المسألة 6. لو شهدا بأنّه قتل عمداً فأقرّ آخر أنّه هو القاتل وأنّ المشهود عليه بريء من قتله، ففي رواية صحيحة معمول بها: إن أراد أولياء المقتول أن يقتلوا الذي أقرّ على نفسه فليقتلوه، ولا سبيل لهم على الآخر، ثم لا سبيل لورثة الذي أقرّ على نفسه على ورثة الذي شهد عليه.
وإن أرادوا أن يقتلوا الذي شهد عليه فليقتلوه، ولا سبيل لهم على الذي أقرّ، ثم ليؤدّ الذي أقرّ على نفسه إلى أولياء الذي شهد عليه نصف الدية، وإن أرادوا أن يقتلوهما جميعاً ذاك لهم، وعليهم أن يدفعوا إلى أولياء الذي شهد عليه نصف الدية خاصاً- دون صاحبه- ثم يقتلوهما، وإن أرادوا أن يأخذوا الدية فهي بينهما نصفان. والمسألة مشكلة جداً يجب الاحتياط فيها وعدم التهجّم على قتلهما.^
^لو شهدا على شخص بالقتل العمد وأقرّ آخر بالقتل
لو شهدا أنّه قتل زيداً عمداً فأقرّ آخر أنّه هو القاتل، وبرّأ المشهود عليه، فقد ذهب جماعة إلى الأحكام التالية:
1. للولي قتل المقرّ، ولا ردّ لإقراره بالانفراد.
2. للولي قتل المشهود عليه ويردّ المقرّ نصف ديته إلى أولياء المشهود عليه.
3. للولي قتلهما بعد أن يردّ الوليّ على المشهود عليه نصف ديته دون المقرّ.---)
(--- 4. ولو أراد الولي الدية كانت عليهما نصفين.
هذا وقد أفتى بما ذكرنا الشيخان والحلبي والقاضي والكيدري ويحيى بن سعيد وابن حمزة وابن زهرة، بل ادّعى في الرياض أنّ عبائرهم غير صريحة في المخالفة عدا الحلّي وفخر الدين.[1]
وقد استندوا في ذلك إلى صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال: سألته عن رجل قتل فحمل إلى الوالي وجاءه قوم فشهد عليه الشهود أنّه قتل عمداً، فدفع الوالي القاتل إلى أولياء المقتول ليقاد به، فلم يريموا[2]حتى أتاهم رجل فأقرّ عند الوالي أنّه قتل صاحبهم عمداً، وأنّ هذا الرجل الذي شهد عليه الشهود بريء من قتل صاحبه، فلا تقتلوه به وخذوني بدمه.
قال: فقال أبو جعفر عليه السلام:
أ. «إن أراد أولياء المقتول أن يقتلوا الذي أقرّ على نفسه فليقتلوه، ولا سبيل لهم على الآخر،ولا سبيل لورثة الذي أقرّ على نفسه على ورثة[3]الذي شُهد عليه».
ب. وإن أرادوا أن يقتلوا الذي شهد عليه فليقتلوه، ولا سبيل لهم على الذي أقرّ. ثم ليؤدّ الدية الذي أقرّ على نفسه إلى أولياء الذي شُهد عليه،---)
[1]. جواهر الكلام: 42/ 223.
[2]. فلم يبرحوا وما زالوا.
[3]. الصحيح أن يقال:« على الذي شهد عليه» لأنّ المفروض قتل المقرّ لا المشهود عليه، كما سيوافيكفي الشرح.
(--- نصف الدية».
ج. قلت: أرأيت إن أرادوا أن يقتلوهما جميعاً؟
قال: «ذاك لهم، وعليهم أن يدفعوا إلى أولياء الذي شُهد عليه نصف الدية خاصّة دون صاحبه، ثم يقتلونهما به».
د. قلت: إن أرادوا أن يأخذوا الدية؟
قال: فقال: «الدية بينهما نصفان، لأنّ أحدهما أقرّ والآخر شُهد عليه».
ه. قلت: كيف جعلت لأولياء الذي شُهد عليه، على الذي أقرّ، نصف الدية حيث قتل (غير المقرّ)، ولم تجعل لأولياء الذي أقرّ،على أولياء الذي شُهد عليه، ولم يُقرّ؟
قال: «لأنّ الذي شُهد عليه ليس مثل الذي أقرّ، الذي شُهد عليه لم يقرّ ولم يبرّئ صاحبه، والآخر أقرّ وبرّأ صاحبه، فلزم الذي أقرّ وبرّأ صاحبه ما لم يلزم الذي شُهد عليه ولم يقر ولم يبرّئ صاحبه».[1]
والرواية مع صحّة سندها لم يعمل بها ابن إدريس تبعاً لقاعدة عدم حجيّة خبر الآحاد.
فلنذكر أُموراً لحلّ المسألة:
1. الفرق بين هذه المسألة والمسألة الخامسة هو أنّ التعارض كان هناك بين البيّنتين بخلاف المقام، فإنّ التعارض هنا بين البيّنة والإقرار.---)
[1]. الوسائل: 19، الباب 5 من أبواب دعوى القتل وما يثبت به، الحديث 1.
(--- 2. أنّ المفروض في قوله (الفقرة الأُولى): «إن أراد أولياء المقتول أنْ يقتلوا الذي أقرّ على نفسه» هو قتل المقرّ مع حفظ المشهود عليه، وعندئذٍ لا ينسجم مع قوله: «ثم لا سبيل لورثة الذي أقرّ على نفسه على ورثة الذي شُهد عليه» والصحيح أن يقال: على الذي شهد عليه.
ويدلّ على ذلك قول السائل في الفقرة الخامسة التي وردت عند قتل المشهود عليه دون المقرّ. وإليك النصّ:
قلت: كيف جعل لأولياء الّذي شُهد عليه «على الّذي أقرّ»، ولم يقل: على ورثة الّذي أقرّ.
وبه يظهر أنّ الصحيح في ذيل تلك الفقرة «على الّذي شُهد عليه»، لا «على أولياء الذي شُهد عليه»، فلاحظ.
3. أنّ قوله عندما سأل السائل عن قتل كليهما-: «ذاك لهم، وعليهم أن يدفعوا إلى أولياء الّذي شُهد عليه نصف الدية خاصّة دون صاحبه ثم يقتلونهما به».
والمفروض: أداء الدية قبل قتلهما بشهادة قوله: «ثم يقتلونهما به» وعندئذٍ يُدفع فاضل الدية إلى نفس المشهود عليه لا إلى ورثته. مع أنّه قال: أن يدفعوا الدية إلى أولياء الّذي شُهد عليه، نصف الدية.
4. أنّ مورد الرواية في قتل كليهما لا يخلو في بدء النظر عن صور أربع:
أ. علم الأولياء بكذب المقرّ، أو بكذب البيّنة، أو كذب كليهما.---)
(--- ب. ما إذا عُلم اشتراكهما في القتل.
ج. ما إذا عُلم إجمالًا عدم الاشتراك.
د. ما إذا لم يتبيّن الاشتراك ولا عدمه.
أمّا الصورة الأُولىفهي خارجة عن منصرف الرواية الصحيحة، إذ كيف يجوز قتل من علمت براءته عن القتل إجمالًا كما في العلم بكذب أحدهما، فكيف إذا علم كذب كليهما، وإقرار العقلاء إنّما يؤخذ إذا لم يُعلم كذبه.
وأمّا الصورة الثانية- أي إذا عُلم العلم بالاشتراك- فالظاهر خروجها عن مورد السؤال أيضاً، لأنّ حكمها معلوم داخل فيما إذا اشترك جماعة في قتل شخص.
وقد مرّ حكمه في فصل القول بالموجب المسألة 44، وقال المصنّف هناك: لو اشترك اثنان فما زاد في قتل واحد اقتُص منهم إذا أراد الولي، فيردّ عليهم ما فضل من دية المقتول ... الخ.
وبعبارة أُخرى: لمّا كان حكم المشاركة في القتل واضحاً، صار ذلك سبباً لانصراف الرواية عنه، على أنّ بعض الفقرات لا يناسب العلم بالمشاركة.
وأمّا الصورة الثالثة- أعني: العلم بعدم المشاركة- فهي أيضاً خارجة عن مصبّ الرواية لقضاء الفطرة على أنّ قتل شخص مع العلم بعدم المشاركة أمر يعد تهجّماً على الدماء ولا يرضى به صاحب الفطرة السليمة، وعندئذٍ---)
(--- كيف أجاز الإمام قتلهما، لكن مع رد نصف الدية كما في الشق الثاني.
ويظهر من المحقّق أنّه حمل الرواية على صورة العلم بعدم الاشتراك، ولذلك أشكل على الرواية بقوله: وفي قتلهما إشكال لانتفاء الشركة.[1]
وقد سبقه ابن إدريس وقال: لي في قتلهما جميعاً نظر؛ لعدم شهادة الشهود وإقرار المقرّ بالشركة. ثم قال: لو شهدت البيّنة بالاشتراك وأقرّ الآخر به، جاز قتلهما ويرد عليهما معاً دية.[2]
ولا يخفى أنّه لو قامت البيّنة على الاشتراك يدخل المورد في الصورة الثانية ويرتفع الإشكال. لكن الكلام في عدم دلالة البيّنة عليه.
وأمّا الصورة الرابعة- أعني: حمل الرواية على صورة عدم تبيّن الاشتراك ولا عدمه- ففيها: أنّه مع عدم العلم بالمشاركة كيف يجوز قتلهما، كما في الرواية مع أنّ قتلهما رهن ثبوت المشاركة؟
^^^
ثم إنّ السيد الخوئي قدس سره حاول حمل الرواية على صورة عدم تبيّن الحال، ولكنّه أثبت أنّ مقتضى الجمع بين أخذ البيّنة وإقرار المقرّ هو ثبوت المشاركة، وبذلك سهل الحكم بقتلهما.
وأمّا كيفية استفادة المشاركة فقد ذكره بالبيان التالي- مع إيضاح منّا-:
إنّ البيّنة تدلّ بالدلالة المطابقية على صدور القتل من المشهود---)
[1]. شرائع الإسلام: 4/ 221.
[2]. السرائر: 3/ 342.
(--- عليه، وبالدلالة الالتزامية على نفي اشتراك غيره فيه، لكن الدلالة الالتزامية تسقط من جهة إقرار الآخر بالقتل.
فإن قلت:إنّ إقرار المقرّ- أيضاً- يدلّ بالدلالة المطابقية على صدور القتل من المقرّ، وبالدلالة الالتزامية على نفي الاشتراك من غيره.
قلت:إقرار المقرّ حجّة بالإضافة إلى ما عليه من الآثار، وأمّا بالإضافة إلى نفي القتل عن غيره فلا يكون حجّة، إذ ليس إقراراً على النفس، بل إقراراً لصالح الغير فالنتيجة من ضمّ البيّنة إلى الإقرار هي أنّهما معاً قاتلان على نحو الاشتراك فيجري عليهما حكم الاشتراك في القتل، غير أنّ ولي المقتول إذا اقتصّ من المقرّ فليس لورثته أخذ نصف الدية من المشهود عليه، وذلك لأجل أخذ المقرّ بإقراره. ثم طبّق الصحيحة على هذا الفرع[1].
وعلى ما ذكره تدخل الرواية في صورة العلم بالمشاركة تعبّداً.
يلاحظ عليه:أنّه قدّم الدلالة المطابقية للبيّنة على الدلالة الالتزامية في المقرّ حيث إنّ مقتضى الأولى كون المشهود عليه مصدراً للقتل، ومقتضى الثانية عدم كونه مصدراً، فقدّم المطابقية في البيّنة على الالتزامية في الإقرار، ولكنّ الظاهر من ذيل الرواية هو العكس، وذلك لأنّه عندما سأل الراوي عما هو الفرق من أنّه إذا قتل المشهود عليه يردّ المقرّ نصف الدية إلى ورثة المقتول دون العكس، فلو قُتل المقرّ لا يؤدّي المشهود عليه شيئاً إلى ورثة المقرّ، فأجاب الإمام عليه السلام بقوله: 2
[1]. مباني تكملة المنهاج: 2/ 10.
(--- «إنّ الّذي شُهد عليه ليس مثل الّذي أقرّ، الّذي شُهد عليه لم يقرّ ولم يبرئ صاحبه،والآخر أقرّ وبرّأ صاحبه فلزم الّذي أقرّ وبرأما لم يلزم الّذي شُهد عليه ولم يبرّئ صاحبه».
فإنّ معنى ذلك أنّ الدلالة الالتزامية للمقرّ بعدم مشاركة غيره باق على قوّته لا يسقط عن الاعتبار، وكفى في ترتّب الأثر عليه حصر القتل في المقرّ وبالتالي تبرئة الغير.
وبذلك عُلم أنّ تجويز قتلهما فرع ثبوت الاشتراك، وإلّا فيكون مخالفاً للضوابط، والمفروض أنّه لم يثبت الاشتراك.
وحصيلة الكلام:أنّ تجويز قتل كلّ واحد وحده ممّا لا إشكال فيه لأحدٍ لحجّية البيّنة في مفادها والإقرار في مفاده، إنّما الاشكال في تجويز قتلهما مع عدم ثبوت الاشتراك.
كلّ ذلك صار سبباً لما ذكره في المتن من الاحتياط وقال: والمسألة مشكلة جدّاً يجب الاحتياط فيها، وعدم التهجّم على قتلهما.
ويمكن حمل الرواية على صورة تبيّن الحال، لكن بصور مختلفة حسب ادّعاء الأولياء وأنّ لكلّ شقّ من الرواية صورة خاصّة:
1. فإن ادّعوا أنّ القاتل هو المشهود عليه فيقتل هو ليس لهم التعرّض للمقرّ.
2. ولو ادّعوا أنّ القاتل هو المقرّ فيقتل وليس للأولياء التعرّض---)