان لحدٍّ شرعي كالزنا واللواط، فقتله غير الإمام.
أمّا الفرع الأوّل:فلا شكّ أنّ على القاتل القود، لأنّه محقون الدم بالنسبة إلى غير ولي الدم، فتعمّه العمومات والقواعد، أعني قوله سبحانه:«النَّفْسَ بِالنَّفْسِ»إلى غير ذلك. إلّاإذا عفا عنه ولي الدم.
الفرع الثاني:لو وجب قتله بحدٍّ من حدود الله كالزنا واللواط فقتله غير الإمام، قال المحقّق: لم يكن عليه قود ولادية، مستدلّاً بأنّ عليّاً عليه السلام قال لرجل قتل رجلًا وادّعى أنّه وجده مع امرأته: «عليك القود إلّاأن تأتي ببيّنة».[1]
وأشار قدس سره إلى خبر سعيد بن المسيّب: أنّ معاوية كتب إلى أبي موسى الأشعري أنّ ابن أبي الجسرين (الحسين) وجد رجلًا مع امرأته فقتله، فأسأل لي عليّاً عليه السلام عن هذا؟ قال أبو موسى: فلقيت عليّاً عليه السلام فسألته ... إلى أن قال:---)
[1]. شرائع الإسلام: 4/ 213.
(--- (فقال: والله ما هذا في هذه البلاد- يعني الكوفة- ولا هذا بحضرتي، فمن أين جاءك هذا؟ قلت: كتب إليّ معاوية أنّ ابن أبي الجسرين (الحسين) وجد مع امرأته رجلًا فقتله وقد أشكل عليه القضاة فيه فرأيك في هذا؟) فقال: «أنا أبو الحسن إن جاء بأربعة يشهدون على ما شهد، وإلّا دفع برمّته».[1]
لكن تردّد في المتن؛ وذلك لأنّ الحديث مختصّ بالزوج، فالتعدّي إلى غير هذا المورد- خصوصاً الأجانب- مشكل، فكونه مهدور الدم لدى الحاكم، لا يبرّر جواز قتله لغيره؛ لأنّ الأصل في الدماء الاحترام، فلو قتله غيره يقتصّ منه، لقوله سبحانه:«النَّفْسَ بِالنَّفْسِ»، خرج منه مورد الرواية وبقي الباقي تحته. فلو لم نقل بالقود لانصراف الآية إلى محقون الدم، فلا أقل من القول بالدية.
[1]. الوسائل: 19، الباب 69 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 2.
الشرط الثالث: انتفاء الأبوّة، فلا يقتل أبٌ بقتل ابنه، والظاهر أن لا يقتل أب الأب، وهكذا.^
^الثالث: انتفاء الأُبوّة
هنا فرعان:
الأوّل:لا يقتل الوالد بقتله الولد، ووصفه في «الجواهر» بقوله: بلا خلاف أجده، بل الإجماع بقسميه عليه.[1]
وقال الشيخ في «الخلاف»: لا يقتل الوالد بولده، سواء قتله بالسيف حذفاً أو ذبحاً، وعلى أي وجه كان. وبه قال في الصحابة: عمر بن الخطاب. وفي الفقهاء: ربيعة، والأوزاعي، والثوري، وأبو حنيفة وأصحابه، والشافعي، وأحمد، وإسحاق. وقال مالك: إن قتله حذفاً بالسيف فلا قود، وإن قتله ذبحاً أو شقّ بطنه فعليه القود، وبه قال عثمان البتي.[2]
ويدلّ على ما ذكرنا روايات:
1. ما رواه حمران عن أحدهما عليهما السلام قال: «لا يقاد والد بولده، ويقتل الولد إذا قتل والده عمداً».[3]
2. صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن الرجل يقتل---)
[1]. جواهر الكلام: 42/ 169.
[2]. الخلاف: 5/ 151، المسألة 9. يقال: حذفه بالعصا أو الحجر: ضربه.
[3]. الوسائل: 19، الباب 32 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 1.
(--- ابنه، أيقتل به؟ قال عليه السلام: «لا».[1]
3. ما رواه الفضيل بن يسار عن الصادق عليه السلام، قال: «لا يقتل الرجل بولده إذا قتله، ويقتل الولد بوالده إذا قتل والده».[2]إلى غير ذلك من الروايات.[3]
الفرع الثاني:عموم الحكم لأب الأب وإن علا، وقد جزم به المحقّق في «الشرائع»، ولكنّه تردّد في «النافع». والدليل عليه شمول إطلاق الأب لأب الأب، فعلى هذا فيصدق عليه قول الصادق عليه السلام: «لا يقتل الأب بابنه».
إنّ المتتبع للقرآن والسنّة يقف على أنّ الأب في الإطلاق يشمل الجدّ أيضاً، فلو مات الجدّ وليس له وارث إلا الأحفاد والأسباط يشمله قوله سبحانه:«يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ»[4].
وقوله سبحانه:«أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ»[5]حيث يشمل أبا الأب.
وقوله سبحانه:«وَ لَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ»[6]، فهو يشمل الجدّ وإن علا.---)
[1]. الوسائل: 19، الباب 32 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 2.
[2]. الوسائل: 19، الباب 32 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 3.
[3]. لاحظ: الوسائل: 19، الباب 32 من أبواب القصاص في النفس، الحديث، 4 و 6 و 7 و 8 و 9 و 10 و 11.
[4]. النساء: 11.
[5]. النور: 61.
[6]. النور: 31.