(--- على الراجع لاعترافه بانتفاء الأُبوّة فيقتل بالقتل العمد. نعم إنّه جنى بنصف ديته دون تمام ديته، فعلى الآخر ردّ نصف الدية إليه بعد انتفاء القصاص عنه.
الصورة الرابعة:لو ادّعياه ثم رجع أحدهما وقتل الراجع، فلاشكّ أنّه يقتصّ من الراجع، لانتفاء الأُبوّة، ولايردّ عليه شيئاً من الدية لعدم اشتراك الآخر معه في القتل.
الصورة الخامسة:لو ادّعياه ثم رجع أحدهما وقتله غير الراجع فلا يقتصّ منه لثبوت وجود المانع فيه- أعني: الأبوة- غير أنّه يحكم بالدية.
الصورة السادسة:لو ادّعياه ورجعا فقتلاه، فللوارث أن يقتصّ منهما بعد ردّ دية نفس عليهما، فإنّ حكمهما حكم من قتلا رجلًا، فللوارث أن يقتصّ منهما بعد ردّ دية نفسٍ عليهما.
الصورة السابعة:لو ادّعياه وقتلاه ولكن رجعا أو رجع أحدهما بعد القتل، فحكمه حكم الصورة السابقة، إذ لا فرق بين كون الرجوع قبل القتل كما في السابق أو بعد القتل كما في المقام.
الصورة الثامنة:لو ادّعياه وأصابت القرعة أحدهما ثم قتلاه ولكن رجع من خرجت باسمه القرعة، فيقتل الراجع سواء بقي الآخر على الدعوى أم لا، وذلك لتقدّم الإقرار على القرعة ولكن في تقدّم الإقرار على القرعة بعد حكم الحاكم بمفاد القرعة، تأمل خصوصاً بعد قول الرسول صلى الله عليه و آله و سلم: «إلّا خرج سهم المحقّ» ومعه يكون الحكم بقتل الراجع أمراً مشكلًا.
نعم يقتل الآخر إذا شارك مع الراجع في القتل.
المسألة 5. لو قتل رجل زوجته، يثبت القصاص عليه لولدها منه، على الأصحّ. وقيل: لا يملك أن يقتصّ من والده، وهو غير وجيه.^
^ في المسألة فروع ذكر المصنّف بعضها وترك البعض الآخر، ونحن نأتي بالجميع وهي:
الأوّل: قتل الرجل زوجته
لو قتل الرجل زوجته هل يقتصّ منه لولدها أو لا؟ فيه وجهان:
1. لا يثبت القود بالولد على والده بالأصالة، وكذا بالتبع والإرث، وهذا خيرة «المبسوط»، قال: رجل له زوجة وله منها ولد فقتل هذا الرجل زوجته، لم يرثها وورثها ولده ولم يرث القصاص من أبيه، لأنّه لو قتله أبوه لم يملك القصاص عليه.[1]
2. مقتضى القاعدة قصر الحكم على موضع اليقين وظاهر النص، وهو ما لو قتل الأب الابن، فإنّ أولياء الابن لايستحقون القصاص. فالمراد من قوله:
لايقاد بالولد الوالد هو قصاص الوالد بقتل الولد، لاقصاص الولد بقتل الأُم الذي ورث الابن حقّ قصاصها. قال في «المسالك»: إنّ الباء ظاهرة هنا في السببية ولايكون الولد سبباً للقود إلّامع كونه هو المقتول، وأمّا إذا كان المقتول مورّثه (الأُم) فذلك المقتول هو السبب دون الولد.
فإن قلت:إنّ استيفاء القصاص موقوف على مطالبة المستحق، فإذا---)
[1]. المبسوط: 7/ 10.
(--- كان هو الولد وطلب القصاص كان هو السبب في القود.
قلت:إنّ السبب الحقيقي هو قتل الزوجة، وإن شئت قلت: قتل أُمّه، غير أنّ طلب الولد طلب لإجراء ما ثبت لا لإيجاد الاستحقاق، ولذلك لوكان للزوجة المقتولة ولد من غير ذلك الزوج كان له الطلب والاستيفاء.
إنّ استيفاء القصاص بواسطة الولد سواء كان بالمباشرة أو بالتسبيب- أعني: طرح الدعوى وطلب القصاص- ينافي ما أمر به سبحانه من المصاحبة بالمعروف حتى ولو كانا كافرين. قال سبحانه:«وَ إِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَ صَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا»[1]، وبالنظر إلى الروايات- خصوصاً الروايات التي رواها الكليني في كتاب الإيمان والكفر باب البرّ بالوالدين- فإنّ مقتضى الجميع هو الخضوع للوالدين في عامّة الحالات وجاء في بعضها: «إن ضرباك فقل لهما: غفر الله لكما، فذلك منك قول كريم».[2]
فلو قلنا بعموم: «الحدود تدرأ بالشبهات» لهذا المقام أيضاً، كان وجه عدم القود على خلاف ما في المتن.
ومع ذلك فالذي يصدّنا عن الإفتاء بمفاد الضابطة صحيحة محمد بن مسلم، قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن رجل قذف ابنه بالزنا؟ قال: «لو قتله ما قتل به، وإن قذفه لم يجلد له» إلى أن قال: «وإن كان قال لابنه: يا ابن الزانية وأُمّه---)
[1]. لقمان: 15.
[2]. الكافي: 2/ 157- 163.
(--- ميّتة ولم يكن لها من يأخذ بحقّها منه إلّاولدها منه، فإنّه لايقام عليه الحدّ؛ لأنّ حق الحدّ قد صار لولده منها، فإن كان لها ولد من غيره فهو وليُّها يُجلد له ...».[1]
ومورد الرواية وإن كان هو حدّ القذف، لكن العبرة بعموم التعليل حيث قال: «إلّا ولدها منه فإنّه لا يقام عليه الحدّ».
الثاني: قذف الرجل زوجته
لو قذف الزوج زوجته وماتت الزوجة ولا وارث إلّاولده منها، فيقع الكلام في أنّه هل يثبت حدّ القذف لولده منها أو لا؟ وقد عرفت أنّ الحقّ هو الثاني لصحيحة محمد بن مسلم. نعم لو كان لها ولد من غيره فله القصاص في كلتا الصورتين: قتل الزوجة وقذفها- على كلا القولين- لكن بعد ردّ نصيب ولده من الدية وهو النصف، ثم استيفاء الحدّ.
الثالث: قتل أحد الولدين أباه ثم الولد الآخر أُمّه
لو كان للرجل من زوجة واحدة ولدان قتل أحدهما الأب والآخر الأُمّ، فلكلّ منهما على الآخر القود مختصّاً به؛ لعموم قوله سبحانه:«فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا»[2]، وللحاكم أن يقتل أحدهما ثمّ الآخر، ولو كان هناك تشاحّ في الاقتصاص مع اتحاد وقت الجناية، أقرع بينهما وقدّم في الاستيفاء من أخرجته القرعة، فلو بدر أحدهما واقتصّ قبل القرعة كان لورثة الآخر الاقتصاص منه.
[1]. الوسائل: 18، الباب 14 من أبواب حدّ القذف، الحديث 1.
[2]. الإسراء: 33.
الشرط الرابع والخامس: العقل والبلوغ، فلا يقتل المجنون؛ سواء قتل عاقلًا أو مجنوناً. نعم تثبت الدية على عاقلته، ولا يقتل الصبي بصبي ولا ببالغ وإن بلغ عشراً أو بلغ خمسة أشبار، فعمده خطأ حتى يبلغ حدّ الرجال في السن أو سائر الأمارات، والدية على عاقلته.^
^
الشرط الرابع: العقل
لو قتل مجنون عاقلًا أو مجنوناً مطبقاً كان أو أدوارياً، وكان القتل في زمان الجنون، لايقتل بل تثبت الدية على عاقلته؛ لأنّ عمده خطأٌ.
قال الشيخ في «الخلاف»: روى أصحابنا أنّ عمد الصبي والمجنون وخطأهما سواء، فعلى هذا يسقط القود عنهما والدية على العاقلة مخفّفة ...
وروي عن النبي صلى الله عليه و آله و سلم أنّه قال: «رفع القلم عن ثلاثة: أحدهم الصبي حتى يبلغ».[1]
وتدلّ عليه روايات:
1. روى محمد بن مسلم، عن أبي جعفر عليه السلام قال: «كان أمير المؤمنين عليه السلام يجعل جناية المعتوه على عاقلته، خطأ كان أو عمداً».[2]
2. وروى إسماعيل بن أبي زياد، عن أبي عبدالله عليه السلام أنّ محمد بن أبي بكر كتب إلى أمير المؤمنين عليه السلام يسأله عن رجل مجنون قتل رجلًا عمداً---)
[1]. الخلاف: 5/ 176، المسألة 39.
[2]. الوسائل: 19، الباب 11 من أبواب العاقلة، الحديث 1.
(--- فجعل الدية على قومه وجعل خطأه وعمده سواء.[1]
3. روى أبو البختري عن جعفر، عن أبيه، عن علي عليهم السلام أنّه كان يقول: «في المجنون والمعتوه الذي لايفيق والصبي الذي لم يبلغ، عمدهما خطأ تحمله العاقلة، وقد رفع عنهما القلم».[2]
4. روى بريد بن معاوية العجلي قال: سُئل أبو جعفر عليه السلام عن رجل قتل رجلًا عمداً فلم يُقم عليه الحدّ ولم تصح الشهادة عليه حتى خولط وذهب عقله، ثم إنّ قوماً آخرين شهدوا عليه بعدما خولط أنّه قتله؟ فقال: «إن شهدوا عليه أنّه قتله حين قتله وهو صحيح ليس به علّة من فساد عقل قُتل به، وإن لم يشهدوا عليه بذلك وكان له مال يُعرف دُفع إلى ورثة المقتول الدية من مال القاتل، وإن لم يكن له مال أُعطي الدية من بيت المال ولا يبطل دم امرئ مسلم».[3]قوله: «وإن لم يشهدوا عليه بذلك» يراد به: لم يشهدوا على أحد الأمرين أنّه قتله حين هو صحيح أو قتله حين هو مجنون، إذ على الأوّل يقتصّ منه وعلى الثاني على العاقلة، فبما أنّه لم يُعرف أحد الأمرين أفتى الإمام بكونه محكوماً بدفع الدية من ماله إذا كان له مال، وإلّا فمن بيت المال، وعلى ماذكرنا لاتكون الرواية مخالفة لما مرّ من كون ديته على العاقلة.---)
[1]. الوسائل: 19، الباب 11 من أبواب العاقلة، الحديث 5.
[2]. الوسائل: 19، الباب 36 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 2.
[3]. الوسائل: 19، الباب 29 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 1.
(---
الشرط الخامس: البلوغ
لا يقتل الصبي بقتل صبي ولا بالغ؛ لأنّ البلوغ شرط، فقد مضى كلام الشيخ في «الخلاف» حول المجنون والصبي.
ويدلّ عليه:
1. قول علي عليه السلام: «أما علمت أنّ القلم يرفع عن ثلاثة: عن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يفيق، وعن النائم حتى يستيقظ».[1]
2. صحيح ابن مسلم: «عمد الصبي وخطأه واحد».[2]
3. خبر إسحاق بن عمّار: «عمد الصبيان خطأ تحمله العاقلة». وفي نسخة: «يحمل على العاقلة».[3]
4. ومضت رواية أبي البختري وفيها: «... والصبي الذي لم يبلغ، عمدهما خطأ تحمله العاقلة، وقد رفع عنهما القلم».[4]
وهذه الروايات تركّز على شرطية البلوغ غير أنّ المشهور أنّ بلوغ الصبي بإتمام خمس عشرة سنة، إلّاأنّه قد وردت في المقام روايات تخالف الضابطة التي ذكرناها و إليك دراستها:
أ. يقتصّ من الصبي إذا بلغ عشراً.---)
[1]. الوسائل: 1، الباب 4 من أبواب مقدّمة العبادات، الحديث 11.
[2]. الوسائل: 19، الباب 11 من أبواب العاقلة، الحديث 2.
[3]. الوسائل: 19، الباب 11 من أبواب العاقلة، الحديث 3.
[4]. الوسائل: 19، الباب 36 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 2.
(--- روى أبو بصير عن الباقر عليه السلام أنّه سُئل عن غلام لم يدرك وامرأةٍ قتلا رجلًا خطأ، قال: «إنّ خطأ المرأة والغلام عمد، فإن أحب أولياء المقتول أن يقتلوهما قتلوهما».[1]
يقول العلّامة المجلسي في دراسة الحديث: لا يخفى مخالفته للمشهور، بل للإجماع، ويحتمل أن يكون المراد بخطئهما ما صدر عنهما لنقصان عقلهما لا الخطأ المصطلح، فالمراد بغلام لم يُدرك، شاب لم يبلغ كمال العقل مع كونه بالغاً.[2]
وقال الشيخ الطوسي حول الخبر: هذا مخالف لقول اللَّه، لأنّ اللَّه تعالى حكم في قتل الخطأ الدية دون القود، ولا يجوز أن يكون الخطأ عمداً، كما لا يجوز أن يكون العمد خطأ إلّافيمن ليس بمكلّف، ثمّ ذكر ما ذكره العلّامة المجلسي بأنّ المراد: لم يدرك حدّ الكمال.[3]
ولذلك حملها الشيخ على بلوغ الغلام عشر سنين أو خمسة أشبار، وهو حمل بلا دليل.
ب. يقتص من الصبي إذا بلغ ثماني سنين.
روى الحسن بن راشد عن العسكري عليه السلام قال: «إذا بلغ الغلام ثماني سنين فجائز أمره في ماله، وقد وجبت عليه الفرائض والحدود».[4]---)
[1]. الوسائل: 19، الباب 34 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 1.
[2]. مرآة العقول: 24/ 64.
[3]. التهذيب: 10/ 243.
[4]. الوسائل: 13، الباب 15 من أبواب أحكام الوقوف والصدقات، الحديث 4.