المسألة 2. يعتبر في قبول الشهادة أن ترد شهادتهما على موضوع واحد ووصف واحد، فلو شهد أحدهما أنّه قتله غدوة والآخر عشية، أو شهد أحدهما أنّه قتله بالسم والآخر أنّه بالسيف، أو قال أحدهما: إنّه قتله في السوق، وقال الآخر: في المسجد، لم يقبل قولهما، والظاهر أنّه ليس من اللوث أيضاً، نعم لو شهد أحدهما بأنّه أقرّ بالقتل والآخر بمشاهدته لم يقبل شهادتهما، ولكنّه من اللوث.^
^البيّنة حجّة إذا تواردت الشهادتان على أمر واحد
لا شكّ أنّه يشترط في حجّية البيّنة توارد الشهادتين على أمر واحد حتّى يصدق أنّه قام شاهدان عادلان عليه، وبما أنّ كلّاً من الزمان والمكان وآلة القتل يُعدّ من مشخّصاته، فلابدّ أن ترد شهادتهما على وقوع القتل في زمان واحد ومكان واحد وآلة مشخّصة، فلو اختلفا وشهد أحدهما أنّه قتله نهاراً والآخر ليلًا، أو شهد أنّه قتله في الشارع والآخر شهد على أنّه قتله في البيت، أو شهد أحدهما على أنّه قتله بالسيف، والآخر على أنّه قتله بالسمّ، لا يحتجّ بهما لما ذكرنا من أن العبرة بالبيّنة لأجل كونها طريقاً إلى الواقع، وهي لا تنفكّ عن عدم وجود التعارض في شهادة الشاهدين. وأمّا إذا كان هناك تعارض فيسقط كلاهما عن الاعتبار.
وقد قُرّر في محلّه أنّ الأصل في تعارض الأمارات هو التساقط، ولو دلّ الدليل على أخذ الراجح من الخبرين أو التخيير عند التساوي، فإنّما هو---)
(--- بدليل خارجي ولولاه لسقط عن الاعتبار، هذا ممّا لا كلام فيه، إنّما الكلام في ثبوت اللوث في هذه الموارد، فقد فرّق المصنّف بين الموردين التاليين:
الأوّل:إذا قال أحدهما: قتله في السوق، والآخر: في المسجد، لم يقبل قولهما، واستظهر أنّه ليس من اللوث.
الثاني:لو شهد أحدهما أنّه أقرّ بالقتل، والآخر بمشاهدته، لم تقبل شهادتهما ولكنّه من اللوث.
أمّا عدم قبول شهادتهما في الأوّل فلوجود التعارض، وأمّا في الثاني فلأجل اختلاف المشهود به، فقد شهد أحدهما بإقرار القاتل بالقتل، والآخر شهد بمشاهدته نفس القتل، فلم يردا على موضوع واحد.
إنّما الكلام في الفرق بين الموردين في عدم ثبوت اللوث في الأوّل وثبوته في الثاني.
أمّا الأوّل: فالظاهر من الشيخ في «المبسوط» أنّه من مقولة اللوث، فإنّه بعد ما ذكر أنّ شهادتهما لم تثبت على أمر واحد، قال: لكنّه يكون لوثاً لأنّ كلّ واحدٍ منهما يقوّي ما شهد به صاحبه، فإذا ثبت أنّه لوث كان له أن يحلف مع أيّهما شاء.[1]
وأمّا المحقّق فقد استشكل فيه وقال: «وفيه إشكال لتكاذبهما»[2].
وقد وافقه المصنّف في المتن، ويمكن أن يقال: إنّه لو قلنا بلزوم---)
[1]. المبسوط: 7/ 254.
[2]. شرائع الإسلام: 4/ 219.
(--- وجود شاهد واحد بلا معارض في اللوث، صحّ ما ذكراه لوجود التعارض.
وأمّا لو قلنا بكفاية وجود الظن بالقتل فلا شكّ أنّ شهادتهما تورث الظن، وقد عرّف قدس سره اللوث بقوله: والمراد به أمارة ظنيّة قامت عند الحاكم على صدق المدّعي، كالشاهد الواحد أو الشاهدين مع عدم استجماع شرائط القبول؛ وكذا لو وجد متشحطاً بدمه وعنده ذو سلاح عليه الدم، أو وجد كذلك في دار قوم، أو في محلّة منفردة عن البلد لا يدخل فيها غير أهلها ... الخ.
فإذا كان الملاك هو الأمارة الظنيّة فلا يبعد من حصول الظن بأنّ المشهود عليه هو القاتل، وإن اختلف الشاهدان في مكان القتل.
وأمّا الثاني: فلاشكّ أنّه من موارد اللوث لعدم التعارض بين شهادتي الشاهدين، إذ لا تنافي بين الشهادة على الإقرار بالقتل والشهادة على نفس القتل. ولذلك قال المحقّق: لو شهد أحدهما بالإقرار والآخر بالمشاهدة لم يثبت (القتل لاختلاف المشهود به) وكان لوثاً لعدم التكاذب (بل التعاضد)[1].
[1]. لاحظ: جواهر الكلام: 42/ 213.
المسألة 3. لو شهد أحد الشاهدين بالإقرار بالقتل مطلقاً وشهد الآخر بالإقرار عمداً، ثبت أصل القتل الذي اتّفقا عليه، فحينئذٍ يكلّف المدّعى عليه بالبيان، فإن أنكر أصل القتل لا يقبل منه، وإن أقرّ بالعمد قبل منه، وإن أنكر العمد وادّعاه الوليّ فالقول قول الجاني مع يمينه، وإن ادّعى الخطأ وأنكر الوليّ، قيل: يقبل قول الجاني بيمينه، وفيه إشكال، بل الظاهر أنّ القول قول الوليّ، ولو ادّعى الجاني الخطأ وادّعى الوليّ العمد، فالظاهر هو التداعي.^
^لو شهد أحد الشاهدين بالإقرار بالقتل مطلقاً والآخر بالإقرار عمداً
إذا شهد أحد الشاهدين بالإقرار بأصل القتل دون وصفه من العمد والخطأ، وشهد الآخر بالإقرار بالقتل وبالوصف وأنّه قتله عمداً يثبت ما أجمعا عليه وهو القتل، لاتّفاقهما عليه من دون تكاذب، ولكن لا يثبت الوصف- أعني: العمد- لكون الشهادة عليه واحدة، فعندئذٍ يجب على القاضي أن يكلّف المدّعى عليه بالبيان، فعند ذلك تأتي الصور التالية:
1. أنكر المدّعى عليه أصل القتل.
2. أقرّ بالقتل والعمد.
3. أنكر العمد وادّعاه الولي.
4. ادّعى القتل خطأ وأنكر الولي.
5. لو ادّعى الجاني الخطأ وادّعى الولي العمد.---)
(--- وإليك دراسة أحكام الصور:
أمّا الصورة الأُولى:فلا يقبل منه، لما عرفت من اتّفاق الشاهدين على الإقرار بالقتل، وإن اختلفا في الوصف حيث وصفه أحدهما بالعمد، والآخر سكت عنه.
وأمّا الصورة الثانية:أي إذا أقرّ بالعمد قُبل منه؛ لأنّ الإقرار مرّة واحدة كافٍ في ثبوته فضلًا عن شهادة عادل واحد على العمد أيضاً.
وأمّا الصورة الثالثة:أي إذا ادّعى الولي العمد وأنكره المدّعى عليه، فلو أقام الولي البيّنة فهو، وإلّا فالقول قول المنكر مع يمينه.
وأمّا الصورة الرابعة:أعني إذا ادّعى المدّعى عليه الخطأ، وأنكره الوليّ، مثلًا بأن يقول: قتلتُه خطأ، وأنكره الولي، فهنا قولان:
1. قول المحقّق، بتقديم قول الجاني مع يمينه حيث قال: فإن قال خطأ، وصدّقه الولي فلا بحث، وإلّا فالقول قول الجاني مع يمينه.[1]
ووجّهه في «الجواهر» بقوله: لأنّه من التفسير الّذي يرجع به إليه، ولأنّه كذي اليد على صفة فعله.[2]
2. قول المصنّف وهو أنّه يقدّم قول الولي فيكون منكراً وله اليمين، ووجهه: أنّه لو كان الميزان مصبّ الدعوى فمن يدّعي الخطأ هو المدّعي ومن ينكره فهو المنكر، والمفروض أنّ المدّعى عليه يدّعي الخطأ والولي---)
[1]. شرائع الإسلام: 4/ 219.
[2]. جواهر الكلام: 42/ 213.
(--- ينكره.
أقول:ما ذكره يصحّ إذا كان الميزان في تمييز المدّعي عن المنكر هو مصب الدعوى وظاهرها، وأمّا لو كان الميزان هونتيجة الدعوىفلا شكّ أنّ الولي هو المدّعي لأنّه بانكاره الخطأ لا يريد إلّاأنّ القتلَ موصوف بالعمد، فيكون هو المدّعي، والمدّعى عليه هو المنكر.
وبعبارة أُخرى: ماذا يريد الولي من إنكار الخطأ مع أنّه لا يترتّب عليه أثر، بل يريد إثبات كون القتل عن عمد، ومن المعلوم أنّ حلفه على نفي الخطأ- لو افترضنا أنّه منكر- لا يثبت كون القتل عن عمد، فلا يصل الولي بإنكاره ويمينه إلى ما يتوخّاه إلّاإذا صرّح بما يدّعيه.
وعندئذٍ تدخل هذه الصورة في الصورة التالية، وعلى ما ذكرنا فالظاهر ما عليه المحقّق من تقديم قول الجاني.
الصورة الخامسة:وهوما إذا ادّعى الجاني الخطأ وادّعى الولي العمد، فيمكن أن يكون من قبيل التداعي، ونتيجته سقوط الدعويين، وبما أنّ أصل القتل ثابت، فكلّ مورد لم يمكن الحكم فيه بالقصاص تؤخذ فيه الدية.
ويحتمل إلحاقه بالصورة الرابعة إذا كان الميزان نتيجة الدعوى، فلاحظ.
المسألة 4. لو شهد أحدهما بمشاهدة القتل عمداً والآخر بالقتل المطلق، وأنكر القاتل العمد وادّعاه الولي، كانت شهادة الواحد لوثاً، فإن أراد الولي إثبات دعواه فلابد من القسامة.^
^لو شهد أحدهما بمشاهدة القتل عمداً والآخر بالقتل المطلق
لو شهد أحدهما بمشاهدة القتل عمداً، والآخر بالقتل المطلق، وأنكر القاتل العمد وادّعاه الولي، كانت شهادة الواحد لوثاً، ويثبت الولي دعواه بالقسامة إن شاء[1].
فإن قلت:ما الفرق بين هذه المسألة والمسألة رقم 2، أعني: إذا اختلفا في الزمان والمكان أو الآلة، حيث إنّ الشيخ ذهب إلى القول باللوث واستشكل فيه المحقّق والمصنّف.
قلت:الفرق بينهما وجود التكاذب في المسألة السابقة حيث إنّ القتل غدوة، غير القتل عشيّة، فلم يكن هناك شاهد واحد على القتل؛ بخلاف المقام لعدم التكاذب بين الشاهدين ضرورة عدم تضمنّ شهادة الآخر الصفة، فكان كالشاهد الواحد ابتداءً من غير أن يشهد معه غيره، بخلاف ما إذا تضمّنت شهادة الآخر المناقضة.[2]
أقول:التفريق بين المسألتين مبني على أنّ اللوث يتوقّف على---)
[1]. شرائع الإسلام: 4/ 219.
[2]. جواهر الكلام: 42/ 214.
(--- شهادة الواحد غير المعارض كما يظهر من الجواهر هنا وفي المسألة السابقة، ولكن لو قلنا بكفاية الظن بالقتل الحاصل من الشهادتين المتناقضتين، لا يبعد كلام الشيخ في «المبسوط» هنا وفي السابق.
ونظير المسألة السابقة في عدم ثبوت اللوث ما إذا ادّعى أحدهما أنّ القتل عن عمد والآخر أنّ القتل كان خطأ.
وعلى كلّ تقدير فلو كان الميزان وجود الشاهد الخالي عن المعارض لم يثبت اللوث، لا في المسألة السابقة، ولا فيما إذا اختلفا في العمد والخطأ، بل يثبت فيما إذا لم يكن بينهما تكاذب كما في الشهادة على القتل بالعمد والشهادة على مطلق القتل، كما في المقام؛ وأمّا لو كان الميزان وجود المظنّة بالقتل بالعمد، فالجميع من موارد اللوث.