(--- وإليك دراسة أحكام الصور:
أمّا الصورة الأُولى:فلا يقبل منه، لما عرفت من اتّفاق الشاهدين على الإقرار بالقتل، وإن اختلفا في الوصف حيث وصفه أحدهما بالعمد، والآخر سكت عنه.
وأمّا الصورة الثانية:أي إذا أقرّ بالعمد قُبل منه؛ لأنّ الإقرار مرّة واحدة كافٍ في ثبوته فضلًا عن شهادة عادل واحد على العمد أيضاً.
وأمّا الصورة الثالثة:أي إذا ادّعى الولي العمد وأنكره المدّعى عليه، فلو أقام الولي البيّنة فهو، وإلّا فالقول قول المنكر مع يمينه.
وأمّا الصورة الرابعة:أعني إذا ادّعى المدّعى عليه الخطأ، وأنكره الوليّ، مثلًا بأن يقول: قتلتُه خطأ، وأنكره الولي، فهنا قولان:
1. قول المحقّق، بتقديم قول الجاني مع يمينه حيث قال: فإن قال خطأ، وصدّقه الولي فلا بحث، وإلّا فالقول قول الجاني مع يمينه.[1]
ووجّهه في «الجواهر» بقوله: لأنّه من التفسير الّذي يرجع به إليه، ولأنّه كذي اليد على صفة فعله.[2]
2. قول المصنّف وهو أنّه يقدّم قول الولي فيكون منكراً وله اليمين، ووجهه: أنّه لو كان الميزان مصبّ الدعوى فمن يدّعي الخطأ هو المدّعي ومن ينكره فهو المنكر، والمفروض أنّ المدّعى عليه يدّعي الخطأ والولي---)
[1]. شرائع الإسلام: 4/ 219.
[2]. جواهر الكلام: 42/ 213.
(--- ينكره.
أقول:ما ذكره يصحّ إذا كان الميزان في تمييز المدّعي عن المنكر هو مصب الدعوى وظاهرها، وأمّا لو كان الميزان هونتيجة الدعوىفلا شكّ أنّ الولي هو المدّعي لأنّه بانكاره الخطأ لا يريد إلّاأنّ القتلَ موصوف بالعمد، فيكون هو المدّعي، والمدّعى عليه هو المنكر.
وبعبارة أُخرى: ماذا يريد الولي من إنكار الخطأ مع أنّه لا يترتّب عليه أثر، بل يريد إثبات كون القتل عن عمد، ومن المعلوم أنّ حلفه على نفي الخطأ- لو افترضنا أنّه منكر- لا يثبت كون القتل عن عمد، فلا يصل الولي بإنكاره ويمينه إلى ما يتوخّاه إلّاإذا صرّح بما يدّعيه.
وعندئذٍ تدخل هذه الصورة في الصورة التالية، وعلى ما ذكرنا فالظاهر ما عليه المحقّق من تقديم قول الجاني.
الصورة الخامسة:وهوما إذا ادّعى الجاني الخطأ وادّعى الولي العمد، فيمكن أن يكون من قبيل التداعي، ونتيجته سقوط الدعويين، وبما أنّ أصل القتل ثابت، فكلّ مورد لم يمكن الحكم فيه بالقصاص تؤخذ فيه الدية.
ويحتمل إلحاقه بالصورة الرابعة إذا كان الميزان نتيجة الدعوى، فلاحظ.
المسألة 4. لو شهد أحدهما بمشاهدة القتل عمداً والآخر بالقتل المطلق، وأنكر القاتل العمد وادّعاه الولي، كانت شهادة الواحد لوثاً، فإن أراد الولي إثبات دعواه فلابد من القسامة.^
^لو شهد أحدهما بمشاهدة القتل عمداً والآخر بالقتل المطلق
لو شهد أحدهما بمشاهدة القتل عمداً، والآخر بالقتل المطلق، وأنكر القاتل العمد وادّعاه الولي، كانت شهادة الواحد لوثاً، ويثبت الولي دعواه بالقسامة إن شاء[1].
فإن قلت:ما الفرق بين هذه المسألة والمسألة رقم 2، أعني: إذا اختلفا في الزمان والمكان أو الآلة، حيث إنّ الشيخ ذهب إلى القول باللوث واستشكل فيه المحقّق والمصنّف.
قلت:الفرق بينهما وجود التكاذب في المسألة السابقة حيث إنّ القتل غدوة، غير القتل عشيّة، فلم يكن هناك شاهد واحد على القتل؛ بخلاف المقام لعدم التكاذب بين الشاهدين ضرورة عدم تضمنّ شهادة الآخر الصفة، فكان كالشاهد الواحد ابتداءً من غير أن يشهد معه غيره، بخلاف ما إذا تضمّنت شهادة الآخر المناقضة.[2]
أقول:التفريق بين المسألتين مبني على أنّ اللوث يتوقّف على---)
[1]. شرائع الإسلام: 4/ 219.
[2]. جواهر الكلام: 42/ 214.
(--- شهادة الواحد غير المعارض كما يظهر من الجواهر هنا وفي المسألة السابقة، ولكن لو قلنا بكفاية الظن بالقتل الحاصل من الشهادتين المتناقضتين، لا يبعد كلام الشيخ في «المبسوط» هنا وفي السابق.
ونظير المسألة السابقة في عدم ثبوت اللوث ما إذا ادّعى أحدهما أنّ القتل عن عمد والآخر أنّ القتل كان خطأ.
وعلى كلّ تقدير فلو كان الميزان وجود الشاهد الخالي عن المعارض لم يثبت اللوث، لا في المسألة السابقة، ولا فيما إذا اختلفا في العمد والخطأ، بل يثبت فيما إذا لم يكن بينهما تكاذب كما في الشهادة على القتل بالعمد والشهادة على مطلق القتل، كما في المقام؛ وأمّا لو كان الميزان وجود المظنّة بالقتل بالعمد، فالجميع من موارد اللوث.
المسألة 5. لو شهد اثنان بأنّ القاتل زيد مثلًا، وآخران بأنّه عمرو دونه، قيل: يسقط القصاص، ووجب الدية عليهما نصفين لو كان القتل المشهود به عمداً أو شبيهاً به، وعلى عاقلتهما لو كان خطأ، وقيل: إنّ الولي مخيّر في تصديق أيّهما شاء، كما لو أقرّ اثنان كلّ واحد بقتله منفرداً، والوجه سقوط القود والدية جميعاً.^
^لو شهد اثنان بالقتل على شخص وآخران على آخر
إذا شهد اثنان على أنّ زيداً قتله، وشهد آخران على أنّ عمراً قتله، ففي المسألة أقوال:
الأوّل:لو كانت الشهادتان على العمد يسقط القصاص إذا كان المشهود به قتلًا عمديّاً ووجبت الدية عليهما نصفين فيما إذا كان المشهود به عمداً وشبه عمد، ولو كانت الشهادتان على الخطأ كانت الدية على عاقلتهما. وهذا هو خيرة المفيد والشيخ وجماعة أُخرى. ونسبه في الجواهر إلى القاضي والصهرشتي والطبرسي والعلّامة.[1]
قال المفيد- بعد عنوان المسألة-: بطل القود في هذا المكان وكان دية المقتول على النفسين اللّذين اختلف الشهود فيهما بالسوية.[2]
وقال الشيخ في «النهاية» بعد عنوان المسألة: بطل هاهنا القود إن---)
[1]. جواهر الكلام: 42/ 219.
[2]. المقنعة: 737.
(--- كان عمداً، وكانت الدية على المشهود عليهما نصفين. وإن كان القتلُ شبيه العمد فكمثل ذلك، وإن كان خطأ كانت الدية على عاقلتهما نصفين.[1]
ووجهه:أنّ البيّنتين لا يمكن العمل بهما لاستلزامه قتل نفسين ولا يمكن تركهما للعلم بمطابقة إحداهما للواقع، ولاستلزامه بطلان دم مسلم، ولا العمل بإحداهما دون الأُخرى لكونه ترجيحاً بلا مرجّح. وأمّا ثبوت الدية عليهما فلكي لا يبطل دم امرئ مسلم.
وبعبارة أُخرى: أنّ القصاص يسقط لعدم معلومية مورده بعد تعارض البيّنتين فيه، فلا يمكن التهجّم عليه بقتل واحد منهما فضلًا عن قتلهما. وأمّا ثبوت الدية في الصور الثلاث: إذا كان المشهود به قتلًا عمدياً أو شبه عمد أو خطأ فلعدم بطلان دم المسلم وتساويهما في قيام البيّنة على كلّ منهما.[2]
ثم إنّ شهادتهما قبل طلب القاضي مبنيّة على أحد الأُمور الثلاثة:
1. جواز التبرّع بالشهادة في الدماء، ولو لم يكن هناك طلب من القاضي.
2. أن يكون للمدّعي وكيلان فادّعى كلّ منهما.
3. أو أنّ للمدّعى عليه براءة نفسه بإقامة البيّنة على أنّ القاتل غيره.
ولكن الظاهر عدم تمامية هذا القول لوجود العلم الإجمالي بكذب إحدى البيّنتين، فمع ذلك كيف يمكن الغمض عن القصاص والأخذ بالدية، فإنّ البيّنتين كما يتكاذبان في مورد القصاص يتكاذبان في الدية،---)
[1]. النهاية: 742- 743.
[2]. جواهر الكلام: 42/ 219.
(--- فإحداهما تكلّف زيداً بإعطاء الدية، والأُخرى تكلّف عمراً به، فالتنصيف مخالفة تفصيلية لهذا العلم، وعدم بطلان دم المسلم لا يقتضي كونهما عليهما، بل يمكن أن تكون على بيت المال.
القول الثاني:وهو ما احتمله المحقّق وقال: ويحتمل وجه آخر وهو تخيّر الولي في تصديق أيهما شاء كما لو أقرّ اثنان بقتله منفرداً، ومع ذلك فقد قال المحقّق: إنّ القول الأوّل أولى.
وقد استدلّ على هذا القول بوجوه ضعيفة احتجّ بها ابن إدريس، وهي:
1. قوله تعالى:«فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا»ونفي القتل عنهما (المشهود عليهما) ينافي إثبات السلطان.
2. أنّ البيّنة ناهضة على كلّ منهما بوجوب القود، فلا وجه لسقوطه.
3. إنّا أجمعنا على أنّه لو شهد اثنان على واحد بأنّه القاتل فأقرّ آخر بأنّه القاتل يتخيّر الولي في التصديق والإقرار.[1]فالشهادة الثانية بمنزلة إقرار فرد على أنّه القاتل.
وما ذكره من الوجوه ضعيف.
أمّا الأوّلفلأنّ الولي له السلطان إذا عرف القاتل، لا مطلقاً بأن يتردّد بين شخصين.
وأمّا الثانيفلأنّ البيّنة لا تنهض مع المعارض، والمفروض أنّ---)
[1]. السرائر: 3/ 341- 342.
(--- البيّنتين متعارضتان.
وأمّا الثالثفإنّ قياس تعارض البيّنتين بتعارض البيّنة والإقرار، أمر لا نقول به، فلا يمكن استكشاف حكم المقام من تلك المسألة.
القول الثالث:وهو ما يظهر من المحقّق في «نكت النهاية»، وحاصله: أنّ الأولياء إمّا أن يدّعوا القتل على أحدهما، أو يقولوا: لا نعلم؛ فإن ادّعوه على أحدهما قتلوه، لقيام البيّنة على الدعوى. وتهدر البيّنة الأُخرى فلا يكون لهم على الآخر سبيل.
وإن قالوا: لا نعلم، فالبيّنتان متعارضتان على الانفراد[1]، لا على مجرد القتل فيثبت القتل من أحدهما ولا يتعيّن، والقصاص يتوقّف على تعيين القاتل، فيسقط وتجب الدية؛ لأنّه ليس نسبة القتل إلى أحدهما أولى من نسبته إلى الآخر.[2]
يلاحظ عليه:بأنّه ليس قولًا ثالثاً بل تفصيلًا للقول الأوّل، فخصّوا القول الأوّل بما إذا لم يكن للأولياء ادّعاء خاص بالنسبة إلى أحد المتهمين، وفي غير هذا المورد، قالوا بأنّه يجوز للولي قتل من ادّعوا عليه القتل وقامت عليه البيّنة.
ومع ذلك كلّه ففيه إشكال، لأنّ تجويز القتل يكون بيد القاضي فكيف يحكم بقتل ما ادّعاه الأولياء مع كون البيّنة معارضةً بالبيّنة الأُخرى؟ حتّى لو افترضنا أنّ القائم بالقصاص نفس الأولياء مع قطع النظر عن القاضي فليس---)
[1]. متعارضتان في تعيين القاتل لا في أصل القتل.
[2]. نكت النهاية: 3/ 374- 375.