(---أمّا الأوّل:أي ثبوت ما يوجب القصاص بشهادة الرجال، سواء أكانت الجناية في النفس أو الطرف، وتكفي شهادة عدلين منهم، لإطلاق حجّية البيّنة.
وأمّا الفرع الثاني:أي عدم ثبوت ما يوجب القصاص بشهادة النساء منفردات. ويدلّ عليه الروايات التالية:
1 روى محمد بن الفضيل عن الرضا عليه السلام: «لا تجوز شهادتهنّ في الطلاق ولا الدم».[1]
2. ما رواه إبراهيم الخارقي عن أبي عبد اللَّه عليه السلام- في حديث- قال: «لا تجوز شهادة النساء في الطلاق ولا في الدم».[2]
3. ما رواه غياث بن إبراهيم عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن علي عليه السلام:
«لا تجوز شهادة النساء في الحدود، ولا في القود».[3]
4. ما رواه موسى بن إسماعيل بن جعفر، عن أبيه، عن آبائه، عن علي عليهم السلام قال: «لا تجوز شهادة النساء في الحدود ولا قود».[4]وأمّا الفرع الثالث:- أي عدم ثبوت ما يوجب القصاص بشهادة النساء منضمّات إلى الرجال- ففيه خلاف، فقد ذهب الشيخ إلى عدم ثبوته---)
[1]. الوسائل: 19، الباب 2 من أبواب دعوى القتل وما يثبت به، الحديث 3.
[2]. الوسائل: 19، الباب 2 من أبواب دعوى القتل وما يثبت به، الحديث 2.
[3]. الوسائل: 19، الباب 2 من أبواب دعوى القتل وما يثبت به، الحديث 7.
[4]. الوسائل: 19، الباب 2 من أبواب دعوى القتل وما يثبت به، الحديث 8.
(--- بشهادة امرأتين ورجل قال: لا يثبت القتل الموجب للقود إلّابشهادة رجلين، ولا يثبت بشهادة رجل وامرأتين، وبه قال الشافعي.[1]وتبعه ابن إدريس في «السرائر»[2].
وأمّا المحقّق فقد اختلفت كلمته، ففي هذا المقام وافق الشيخ وقال: فلا يثبت ما يجب به القصاص إلّابشاهدين، ولا يثبت بشاهد وامرأتين.[3]وعليه المصنّف في المتن.
ولكنّه في كتاب الشهادات، عند البحث عن حقوق الآدمي استظهر ثبوته بالشاهد والمرأتين، وقال: وفي العتق والنكاح والقصاص تردّد، أظهره ثبوته بالشاهد والمرأتين.[4]
ثم إنّ هنا قولًا ثالثاً وهو أنّه لا يثبت القصاص بشاهد وامرأتين ولكن تثبت به الدية، ووصفه المحقّق بالشذوذ.[5]
ونسبه في الجواهر إلى الشيخ في النهاية وابن الجنيد وأبي الصلاح والقاضي، والفاضل في المختلف.[6]
أمّا دليل القول بعدم الثبوت، فهو مقتضى إطلاق الروايات المتقدّمة،---)
[1]. الخلاف: 3/ 252، المسألة 4.
[2]. السرائر: 2/ 115.
[3]. شرائع الإسلام: 4/ 218.
[4]. شرائع الإسلام: 4/ 136.
[5]. شرائع الإسلام: 4/ 218.
[6]. جواهر الكلام: 42/ 208.
(--- حيث إنّ مقتضاها عدم الفرق بين كونهنّ منفردات أو منضمّات، وفي مقابل ذلك يوجد ما يدلّ على الجواز، نظير:
1. ما رواه جميل بن درّاج ومحمد بن حمران عن أبي عبد اللَّه عليه السلام قال:
قلنا: أتجوز شهادة النساء في الحدود؟ فقال: «في القتل وحده، إنّ عليّاً عليه السلام كان يقول لا يبطل دم امرئ مسلم»[1].
2. ما رواه محمد بن فضيل، عن أبي الصباح الكناني، عن أبي عبد اللَّه عليه السلام في حديث قال: «تجوز شهادة النساء في الدم مع الرجال».[2]
3. ما رواه المفضّل بن صالح عن زيد الشحّام في حديث قال: قلت له:
تجوز شهادة النساء مع الرجال في الدم؟ قال: «نعم».[3]
4. ما رواه محمد بن قيس عن أبي جعفر عليه السلام قال: «قضى أمير المؤمنين عليه السلام في غلام شهدت عليه امرأة أنّه دفع غلاماً في بئر فقتله، فأجاز شهادة المرأة بحساب شهادة المرأة».[4]5. عن عبد اللَّه بن الحكم قال: سألت أبا عبد اللَّه عليه السلام في امرأة شهدت على رجل أنّه دفع صبياً في بئر فمات؟ قال: «على الرجل ربع دية الصبي بشهادة المرأة».[5]2
[1]. الوسائل: 19، الباب 2 من أبواب دعوى القتل وما يثبت به، الحديث 1.
[2]. الوسائل: 19، الباب 2 من أبواب دعوى القتل وما يثبت به، الحديث 5.
[3]. الوسائل: 19، الباب 2 من أبواب دعوى القتل وما يثبت به، الحديث 9.
[4]. الوسائل: 18، الباب 24 من أبواب الشهادات، الحديث 26.
[5]. الوسائل: 18، الباب 24 من أبواب الشهادات، الحديث 33.
(--- والذي يمكن أن يقال: إنّ الروايات المانعة ناظرة إلى القصاص، وأمّا الروايات المجوّزة فيمكن حملها على الدية، ويشهد على ذلك أنّ عليّاً عليه السلام قال:
على الرجل ربع دية الصبي بشهادة المرأة، فيثبت بشهادتهن ما يوجب الدية، كما سيوافيك، والتفصيل في محلّه.
الفرع الرابع:عدم ثبوت الدية بشهادة النساء فيما يوجب القصاص.
وجهه: أنّ ثبوت الدية فرع ثبوت القصاص، والمفروض عدم حجّية قولهن فيه حتى تثبت إذا اتّفق الطرفان على التصالح بالدية.
الفرع الخامس:ثبوت الدية بشهادتهنّ في القتل الخطئي وشبه العمد والجراحات التي لا توجب القصاص، وذلك كحجيّة قولهنّ في الأُمور المالية.
وقد عرفت أنّ الروايات السابقة الدالّة على ثبوت الدم بشهادتهن محمولة على هذه الصورة، وإلى ذلك يشير المحقّق بقوله: ويثبت بكلّ منهما ما موجبه الدية، و قد مثّل له بالأمثلة التالية:
1. قتل الخطأ الشبيه بالعمد، إذ ليس فيه القصاص بل الدية.
2. الهاشمة وهي كسر عظم الرأس الّذي ليس فيه القصاص بل الدية.
3. المنقلة وهي التي تخرج صغار العظام وتنتقل عن أماكنها.
4. الجائفة وهي الطعنة الّتي تبلغ الجوف.
وفي الجميع الدية دون القصاص، تثبت بشاهد وامرأتين.[1]2
[1]. يلاحظ: شرائع الإسلام: 4/ 218.
(--- وعليه المصنّف في المتن، حيث أشار إلى هذه الأمثلة بقوله:
(الهاشمة وما فوقها).
الفرع السادس:عدم ثبوت ما يوجب القصاص بشهادة شاهد ويمين المدّعي ففيه خلاف، والمشهور عدم الثبوت.
قال في «الشرائع»: ولا بشاهد ويمين.[1]
ونسبه في «الجواهر» إلى المشهور، ونقل عن الرياض الاتّفاق عليه، كما نقل الثبوت بهما عن الشيخ وابن إدريس.[2]والتفصيل موكول إلى محلّه.
[1]. شرائع الإسلام: 4/ 218.
[2]. جواهر الكلام: 42/ 209.
المسألة 1. يعتبر في قبول الشهادة بالقتل أن تكون الشهادة صريحة أو كالصريحة، نحو قوله: «قتله بالسيف»، أو «ضربه به فمات»، أو «أراق دمه فمات منه»، ولو كان فيه إجمال أو احتمال لا تقبل. نعم الظاهر عدم الاعتبار بالاحتمالات العقلية التي لا تنافي الظهور أو الصراحة عرفاً، مثل أن يقال في قوله: «ضربه بالسيف فمات»، يحتمل أن يكون الموت بغير الضرب، بل الظاهر اعتبار الظهور العقلائي، ولا يلزم التصريح بما لا يتخلّل فيه الاحتمال عقلًا.^
^الشهادة بالقتل يجب أن تكون صريحة غير مبهمة
إنّ الشهادة على ما يوجب القتل كسائر الموضوعات يجب أن تكون صريحة أو ظاهرة في نظر العرف في الموجب، وتكون عارية عن الإبهام والإجمال والاحتمال المساوي للاحتمال الآخر، كل ذلك لأنّ اعتبار البيّنة عند العقلاء لأجل كونها كاشفة عن الواقع كشفاً وثوقيّاً مفيداً للاطمئنان، ولا يحصل ذلك إلّاإذا كانت عارية عن الإبهام والإجمال والاحتمال.
نعم لا يعتدّ ببعض الاحتمالات الخارجة عن دائرة فهم العرف فإنّها وسوسة لا يعتنى بها.
فإذا قال: ضربه بالسيف فمات، لا يحتمل العرف إلّاأنّه مات بضرب السيف، لا عامل آخر، ولذلك يقول المحقّق: ولا تقبل الشهادة بالقتل إلّاصافية عن الاحتمال، كقوله: ضربه بالسيف فمات، أو فقتله، أو فأنهر دمه فمات---)
(--- في الحال، أو لم يزل مريضاً منها حتّى مات وإن طالت المدّة.[1]
والأمثلة المذكورة أمثلة للخلوص عن الاحتمال، قال العلّامة في التحرير: يشترط في الشهادة خلوصها عن الاحتمال، مثل أن يقول: ضربه بالسيف فمات من الضربة ... الخ[2].
[1]. شرائع الإسلام: 4/ 218.
[2]. تحرير الأحكام: 5/ 70.
المسألة 2. يعتبر في قبول الشهادة أن ترد شهادتهما على موضوع واحد ووصف واحد، فلو شهد أحدهما أنّه قتله غدوة والآخر عشية، أو شهد أحدهما أنّه قتله بالسم والآخر أنّه بالسيف، أو قال أحدهما: إنّه قتله في السوق، وقال الآخر: في المسجد، لم يقبل قولهما، والظاهر أنّه ليس من اللوث أيضاً، نعم لو شهد أحدهما بأنّه أقرّ بالقتل والآخر بمشاهدته لم يقبل شهادتهما، ولكنّه من اللوث.^
^البيّنة حجّة إذا تواردت الشهادتان على أمر واحد
لا شكّ أنّه يشترط في حجّية البيّنة توارد الشهادتين على أمر واحد حتّى يصدق أنّه قام شاهدان عادلان عليه، وبما أنّ كلّاً من الزمان والمكان وآلة القتل يُعدّ من مشخّصاته، فلابدّ أن ترد شهادتهما على وقوع القتل في زمان واحد ومكان واحد وآلة مشخّصة، فلو اختلفا وشهد أحدهما أنّه قتله نهاراً والآخر ليلًا، أو شهد أنّه قتله في الشارع والآخر شهد على أنّه قتله في البيت، أو شهد أحدهما على أنّه قتله بالسيف، والآخر على أنّه قتله بالسمّ، لا يحتجّ بهما لما ذكرنا من أن العبرة بالبيّنة لأجل كونها طريقاً إلى الواقع، وهي لا تنفكّ عن عدم وجود التعارض في شهادة الشاهدين. وأمّا إذا كان هناك تعارض فيسقط كلاهما عن الاعتبار.
وقد قُرّر في محلّه أنّ الأصل في تعارض الأمارات هو التساقط، ولو دلّ الدليل على أخذ الراجح من الخبرين أو التخيير عند التساوي، فإنّما هو---)