(---قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ»،[1]لكن إذا قصد القتل يُحسب عمداً.
القتل شبه العمد
إذا قصد الضرب دون القتل ولم تكن الآلة قاتلة، لكن ترتّب عليه القتل، كما لو ضربه بحصاة أو عود خفيف، قال المحقّق: فيه روايتان أشهرهما أنّه ليس بعمد.
فلندرس الموضوع على ضوء القاعدة والرواية. أمّا الأُولى فاحتمل صاحب الجواهر:
أوّلًا:عدم صدق العمد، فإنّه مع عدم القصد إليه، ولا إلى فعل ما يحصل به القتل غالباً، لا يصدق العمد عليه، بل لا يقال قتله متعمّداً أي إلى قتله، ثم عدل عن ذلك، وقال:
المتّجه فيه القصاص، لصدق القتل عمداً على معنى حصوله على جهة القصد إلى الفعل عدواناً الّذي حصل به القتل وإن كان ممّا يقتل نادراً، إذ ليس في شيء من الأدلّة العمد إلى القتل، بل ولا العرف يساعد عليه، فإنّه لا ريب في صدق القتل عمداً على مَنْ ضرب رجلًا عادياً غير قاصد للقتل، أو قاصداً عدمه فاتّفق ترتّب القتل على ضربه العادي منه المتعمّد له.[2]
يلاحظ عليه:أنّ الكلام في أنّ القتل فعل اختياري له أو لا؟ الظاهر لا، لأنّ الفعل الاختياري هو الصادر عن الإنسان عن وعي وشعور وإرادة، والمفروض أنّه لم يُرد سوى الضرب لكن ترتّب عليه القتل قهراً---)
[1]. القصص: 15.
[2]. جواهر الكلام: 42/ 17- 18.
(--- واضطراراً، فهو بالنسبة إلى الضرب فاعل قاصد، وأمّا بالنسبة إلى القتل فهو فاعل غير قاصد.
وإن شئت قلت: إنّ كلا الأمرين: (الضرب والقتل) فعلان له، لكن أحدهما موصوف بالاختيار دون الآخر، والعمد فرع الاختيار. وما أفاد من الضابطة من صدق القتل عمداً بمجرّد كونه قاصداً إلى الفعل عدواناً الّذي حصل به القتل مجرّد ادّعاء، فلو دخل بستان الغير عدواناً للانتفاع بثماره واغتمّ صاحبه ومات، لا يقال انّه قتله عمداً.
وقد مرّ أنّ المحقّق قال فيه روايتان، أي طائفتان، فلندرسهما.
الأُولى: ما يدلّ على أنّه ليس بعمد:
1. صحيحة أبي العباس، عن أبي عبد اللَّه عليه السلام قال: قلت له: أرمي الرجل بالشيء الذي لا يقتل مثله، قال: «هذا خطأ»، ثم أخذ حصاة صغيرة فرمى بها.[1]فإنّ الرمي بما لا يقتل يلازم عدم قصد القتل.
2. رواية يونس، عن بعض أصحابه، عن أبي عبد اللَّه عليه السلام قال: «إن ضرب رجل رجلًا بعصا أو بحجر فمات من ضربة واحدة قبل أن يتكلم فهو يشبه العمد، فالدية على القاتل؛ وإن علاه وألحّ عليه بالعصا أو بالحجارة حتى يقتله، فهو عمد يقتل به؛ وإن ضربه ضربة واحدة فتكلّم ثم مكث يوماً أو أكثر من يوم فهو شبه العمد».[2]---)
[1]. الوسائل: 19، الباب 11 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 7.
[2]. الوسائل: 19، الباب 11 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 5.
(--- فإنّ قوله: «وإن علاه وألحّ عليه بالعصا» يدلّ على أنّه قصد القتل وإن بلغ ما بلغ، بخلاف ما قبله وما بعده، فإنّ مقتضى التقابل عدم كونه قاصداً للقتل.
الثانية: ما يدلّ على أنّه عمد:
1. رواية أبي بصير، عن أبي عبد اللَّه عليه السلام قال: «لو أنّ رجلًا ضرب رجلًا بخزفة أو بآجرة أو بعود فمات كان عمداً»[1].
2. رواية جميل بن دراج، عن بعض أصحابنا، عن أحدهما عليهما السلام، قال:
«قتل العمد كلّ ما عُمد به الضرب فعليه القود».[2]
ولا يخفى وجود الضعف فيما دلّ على القصاص؛ لأنّ في سند الأُولى علي بن أبي حمزة، وفي سند الثانية إرسال.
ولعلّ من هذه الطائفة ما مرّ من صحيحة الحلبي حيث عبّر: «بوكزة».
والترجيح مع الطائفة الثانية لأنّها أشهر وأوفق بالاحتياط.
القتل الخطأ المحض
وهو عبارة عمّا إذا قصد شيئاً فأصاب غيره، ففي صحيح أبي العباس، قلت: أرمي الشاة فأُصيب رجلًا؟ قال: «هذا الخطأ الذي لا شكّ فيه».[3]
إلى هنا تمّت دراسة تعريف الأقسام الثلاثة للقتل العمد وشبه العمد والخطأ. وقد اقتصر الأُستاذ الكلام حيث لم يُعّرف شبه العمد ولا الخطأ المحض لعدم تعلّق القصاص بهما، وأحال ذلك إلى كتاب الديات.
[1]. الوسائل: 19، الباب 11 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 8.
[2]. الوسائل: 19، الباب 11 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 6.
[3]. الوسائل: 19، الباب 11 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 7.
المسألة 2. العمد قد يكون مباشرة، كالذبح والخنق باليد والضرب بالسيف والسكّين والحجر الغامز والجرح في المقتل، ونحوها ممّا يصدر بفعله المباشري عرفاً ففيه القود. وقد يكون بالتسبيب بنحو، وفيه صور نذكرها في ضمن المسائل الآتية.^
^القتل العمد بالمباشرة والتسبيب
قد عرفت أنّ الموضوع للقصاص هو القتل عن عمد، قال سبحانه:«وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَ غَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ وَ لَعَنَهُ وَ أَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيًما»[1].
فإن قلت:لا صلة للآية بالقصاص فإنّ مفادها، ترتّب العقاب.
قلت:القتل عن عمد يساوق القتل مظلوماً، فقد دلّ قوله:«وَ مَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا»[2]على القصاص. فالقتل عن عمد بفضل الآية الثانية موضوع للقصاص، مضافاً إلى رواية جميل الّتي تقدّمت.
فلابدّ من ثبوت كون فعله معنوناً بهذا العنوان بأحد الطرق الثلاثة:
1. إمّا أن يباشر القتل بنفسه بلا استعانةٍ بالأسباب، كالذبح والخنق وسقي السم القاتل.
2. أن يقوم به بتسبيب من الأسباب، كما لو رماه بسهم مسموم.---)
[1]. النساء: 93.
[2]. الإسراء: 33.
(--- 3. أن يوجد شرطاً للقتل، كما لو حفر بئراً فوقع فيه أحد بدفع الآخر.
ثم إنّ الفرق بين القتل بالمباشرة والقتل بالتسبيب يحتاج إلى دقّة، وقد عدّ المصنّف الضرب بالسيف من أقسام المباشرة، وفي الوقت نفسه عدّ في المسألة الثالثة الرمي بالسهم أو بالبندقية من التسبيب، مع أنّ التفريق بينهما مشكل. ويمكن التفريق بوجهين:
1. لا يتوسّط في الأوّل بين فعله والتأثير في المقتول زمان، بخلاف الرمي بالسهم أو بالبندقية، خصوصاً إذا وصفنا السهم بالسمّ، وأمّا البندقية فتوجد جرحاً موجباً للسراية المولّدة للموت، فأقرب العلل إلى الزهوق هو القتل بالمباشرة، وغيره هو القتل بالتسبيب.
2. أنّ القاتل في الضرب بالسيف يباشر بيده في إماتة الرجل، بخلاف الأخيرين فإنّه يرسل السهم ويتخلّى عن الأمر والسهم يعمل عمله بلا مباشرة الرامي.
ثم إنّ تقسيم العمد إلى مباشري وتسبيبي أمر لا طائل تحته، إذ لم يرد في السنّة هذان العنوانان، وإنّما الموجود هو القتل عن عمد، فالميزان هو صدق القتل عمداً، سواء أكان مباشرياً أم تسبيبياً أو مستنداً إليه بنحو ضعيف كإيجاد الشرط، كحفر البئر الّذي وقع فيها الغير بدفع ثالث، وأمّا إذا حفر في طريقه أو استطرقه إلى ذلك فهو داخل في التسبيب.---)
(---
في أقسام التسبيب
ثم إنّ المصنّف ذكر للتسبيب أقساماً:
الأوّل: انفراد الجاني بالتسبيب المتلف
وقد بدأ ببيانه من المسألة الثالثة إلى المسألة الخامسة عشرة.
الثاني: أن ينضم إليه مباشرة المجني عليه كما لو قدّم طعاماً مسموماً
وبدأ ببيانه من المسألة السادسة عشرة إلى المسألة الثالثة والعشرين.
الثالث: أن ينضم إليه مباشرة حيوان كما لو ألقاه في البحر فالتقمه حوت
وقد بدأ ببيانه من المسألة الرابعة والعشرين إلى المسألة الحادية والثلاثين.
الرابع: أن ينضم إليه مباشرة إنسان آخر كما لو حفر بئراً فوقع فيه أحد بدفع الآخر
وبدأ ببيانه من المسألة الثانية والثلاثين إلى آخر الفصل.
وهذه المراتب الأربع للتسبيب، ولكل مرتبة أمثلة.
ولكنّك عرفت أنّ المهم هو إثبات عنوان العمد، ولا تأثير لكون الفعل صادراً عنه بالمباشرة أو بالتسبيب.
أمّا القتل المباشري فقد مثل له المصنّف بالذبح والخنق باليد---)
(--- وسقي السم القاتل والضرب بالسكين والسيف، والحجر الغامز.[1]
والجرح في المقتل[2]، كالفؤاد والخاصرة والصدر وأصل الأُذن والأُنثيين والمثانة ونقرة النحر، فكلّ ذلك ممّا يقتل غالباً.
وقد حكم المصنّف على الجميع بأنّها من مقولة القتل عن عمد، وذلك لما عرفت من الضابطة، وهي: أنّ الفعل ممّا يقتل غالباً فالقتل موصوف بالعمد، سواء قصد القتل أو لا. والأمثلة المذكورة من هذه المقولة.
[1]. أي الكابس على البدن لثقله.
[2]. أي الجرح في المكان الّذي يقتل ولو بغرز الإبرة.
المسألة 3. لو رماه بسهم أو بندقة فمات، فهو عمد عليه القود ولو لم يقصد القتل به، وكذا لو خنقه بحبل ولم يزح عنه حتى مات، أو غمسه في ماء ونحوه ومنعه عن الخروج حتى مات، أو جعل رأسه في جراب النورة حتى مات، إلى غير ذلك من الأسباب التي انفرد الجاني في التسبيب المتلف، فهي من العمد.^
1. في التسبيب المتلف الّذي انفرد به الجاني
^ بدأ المصنّف بذكر التسبيب الّذي ينفرد به المتلف ضمن مسائل تنتهي إلى المسألة الخامسة عشرة.
فذكر في هذه المسألة من أقسام القتل بالتسبيب صوراً:
أ. إذا رمى بسهم أو بغيره واتّخذ المقتل غرضاً ففيه القصاص.
ب. إذا رمى بسهم من دون أن يتخذ المقتل غرضاً للرمي، بل رمى على وجه الإطلاق فأصاب المقتل، فالقتل عمدي؛ لأنّ الآلة قاتلة غالباً والمفروض أنّه رماه على وجه الإطلاق غير مجتنب عن المقتل، فإذا أصابه يكفي كون الفعل قاتلًا.
ج. لو رماه ملتزماً بالاجتناب عن الوصول إلى المقتل ولكنّه---)