(--- روى أبو بصير عن الباقر عليه السلام أنّه سُئل عن غلام لم يدرك وامرأةٍ قتلا رجلًا خطأ، قال: «إنّ خطأ المرأة والغلام عمد، فإن أحب أولياء المقتول أن يقتلوهما قتلوهما».[1]
يقول العلّامة المجلسي في دراسة الحديث: لا يخفى مخالفته للمشهور، بل للإجماع، ويحتمل أن يكون المراد بخطئهما ما صدر عنهما لنقصان عقلهما لا الخطأ المصطلح، فالمراد بغلام لم يُدرك، شاب لم يبلغ كمال العقل مع كونه بالغاً.[2]
وقال الشيخ الطوسي حول الخبر: هذا مخالف لقول اللَّه، لأنّ اللَّه تعالى حكم في قتل الخطأ الدية دون القود، ولا يجوز أن يكون الخطأ عمداً، كما لا يجوز أن يكون العمد خطأ إلّافيمن ليس بمكلّف، ثمّ ذكر ما ذكره العلّامة المجلسي بأنّ المراد: لم يدرك حدّ الكمال.[3]
ولذلك حملها الشيخ على بلوغ الغلام عشر سنين أو خمسة أشبار، وهو حمل بلا دليل.
ب. يقتص من الصبي إذا بلغ ثماني سنين.
روى الحسن بن راشد عن العسكري عليه السلام قال: «إذا بلغ الغلام ثماني سنين فجائز أمره في ماله، وقد وجبت عليه الفرائض والحدود».[4]---)
[1]. الوسائل: 19، الباب 34 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 1.
[2]. مرآة العقول: 24/ 64.
[3]. التهذيب: 10/ 243.
[4]. الوسائل: 13، الباب 15 من أبواب أحكام الوقوف والصدقات، الحديث 4.
(--- ج: يقتص من الصبي إذا بلغ خمسة أشبار.
روى السكوني عن أبي عبدالله عليه السلام أنّه قال: «قال أمير المؤمنين عليه السلام في رجل وغلام اشتركا في قتل رجل فقتلاه، فقال أمير المؤمنين عليه السلام: إذا بلغ الغلام خمسة أشبار اقتصّ منه، وإذا لم يكن يبلغ خمسة أشبار قضي بالدية».[1]
وقد أفتى المفيد ببعض هذه الروايات، فقال: والصبي إذا قتل كانت الدية على عاقلته؛ لأنّ خطأه وعمده سواء، فإذا بلغ الصبي خمسة أشبار اقتصّ منه.[2]
وتبعه الشيخ في «النهاية»، قال: وإذا قتل الصبي رجلًا متعمّداً كان عمده وخطأه واحداً، فإنّه يجب فيه الدية على عاقلته إلى أن يبلغ عشر سنين أو خمسة أشبار.[3]
والحق أنّ هذه الروايات شاذّة لاتقاوم ماذكرناه، رواية وفتوى، ولذلك نرى أنّ المحقّق يشير إلى تلك الروايات بقوله: وفي رواية يقتص من الصبي إذا بلغ عشراً، وفي أُخرى: إذا بلغ خمسة أشبار، وتقام عليه الحدود- ومع ذلك قال:- والوجه أنّ عمد الصبي خطأ محض يلزم أرشهُ العاقلة حتى يبلغ خمس عشرة سنة.[4]---)
[1]. الوسائل: 19، الباب 36 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 1.
[2]. المقنعة: 748.
[3]. النهاية: 761.
[4]. شرائع الإسلام: 4/ 215.
كلام للمحقّق الأردبيلي حول هذه الروايات
إنّ المحقّق الأردبيلي استقوى في بدء كلامه شرطية البلوغ في القصاص وقال ما هذا حاصله: إنّ قوله سبحانه:«النَّفْسَ بِالنَّفْسِ»وكذا قوله:«الْحُرُّ بِالْحُرِّ»وكذا قوله:«وَ لَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ»وإن كان يدفع شرطية البلوغ، إلّا أنّ القرآن يخصّص بالخبر الواحد والإجماع، وقد عرفت وجود الخبر الواحد والاجماع على شرطية البلوغ.
إلى هنا أظهر موافقته للمشهور ولكنّه تأمّل فيما بعد، وحاصل كلامه: أنّ القرآن يخصّص بالخبر الواحد، وكذا الإجماع بشرط أن يكونا نصّين في موردهما، مثل قوله: «لا ربا بين الزوج والزوجة» بالنسبة إلى قوله تعالى:«وَحَرَّمَ الرِّبَا»[1]، ولكنّ الأمر فيما نحن فيه ليس كذلك، فإن الثابت: رفع القلم عامّاً، وهو قابل للتخصيص بغير القصاص.
وحاصل كلامه: أنّه يجب العمل على خلاف ما ذكروه فيجب تخصيص الخبر الواحد- أعني: رفع القلم- بقوله تعالى:«النَّفْسَ بِالنَّفْسِ».
ثم أضاف وقال: على أنّه قد يقال: ليس القصاص من باب القلم، فإنّ المتبادر منه التكليف، فيحتمل أن يكون فعلهما موجباً للقصاص مع رفع القلم عنهما، كما يثبت به ضمان المتلفات (إذا أتلف الصبيّ) والدية فيما يوجب الدية، يمكن أن يوجب القصاص إن كان عمداً.[2]---)
[1]. البقرة: 275.
[2]. مجمع الفائدة والبرهان: 14/ 6. أي يكون القصاص حكماً وضعيّاً غير مرفوع بالرواية كما في نظائره.
(---يلاحظ عليه: أوّلًا:أنّه كيف يمكن تخصيص حديث الرفع بآية النفس، مع أنّ حديث رفع القلم آبٍ عن التخصيص، وما ذلك إلّالوجود أرضية تقتضي رفع القلم عن الثلاثة في عامّة الموارد، فكيف يمكن أن يقال: «رفع القلم عن الثلاثة» إلّافي مورد القصاص؟
وثانياً:أنّ ما ذكره من أنّ القصاص ليس من مقولة التكليف، بل من مقولة شبيه بضمان الصبيّ المال الّذي أتلفه، غير تامّ، لأنّ ضمان الصبيّ يفارق الاقتصاص منه، فإنّ المال يمكن أن يعوّض دون النفس.
المسألة 1. لو قتل عاقل ثمّ خولط وذهب عقله، لم يسقط عنه القود؛ سواء ثبت القتل بالبيّنة، أو بإقراره حال صحّته.^
^لو قتل عاقل ثم ذهب عقله فهل يسقط عنه القود؟
لو قتل عاقل ثم خولط وذهب عقله فهل يجري عليه القصاص، أولا؟
اتّفقت كلمة فقهائنا على عدم السقوط، ويدلّ عليه خبر بريد العجلي قال: سُئل أبو جعفر عليه السلام عن رجل قتل رجلًا عمداً فلم يُقم عليه الحدّ ولم تصح الشهادة عليه حتّى خولط وذهب عقله، ثمّ إنّ قوماً آخرين شهدوا عليه بعد ما خولط أنّه قتله؟ فقال: «إن شهدوا عليه أنّه قتله حين قتله وهو صحيح ليس به علّة من فساد عقل، قتل به ...».[1]
وفي «المسالك»: ومن وجب عليه القصاص ثم جنّ استوفي منه القصاص، سواء ثبت موجب القصاص بإقراره أم بالبيّنة، خلافاً لبعض العامّة حيث منع من الاقتصاص منه في المجنون مطلقاً، ولبعض آخر حيث فصّل فقال: إن جنّ حين قدّم للقصاص اقتصّ منه، وإن جنّ قبله لم يقتص. ويضعّف بأنّه حقّ وجب عليه حال تكليفه، فلا يسقط باعتراض الجنون كغيره من الحقوق، ولأصالة بقاء الحقّ.[2]
[1]. الوسائل: 19، الباب 29 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 1.
[2]. مسالك الأفهام: 15/ 162.
المسألة 2. لا يشترط الرشد بالمعنى المعهود في القصاص، فلو قتل بالغ غير رشيد فعليه القود.^
^ما هو المراد بالرشد؟
المراد من الرشد هو خلاف السفه الذي لايُعتدّ بمعاملاته وهباته، لقوله سبحانه:«فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ».[1]
ومن المعلوم أنّه شرط في نفوذ عقوده، ولم ينقل الخلاف إلّاعن العلّامة، ومع ذلك فكلامه مختلف، ففي مورد يقول: والأقرب أنّ عمده خطأ محض يلزم العاقلة أرش جنايته حتى يبلغ خمس عشرة سنة، إن كان ذكراً، وتسعاً إن كان أُنثى بشرط الرشد فيهما.[2]
وفي موضع آخر يقول: والسفيه والمفلّس كالبالغ في استيفاء القصاص وعفوه، وكالصبي في اسقاط الدية.[3]ولكن العبارة الأخيرة ناظرة إلى استيفاء القصاص وعفوه لا الاقتصاص منه، وعلى كلّ تقدير فلا وجه لهذا الشرط بعد إطلاق الروايات.
[1]. النساء: 6.
[2]. تحرير الأحكام: 5/ 464، المسألة 7059. لا يجوز لهما إسقاط الدية؛ لأنّه أمر مالي لا يجوز لهما التصرّف فيه كالصبي.
[3]. تحرير الأحكام: 5/ 501، المسألة 7139.
المسألة 3. لو اختلف الوليّ والجاني بعد بلوغه أو بعد إفاقته، فقال الولي: قتلته حال بلوغك أو عقلك، فأنكره الجاني، فالقول قول الجاني بيمينه، ولكن تثبت الدية في مالهما بإقرارهما لا العاقلة، من غير فرق بين الجهل بتاريخهما أو بتاريخ أحدهما دون الآخر. هذا في فرض الاختلاف في البلوغ، وأمّا في الاختلاف في عروض الجنون، فيمكن الفرق بين ما إذا كان القتل معلوم التاريخ، وشكّ في تاريخ عروض الجنون، فالقول قول الولي، وبين سائر الصور فالقول قول الجاني؛ ولو لم يعهد للقاتل حال جنون، فالظاهر أنّ القول قول الولي أيضاً.^
^ في المسألة فروع أربعة:
الأوّل: اختلاف الولي والجاني في بلوغ الجاني عند جنايته
فلو قال الجاني بعد بلوغه: قتلت وأنا غير بالغ.
وادّعى الولي أنّه جنى وهو بالغ، وعندئذ فهنا صور ثلاث:
1. إمّا أن يكون كُلٌّ من تاريخ البلوغ والقتل مجهولين.
2. أن يكون البلوغ مجهول التاريخ والقتل معلومه.
3. أن يكون البلوغ معلوم التاريخ والقتل مجهوله.
وهنا يقع الكلام في جميع الصور في مقامين:
1. حكم القصاص، هل يقتص أو لا؟
2. حكم الدية إذا لم نقل بالقصاص.---)
(---
المقام الأوّل: حكم القصاص
الصورة الأُولى:إذا كان كلّ من البلوغ والقتل مجهولي التاريخ، ومن المعلوم أنّه لا يمكن التمسّك لا بالدليل العام- أعني قوله تعالى:«النَّفْسَ بِالنَّفْسِ»- ولا بمخصّصه «إلّا الصبي والمجنون» لأنّه من قبيل التمسّك بالعام أو المخصّص في الشبهة المصداقية. فتصل النوبة إلى الاستصحاب، والأصلان متعارضان، فأصالة عدم البلوغ إلى زمان القتل الذي يلازم عقلًا عدم الضمان معارض لاستصحاب عدم القتل إلى زمان البلوغ الذي يلازم عقلًا القصاص، فالأصلان متعارضان فضلًا عن أنّهما بالنسبة إلى كلا الأثرين: عدم القصاص والقصاص مثبتان.
الصورة الثانية:إذا كان البلوغ مجهول التاريخ والقتل معلومه، فمن المعلوم أنّ الأصل لا يجري في معلوم التاريخ لعدم وجود الجهل فيه بالذات، وكونه مجهولًا من حيث التقدّم والتأخّر على البلوغ، غير كاف لجريان الاستصحاب، فإنّ المصحّح لجريان الاستصحاب كون الشيء مجهولًا من حيث الزمان والبقاء، لا مجهولًا بالنسبة إلى الآخر، فتصل النوبة إلى الأصل الآخر أعني مجهول التاريخ.
فنقول: إذا عُلم بحدوث القتل في يوم السبت، وشُكّ في حدوث البلوغ وأنّه هل حدث قبل يوم السبت فيقتص من القاتل، أو بعده فلا يقتص منه فيقال: أصالة عدم حدوث البلوغ إلى يوم السبت، وهذا (أي إحراز عدم شرط القصاص إلى زمان القتل) كافٍ في الحكم بعدم القصاص، لأنّ---)