(---فإن قلت:استصحاب بقاء العقل أو عدم الجنون إلى زمان القتل لايثبت وقوع القتل فيهما.
قلت:لو عُدّ مثل هذا الأصل مثبتاً لبطلت أكثر الاستصحابات، مثلًا:
لوشكّ في بقاء الوضوء وصلّى، فإنّ استصحاب الطهارة لايثبت وقوع الصلاة في الطهارة.
وأمّا الصورتان الأخيرتان، أعني:
1. إذا كان كلّ من عروض الجنون ووقوع القتل مجهولي التاريخ، فالأصلان يتعارضان ويتساقطان، فتكون النتيجة عدم إحراز شرط القصاص وهو العقل حال الجناية، فيقدّم قول الجاني.
2. إذا كان تاريخ القتل مجهولًا وتاريخ عروض الجنون معلوماً، فالأصل لايجري في معلوم التاريخ، وإنّما يجري في مجهوله، فأصالة عدم وقوع القتل إلى زمان عروض الجنون تكفي في عدم ثبوت القصاص لعدم إحراز سبب القصاص، أعني: القتل قبل زمان الجنون.
الفرع الرابع: لو لم يعهد للقاتل حال الجنون
وهو ما أشار إليه بقوله: ولو لم يعهد للقاتل حال جنون، فالظاهر أنّ القول قول الولي أيضاً.وتوضيحه:هو أنّ الجاني يدّعي أنّه قتله وهو مجنون، والولي يدّعي أنّه قتله وهو عاقل، وبتعبير آخر: يختلفان في أصل الجنون وعدمه، ومن المعلوم أنّه يقدّم قول الولي؛ لأنّ الأصل في الإنسان هو السلامة، كما هو الحال في سائر الأحكام، فمن يدّعي الخلاف يجب عليه إثباته.
المسألة 4. لو ادّعى الجاني صغره فعلًا وكان ممكناً في حقّه، فإن أمكن إثبات بلوغه فهو، وإلّا فالقول قوله بلا يمين، ولا أثر لإقراره بالقتل، إلّا بعد زمان العلم ببلوغه وبقائه على الإقرار به.^
^لو ادّعى الجاني صغره فعلًا والولي يدّعي بلوغه
الفرق بين هذه المسألة والمسألة المتقدّمة واضح، وهو أنّ اختلاف الولي والجاني فيما تقدّم بعد بلوغ الجاني أو إفاقته، فحينئذ يدّعي الجاني:
فعلته وأنا غير بالغ، ويدّعي الولي أنه فعله وهو بالغ؛ وأمّا المقام فإنّ الجاني ادّعى صغره فعلًا، وبالتالي يكون فعله قبل البلوغ، ويدّعي الولي بلوغه في هذا الحال.
إذا علمت ذلك فاعلم أنّ هنا صورتين:
الأُولى:إذا أمكن أن يثبت الولي بلوغ الجاني بأحد الوجوه، إمّا بإقامة البيّنة على تاريخ ولادته، ومضي خمس عشرة سنة منها أو إثباته بأحد العلائم، فعندئذٍ يقدّم قول الولي لقيام البيّنة، ويدخل المورد في المسألة السابقة وتأتي فيها الصور الثلاث.
الصورة الثانية:إذا لم يتمكّن الولي من إثبات بلوغ الجاني، فيقدّم قول الجاني بلا يمين، أمّا التقديم فلأجل الاستصحاب- أي استصحاب القاضي أو غيره- وأمّا عدم الحاجة إلى اليمين فلأنّه من وظائف البالغ، والمفروض أنّه لم يحرز بلوغه، فكيف يكلّف به؟! بل أنّه يلزم التعارض؛ لأنّ اليمين دليل---)
(--- كونه بالغاً مع أنّ المحلوف عليه كونه غير بالغ، فكيف يجتمعان؟
ثمّ إنّه ينتظر إلى أن يبلغ إذ لا أثر لإقراره بالقتل وهو غير بالغ، فإن بلغ وأقرّ بالقتل حين الصبا تتعلّق به الدية لكن في ماله لا في مال العاقلة، لما ذكرنا من اختصاص تعلّق الدية بالعاقلة في حال ثبوت الجناية بالبيّنة.
المسألة 5. لو قتل البالغ الصبي قُتل به على الأشبه، وإن كان الاحتياط أن لا يختار ولي المقتول قتله، بل يصالح عنه بالدية، ولا يقتل العاقل بالمجنون وإن كان أدواريّاً مع كون القتل حال جنونه، وتثبت الدية على القاتل إن كان عمداً أو شبهه، وعلى العاقلة إن كان خطأً محضاً، ولو كان المجنون أراده فدفعه عن نفسه فلا شيء عليه من قود ولا دية، ويعطى ورثته الدية من بيت مال المسلمين.^
^ في المسألة فروع نشير إلى عناوينها:
1. إذا قتل البالغُ الصبيَّ.
2. إذا قتل البالغُ العاقلُ المجنونَ.
3. إذا أراد المجنونُ قتل العاقلِ، فقتله دفاعاً.
أمّا الفرع الأوّل: إذا قتل البالغُ الصبيَ
فالمشهور أنه يقتل به، قال العلّامة: لو قتل البالغُ الصبيَّ قُتل به على الأصحّ، سواء أكان الصبي مميّزاً أو غير مميّز إن كان القتل عمداً، وإن كان شبيه عمد فالدية كاملة في مال الجاني، وإن كان خطأ فالدية على العاقلة.[1]وقد نزّل الصبي- إذا قُتِل- منزلة البالغ في عامّة الأحكام.
وقال في «المسالك»: القول بقتل البالغ بالصبي مذهب أكثر---)
[1]. تحرير الأحكام: 5/ 464، المسألة 7062.
(--- الأصحاب، بل هو المذهب لعموم الأدلّة المتناولة له، وخالف في ذلك أبو الصلاح،[1]فألحقه بالمجنون في إثبات الدية بقتله عمداً مطلقاً لاشتراكهما في نقصان العقل.[2]
أقول:إنّ مقتضى القاعدة هو ماذكره المشهور لقوله سبحانه:«النَّفْسَ بِالنَّفْسِ»دون أن يقيّد بالبلوغ، والمجنون خرج بالدليل كما سيوافيك.
ويؤيّد القود ما رواه الشيخ بإسناده عن ابن فضّال عن بعض أصحابه، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: «كلّ من قتل شيئاً صغيراً أو كبيراً بعد أن يتعمّد فعليه القود».[3]
ونوقش بالإرسال في السند لقوله: عن بعض أصحابه. ويمكن الذب عنه بنقل الصدوق حيث نقله بإسناده عن عبداللَّه بن بكير عن أبي عبد اللَّه عليه السلام بالنحو التالي: قال: قال أبو عبدالله عليه السلام: «كلّ من قتل بشيء صغر أو كبر بعد أن يتعمّد فعليه القود».[4]
وسند الصدوق إلى عبد الله بن بكير صحيح في المشيخة، قال قدس سره: وما كان فيه عن عبد الله بن بكير فقد رويته عن أبي رحمه الله، عن عبد الله بن جعفر الحميري، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحسن بن علي بن فضّال، عن عبد الله بن بكير. والتلميذ (الحسن بن علي) والأُستاذ (عبد الله بن---)
[1]. الكافي في الفقه: 384.
[2]. مسالك الأفهام: 15/ 164.
[3]. الوسائل: 19، الباب 31 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 4.
[4]. الفقيه: 4/ 83، باب القود ومبلغ الدية، الحديث 28.
(--- بكير) فطحيان ثقتان.[1]
فلم يبق إلّاالاختلاف البسيط بين النقلين والظاهر أنّ «بشيء» مصحّف «شيئاً»، كما أنّ «صغر أو كبر» مصحف «صغيراً أو كبيراً».
ومع ذلك ففي الاستناد على المرسلة اعتماداً على ما نقله الصدوق مسنداً، إشكال؛ وذلك لأنّ الوارد في المسند قوله: «كلّ من قتل بشيء صغر أو كَبُر بعد أن يتعمّد فعليه القود»، فإنّ الظاهر أنّ الحديث بصدد بيان أمر آخر، وهو عدم العبرة بصغر الآلة وكبرها، فمن قتل بآلة من غير فرق بين كونها صغيرة أو كبيرة يقتصّ منه، وأين هذا ممّا نحن فيه؟
واحتمال أنّ قوله: «بشيء» مصحّف «شيئاً»، بعيد أيضاً، إذ لا وجه للعدول من لفظ «الإنسان» إلى لفظ «شيئاً»، واحتمال أنّ «شيئاً» مصحّف «نفساً» يبعّده تذكير الفعلين- أعني: صغر أو كبر- فإنّ النفس مؤنث سماعي يسند إليه الفعل بالتأنيث.
كلّ ذلك يكون سبباً للاحتياط الذي أشار إليه المصنّف في المتن.
وبذلك ظهر أنّ القول بالقصاص مطابق للقواعد العامّة والرواية.
ثمّ إنّ المصنّف احتاط بعدم اختيار الولي القصاص، بل يصالح بالدية.
وجهه: ما يأتي في قتل المجنون حيث ورد فيه قوله:«فلا قود لمن لا يقاد منه»فبما أنّ الصبي لا يقاد منه- لو قتل- فلا قود له، وسيوافيك وجه العدول---)
[1]. لاحظ: مشيخة الفقيه: 4/ 13، آخر الكتاب.
(--- عن الضابطة.
نعم سيأتي في الفرع الثاني ما في رواية أبي بصير التي تصلح أن تكون دليلًا للحلبي، واحتياط المتن بالمصالحة بالدية، فانتظر.
الفرع الثاني: إذا قتل العاقلُ المجنونَ
وله صورتان:
الأُولى: إذا قتل المجنون دون أن يهاجمه
فالمشهور فيها عدم القصاص، على خلاف ماسبق في قتل الصغير، ووصفه في «الجواهر» بقوله: بلاخلاف أجده فيه، كما عن الغنية وغيرها، الاعتراف به، بل في «كشف اللثام» نسبته إلى قطع الأصحاب، بل عن «كشف الرموز» الإجماع عليه، وهو الحجّة بعد الرواية.[1]
قال العلّامة: كما يعتبر العقل في طرف القاتل كذا يعتبر في طرف المقتول، فلو قتل العاقل مجنوناً لم يقتل به، وتثبت الدية على القاتل إن كان عمداً وشبه العمد، وإن كان خطأ فالدية على العاقلة.[2]
ويدلّ عليه صحيحة أبي بصير (يعني المرادي) قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن رجل قتل رجلًا مجنوناً، فقال: «إن كان المجنون أراده فدفعه عن نفسه فلا شيء عليه من قود ولادية، ويعطى ورثته ديته من بيت مال المسلمين، قال:---)
[1]. جواهر الكلام: 42/ 184.
[2]. تحرير الأحكام: 5/ 464، المسألة 7061.
(--- وإن كان قتله من غير أن يكون المجنون أراده فلا قود لمن لايقاد منه، وأرى أنّ على قاتله الدية في ماله يدفعها إلى ورثة المجنون، ويستغفر اللَّه ويتوب إليه».[1]
والشاهد في قوله: «وإن كان قتله من غير أن يكون المجنون أراده، فلا قود لمن لايقاد منه».
فإن قلت:التعليل الوارد في الرواية: «فلا قود لمن لا يقاد منه» يقتضي أن لايقاد من قاتل الصبي؛ لأنّ الصبي لايقاد منه، فقاتله مثله، ولذلك ذهب أبو الصلاح في الفرع السابق إلى عدم القصاص.
قلت:إن قوله:«فلا قود لمن لا يقاد منه»ضابطة كليّة، فلا مانع من أن تخرج عنها صورة واحدة، أعني: إذا قتل البالغُ الصبيَّ.
وإن شئت قلت:إنّ رواية ابن فضّال صريحة في موردها والضابطة ظاهرة في موردها، فالنصّ يقدّم على الظاهر. ومع ذلك فقد عرفت الإشكال في الاعتماد على رواية ابن فضّال، ولذلك قوّينا جانب الاحتياط إلّاإذا ثبت الإجماع على الخلاف.
الصورة الثانية: إذا قتل العاقل المجنون دفاعاً عن نفسه فيما لو أراده
فقد مرّ عليك ما في رواية أبي بصير أنّه قال: «إن كان المجنون أراده فدفعه عن نفسه فلا شيء عليه من قود ولادية، ويعطى ورثته ديته من بيت---)
[1]. الوسائل: 19، الباب 28 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 1.